نريد نجّارين

04:16 صباحا
قراءة دقيقتين
إذا استطاع أحد التقاط أنفاسه بين الأمواج العاتية العالية، من الشرق الأوسط إلى كأس العالم، فهذا سؤال يزداد جدّة بمرور الزمن: لماذا ولّى زمان ظهور الأساطين في الآداب والفنون، ولا أزيد فتزداد الشؤون شجوناً . ولا أذكر شيئاً من بحر الأسماء، حتى لا يحتاج القارئ إلى قارب نجاة أو سفينة نوح . على رأي حافظ الشيرازي: "الليل حالك ورعب الأمواج والإعصار الرهيب . . ماذا يعرف عن حالنا خفاف الحِمل على السواحل؟" .
في السؤال صفة من صفات الجندب، تسمع صريره ولا تهتمّ له، حتى إذا نطّ أمامك لفت انتباهك . سيقول قائل: قضية بهذه العظمة يجرؤ القلم العابث على تشبيهها بالصرّار؟ لكن القلم على حق، فقد علمته الأيام أن الجندب الذي لا يسترعي انتباهك لحقارة حجمه، وصغر شأنه يمتطي صهوة اختصار المراحل البيولوجية، ويتحوّل إلى ديناصور لاحِم: "قد يبعث الأمر العظيمَ صغيرهُ . . حتى تظل له الدماء تَصَبَّبُ" .
لا إغراق في الاستطراد احتراماً لقواعد كتابة العمود . رغم أن "القاعدة" تستطيع أن تدمّر قواعد البلدان . أصل الموضوع أن هذا الزمن العربيّ الذي يعاني أزمة ثقافية، لا يجد في ساحات الثقافة ثقافة . فأهل المسرح يعترفون بأزمة نص . والشعر لا يحرّك الناس من الماء إلى الماء . والرواية كثيرة الحشف، وتمراتها القليلة ضائعة في بحار الأمية . والفنون التشكيلية، بصراحة شغل الخواص، فإيصال رسالة من خلالها ليس ذا بال لدى العامة . والموسيقى، ولنا منها الطقطوقة، وكفى الله المحظوظين شرّ السماع، تزيد الطين بلّة والذوق بعداً من السلامة .
هل بالغت أو شططت؟ من يستطيع إنكار أن كل ما يجري أمام أعيننا له علاقة وثيقة بالثقافة؟ يقيناً، لن يبلغ الجنون بأحد حدّ القول: إن أزمات العالم العربي، المسؤول عنها هو موتزارت أو تولستوي أو همنغواي والمعرّي ودانتي والخيّام . . لكن الدماغ مثل الجغرافيا السياسية لا تقبل الفراغ، فعندما يخلو من مساكن للعظماء، تسكنه العفاريت والأشباح . مع العلم أن تلك المساكن يجب أن تكون لبناتها من صخور الهوية والشخصية والخصوصية . تلك اللبنات هي الأسس الثقافية الأصيلة، التي تقوم عليها العلاقات الدبلوماسية الثقافية مع أساطين الشرق والغرب، فتزداد ثراء وتبقى أنت أنت . تغنيك المصبّات ولا تغيّر كيانك وكينونتك .
لزوم ما يلزم: استغنينا عن كل العلوم والمعارف، فهل يجود الدهر بنجّارين يصنعون لنا سفينة، ونوح على الله؟

عبداللطيف الزبيدي
[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"