د. عيسى صالح الحمادي *
أضاءت «اليونسكو» نوراً خالداً بتاج اللغات (المعجم التاريخي) الذي كان حلماً يراود الشارقة منبع الأنوار، حيث سعى في رعايته سعياً حاكم الشارقة الذي كان سباقاً مع الزمن في متابعته المخلصة، ودعمه اللغوي السخي للمعجم التاريخي، فسموّه رائد للعلم والثقافة وفارس العربية والحصن الحصين للسانها، جعل من الشارقة منبعاً للأنوار فحصدت سلسلة من الإنجازات في «اليونسكو» كان أبرزها أن توّجت الشارقة عاصمة عالمية للكتاب عام 2019م.
لو رجعنا إلى تاريخ الأنوار في بلاد الأنوار وسَأَلْنَا الملك «فرانسوا الأول» في القرن السادس الميلادي: لماذا أصدرت قراراً عام (1538م) بِتَبنِّي اللغة العربية كلغة أساسية للتّدريس في فرنسا؟ سنجد الإجابة عبر الزمن تمتدّ ليَنطق بها لسان «جاك لانغ» وزير الثقافة الفرنسي المعاصر في قوله: «من دون اللغة العربية لم نكن لنتعرَّف إلى عدد من الفلاسفة الإغريقيين، ولم تكن بعض العلوم والرياضيات لتصلنا، ولما تعرَّفنا إلى كتاب ألفِ ليلة وليلة»، لذا فإنّ العربية جزء من التّاريخ الثقافي والتعليمي في بلاد الأنوار، حيث كانتْ تدرس من الابتدائية إلى المرحلة الجامعية، أما روايةُ (حَيِّ بْنِ يَقْظَانَ) لابْنِ طُفَيْلِ -التي انتشرت في أوروبا- فتدور حول طفل يعيش في جزيرة مهجورة، ثم يبحث عن الحقيقة فيجد نفسه حيا مع الحضارة الإنسانية، وذلك عندما يلتقي ب«أَبْسَالَ» الذي جاء إلى الجزيرة ليعتزل الناس ويتأمل في الحياة والدين، فإذا كان لهذه الرواية نهضة وتأثير ٌكبير من الأدب العربي على الأدب الأوروبي، فكيف بإنجاز لغوي مداده سبعة أبحر من الزمن أُنْجِزَ خلالها إنجازٌ لغوي عظيم، هو المعجم التّاريخي الذي تحقّق بإيمان راسخ من حاكم الشارقة فقد تجلى في قوله:«إن حفظ اللغة هو حفظ لأبنائها، وحفظ لتاريخها المجيد، وحفْظ لآدابها وأصالتِها وهويّتِها»، فمنذ بَدْء تبَنِّي سموه للفكرة، ثم ترجمتها إلى واقع عملي ومنهجيّة علمية محكمة، وصولاً إلى التّتويج في قمة العالم التّعليمية والثقافية بالمنظّمة وإدراج المعجم التّاريخي للغة العربية رسمياً في مكتبة «اليونسكو».
شكراً لكم يا شارقة الأنوار، شكراً لكم يا صاحب السمو الوالد الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، فقد توّجتم العالم بتاج اللغات، فشكراً يزدان دوماً، ويبقى أبداً من كل فرد من أبناء العربية ومحبّيها في كل زمان ومكان، لقد ألهمتم أبناء العربية وعشاقها أنواراً خالدة من منبع الأنوار.. إنها الشارقة.. وبهذا الإنجاز سيبقى منبعها أنواراً مشرقة.. وفي بلاد الأنوار حروفاً بارقة..
* مدير المركز التربوي للغة العربية لدول الخليج
د. عيسى صالح الحمادي*
قال تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 203] تتجلى عظمة القرآن الكريم في ألفاظه المحكمة المنتقاة بحكمة؛ لذا أشارت الآية الكريمة إلى وصف القرآن الكريم وآياته بأنها «بصائر»، ومفردها بصيرة، وهي: قوة الإدراك والفطنة، كما يُعد من أهم معانيها النظر النافذ إلى خفايا الأمور وبُعد النظر الذي يتطلبه فهم القرآن الكريم وألفاظه الحكيمة. لذلك، فإن قولنا: فلان نافذ البصيرة؛، أي: ذو ذهن وعقل ثاقب، وإدراك قوي نافذ إلى خفايا الأمور، وهو ما تتطلبه الفروق اللغوية للتمييز بين ألفاظ العربية ومفرداتها، فلا يفطن إلى خفايا تلك الفروق اللغوية إلا البصيرة العربية لأصحاب الذهن الثاقب والإدراك الفطن النافذ الذي يكشف عن تلك الخفايا لمعاني الألفاظ ودقة مفرداتها، فإن كان البصر هو: الرؤية الظاهرة؛ فإن البصيرة هي: الرؤية العلمية الخفية لما لم يظهر من فروق لغوية إلا بتلك الفطنة والعقل الثاقب.
وبناءً على ما تقدَّم، فإن الفروق اللغوية هي ما تراه تلك البصيرة النافذة في خفايا الألفاظ من معانٍ تتفرد بها كل لفظة عن مترادفاتها في القرآن الكريم على سبيل المثال دون لفظة أخرى مترادفة معها؛ رغم التقارب في المعنى بين تلك المترادفات، وإنما هو لوجود معنى خفي لا تراه إلا تلك الفطنة والعقل الثاقب؛ ولذلك قال تعالى: ﴿ الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1]، ففي دقة اختيار ألفاظه وما تحمله من معانٍ هو ما يسمى (الفروق اللغوية)؛، هذا المفهوم اللغوي العلمي الدقيق الذي يعد من الأهمية بمكان في اللغة العربية، حتى أن بعض علماء اللغة أفرد وصنف فيه مصنفاً خاصاً؛. ومن أشهر تلك المصنفات كتاب «الفروق اللغوية» لأبي هلال العسكري الذي صنفه في القرن الرابع للهجرة، والذي طبع لأول مرة في مصر عام 1935م، وذلك عن أربع نسخ مخطوطة، وحققه حسام الدين القدسي، ويُقال إن أحد تلامذته اختصره في كتاب «اللمع من الفروق» كما أشار بروكلمان إلى ذلك في كتابه «تاريخ الأدب العربي».
لذا، فإننا نود أن نشير هنا إلى واحدة من أبرز خصائص هذه المعجزة التي تفردت بها اللغة الشريفة من بين جميع اللغات، ومن تلك الخصائص «الفروق اللغوية في اللغة العربية»؛ وذلك لأن الله تحدى كل قوم بما اشتهروا به ليعجزهم به وليقيم عليهم الحجج والبراهين ليأتوا بمثله إن كانوا صادقين، فقوم موسى، عليه السلام، اشتهر بينهم السحر فتحداهم الله تعالى بعصا موسى. وقوم عيسى، عليه السلام، اشتهروا بالطب فتحداهم لله تعالى بمعجزة الطب لدى عيسى، عليه السلام، حيث كان يبرئ الأكمه والأبرص. لذا، كان تحدي قريش في لسانهم العربي لما اشتهر بينهم من فصاحة وبيان في اللسان العربي؛ لذا فإن من أبرز ما تحداهم به الله هو اختيار اللفظ ببصيرة يدرك بها ذلك العربي الفصيح معانيه الخفية بفطنته وعقله الثاقب.
لكن هناك من سبق أبا هلال العسكري ووضع كتاباً مستقلاً في الفروق اللغوية هو الجاحظ وذلك في كتابه «الفرق في اللغة» كما أشار إلى ذلك بروكلمان في كتابه «تاريخ الأدب العربي»،؛ كما ذكر أن نسخة منه في مكتبة القرويين بمدينة فاس ولعله يحتاج إلى تحقيق واقتناء لمخطوطه، كما أن هناك من لم يفرد مصنفاً في الفروق اللغوية لكنه خصص له باباً ضمن مصنفه كابن قتيبة في كتابه «أدب الكاتب»، حيث خصص باباً حول «ما يضعه الناس في غير موضعه»، أي: الألفاظ والمترادفات اللغوية. لذا، فإن أول من وضع كتاباً مستقلاً في الفروق اللغوية هو الجاحظ، لكن يظل مصنف أبي هلال العسكري أوسع المصنفات في الفروق اللغوية الذي بوَّبهُ بثلاثين باباً من طائفة الألفاظ المتقاربة في المعنى في موضوع محدد، فتبعاً للدلالات الأصلية للألفاظ،ذكر العسكري الفروق اللغوية بينها.
أما عن سبب التصنيف والبحث، سواء بكتاب متفرد في الفروق اللغوية أو بباب ضمن مصنف أو مسألة، فإن هؤلاء العلماء اللغويين فطنوا إلى الخلط اللغوي لدى الناس واستعمالهم للمفردات المتقاربة المعاني، بل عدّوه من فساد اللغة؛ لذلك، اجتهدوا في هذه المسألة لإعادة المفردات والألفاظ إلى معانيها الحقيقية. ولذلك، أشار أبو هلال العسكري في مقدمة كتابه إلى المبررات التي دفعته إلى التصنيف، حيث وجد فراغاً لدى المتعلم من حيث المصنفات في هذا المجال. يقول العسكري في مقدمة كتابه «الفروق اللغوية»: «ثم إني ما رأيت نوعاً من العلوم، وفناً من الآداب، إلا وقد صنف فيه كتب تجمع أطرافه، وتنظم أصنافه، إلا الكلام في الفروق اللغوية بين معانٍ تقاربت حتى أشكل الفرق بينها، نحو: العلم والمعرفة، والفطنة والذكاء، والإرادة والمشيئة، والغضب والسخط، والخطأ والغلط... إلخ».
كما أشار العسكري في أول باب في كتابه إلى أن اختلاف العبارات والأسماء يوُجب اختلاف المعاني والفروق بينها في الدلالات؛ مستشهداً بقول المبرِّد إمام العربية في بغداد، حيث يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: 48]: فعطف «شرعةً» على «منهاج»؛ لأن الشِّرعة لأول الشيء والمنهاج لمعظمه ومتسعه، واستشهد على ذلك بقولهم «شرع فلان في كذا إذا ابتدأه، وأنهج البلى في الثوب إذا اتسع فيه».
*مدير المركز التربوي للغة العربية لدول الخليج - أستاذ مساعد بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية
لقد خلَق اللهُ الخلقَ وأكرمَهم بما أنعَمَ عليهم، ولكنَّ أعظمَ تكريم تفضَّل اللهُ به على خلْقِهِ هو تكريم بني آدم؛ حيث حمَلَهُمْ في البر والبحر وفضَّلَهُم على كثيرٍ ممَّنْ خَلَق: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» [الْإِسْرَاءِ: 70]، قال ابنُ عباس: «كرَّمهم بالنطق والتمييز؛ فحمَلَهم في البر ركوباً على الدوابّ، وحمَلَهم في البحر ركوباً على السفن، فذلَّل لهم ركوبَ الحياة أينما حلُّوا»، قال تعالى: «وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ» [يس: 72]، ومن هنا يتجلَّى فضلُ الله على بني آدم في إكرامه لهم على كثير من المخلوقات وليس جميعها؛ فهناك مَنْ هم أعظم خَلْقاً من البشر؛ وهم الملائكة في عِظَم خَلقِهم ومكانتهم، إلا مَنِ اصطفاه الله تعالى من البشر كمحمد -صلى الله عليه وسلم-، ولكن الله -تعالى- وضَع بين البشر ميزاناً آخَرَ للتفاضل الحقيقي في ما بينهم ومنه العِلم.
ونود هنا أن نسلِّط الضوءَ على عظمة هذا المفهوم (العِلم) الذي حفَّه اللهُ بالبركة، بل بارَك لمن يَصدُق معه بأن جعل له في العِلم حياة، فيُنَعَّم صاحبُه فيه بحيوية ونشاط مهما بلغ من العُمر، بل يحيى حياةً طيبةً مباركةً؛ لأن العلم يرتبط بالتفكير والدماغ الذي يقوم بدوره الوظيفي في معالَجة النصوص وصولاً إلى النتائج التي تُبنى على الاستنباطات والاستقراءات والاستنتاجات والتحليلات وغيرها من العمليات العقلية العليا خاصةً.
لذا فإن (لكم في العلم حياة) أي: يظلّ العِلم يحافظ على صاحبه بما يُضفيه عليه من تجديد للفكرة خاصةً، مع كل ما هو مستجِدّ في مجال الاختصاص أو ما يُسمى بالهوية التخصصية في مجال الدراسة، وهنا يشعر بالحياة في أسمى معانيها مع بركة العِلم وفضله، بل الرفعة التي ينالها بالعِلم، وهذا هو المعنى الحقيقي ل (ولكم في العِلم حياة)، هكذا علَّمَنا والدُنا سلطان حاكم الشارقة - يحفظه الله ويرعاه - حيث يقول: «قد يَعرِف بعضُكم أنني أقرأ وأكتب عن التاريخ منذ فترة طويلة. وأعتقد أن ذلك يجري في دمي، ولن أكفَّ عنه طوالَ العمر»، فهي رسالة إلينا جميعًا بأن العلم هو حياة للعقلاء، وهو دأب الحكماء، وهكذا أحيا سموُّه الشارقةَ بدُور العِلْم، وصُرُوح الجامعات، وقِباب الأدب.
في إحدى المناسَبات بإحدى الجامعات دُعيتُ إلى تقديم كلمة ضمن برنامج أحد الملتقيات بالجامعة، وكان أغلب الحضور من أساتذة الجامعة الوقورين ممَّن تقدَّم بهم السن وبلغوا مبلغاً من العلم، فاستحييتُ في مقامهم أن أتقدَّمَهم بكلمة، ولكن كلمة المركز التربوي فرَضَتْ عليَّ أن تُقدَّم في بداية الفِقرات، فبدأتُ الكلمةَ، وبعد الترحيب رأيتُ الهيبةَ ووقارَ العلم في أولئك الحضور من العلماء والأساتذة الأجلَّاء، فتعاظم بي الموقفُ، فما كان مني إلا أن أوَجِّبَ إجلالهم، فبعد التحية والترحيب قلتُ لهم: أيها الأساتذة الأجلاء، إنَّ الشباب الحقيقي هو شباب العقل وليس السن، وشباب العقل هو أن يظل العقل منتِجاً للعلم والمعرفة، فما دامت عقولكم تُنتج العلم وتتدفق بالمعرفة فهذا هو الشباب في حقيقته، بينما أكثر الشباب ورغم هيئتهم الشبابية ما زالوا في طَوْر السعي لاكتساب العلم والمعرفة وما زالوا يطمحون إلى إنتاجكم العلمي، فالشباب بلا إنتاج هو شيخوخة، والشيخوخة المنتِجة بعِلمها هي شابَّة بذلك الإنتاج العلمي.
منذ أيامٍ كنا نترقب حلول شهر رمضان في لهفة وشوق وكأن زائراً عزيزاً سَيَهِلُّ علينا بعد غيابٍ طويل، وها نحن الآن نودعه في عشرهِ الأواخر، إلا أن زائرنا المبارك وعبر الزمن له قيمةٌ عظيمةٌ فهو موسمٌ عزيزٌ على أهله بما يحمله من معانٍ سامية وألفاظٍ معجميةٍ، ولكل موسم معجمه.
فأيامنا تتداول وفي ثناياها مناسبات ومواسم متنوعة: دينية ووطنية واجتماعية وثقافية وغيرها، ولكل مناسبة وموسم معجمه الذي يحتوي على مجموعة من الألفاظ اللغوية والمصطلحات التي ترتبط بما يعبر عن تلك المناسبة، أما المناسبات الدينية فمن أبرزها شهر رمضان المبارك، فعند سماعنا لشهر رمضان تتبادر إلى أذهاننا ألفاظه المعجمية التي تعبر عن كل ما يرتبط بهذا الشهر الكريم من مفاهيم وألفاظ لغوية خاصة بهذه الشعيرة الدينية السنوية، حيث تتكرر في أذهاننا كل عام لتحفزنا للاستعداد لهذا الشهر الكريم، حتى إن بعضهم خصص معجماً لهذه المناسبة.
من أبرز تلك المعاجم (معجم رمضان) للمؤلف فؤاد مرسي الذي قام بتأليفه ليشكل قاعدة معلومات ولغويات رمضانية، حيث لا يوجد معجم كامل خاص بهذا الشهر وإنما تتناثر مواده بين المراجع، وقد أشار في فصول الكتاب إلى عدة موضوعات رمضانية، منها: فقه شهر رمضان وعباداته ورؤية الهلال والسحور وصلاة التراويح وغيرها، بالإضافة إلى الأحداث التاريخية في رمضان وكذلك الآداب والفنون والأمثال.
وفي هذا السياق نود أن نسلط الضوء على اللغويات الرمضانية التي ترتبط بالألفاظ والمفاهيم التي كان لنزول القرآن الكريم إيذاناً بدخول العديد من الألفاظ مرحلةً جديدةً وخاصةً في الاصطلاح الشرعي مثل: رؤية الهلال ويوم الشك والسحور والصيام والفطور وصلاة التراويح والتهجد والاعتكاف وزكاة الفطر وليلة القدر والعشر الأواخر وغيره، حتى لفظ رمضان أصبح له معنى ومفهوم جديد في الاصطلاح الشرعي، فبمجرد حلول هذا الشهر الكريم؛ فإنه تتبادر إلى أذهاننا هذه اللغويات الرمضانية الموسمية، فعلى سبيل المثال لفظ السحور في الأصل هو الطعام والشراب اللذان يتناولهما الصائم وقت السحر لكنه لم يعد فقط مجرد مأكل ومشرب بل أصبح سُنّة، ومن آداب الصيام، كذلك لفظة الصيام إذ لها أكثر من معنى منها: صامت الشمس: صارت في كبد السماء، وصامت الفرس: قامت ولم تعتلف، أما شرعاً: فهو الإمساك عن الطعام والشراب والمفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أما تسمية رمضان فأهل العلم يوثقون الصلة بين التسمية (رمضان) وشدة الحر: رمض النهار أي اشتد حره، وقيل: سمي بذلك: لأنه يرمض الذنوب أي: يحرقها وفي ذلك تطهير معنوي بمعنى الإزالة، وأما صلاة التراويح: الجلوس، لأن المصلين يستريحون بين ركعاتها، وأما زكاة الفطر: ففي الدلالات اللغوية للمعجم الصومي في أساسها: التطهير والسمو بالنفس البشرية، ففي اللغة زكاة الفطر: من زكا يزكو: نما ينمو، لكن الاصطلاح الشرعي جعل الزكاة تطهيراً لمال المزكي وللنفس من أردان الشح والبخل إلى آفاق الإيثار والإنفاق ولرسم البسمة على شفاه المحتاجين من اليتامى والمساكين وغيرهم، ولأن المقال لا يستوعب سرد جميع المعاني اللغوية والاصطلاحية للغويات الرمضانية فنكتفي بما ذُكر على سبيل المثال لا الحصر.وبناءً على ما تقدم؛ فإننا نوصي في ختام هذا الشهر الفضيل الذي سيودعنا بعد أيامٍ قليلة بضرورة إعداد إطار مرجعي رمضاني أو (الموسوعة الرمضانية) التي ستجمع كل ما يرتبط بهذا الشهر الفضيل.
عيسى صالح الحمادي*
تتعدد الأيام التي ترتبط بالمناسبات والأحداث سواء أكانت أياماً على المستوى العالمي أو الإقليمي أو الوطني، والتي تهدف إلى نشر الوعي والثقافة والتوعية بأهمية القضايا التي ترتبط بتلك المناسبة، والاحتفاء بالإنجازات التي تحققت في مجالها، وتقويم الخطط والسياسات التي تم إقرارها، وما تحقق فيها من أهداف منشودة، إضافة إلى تنظيم الفعاليات والبرامج على مستوى المؤسسات المعنية بالمجتمع، للتفاعل مع تلك المناسبة في يومها.
ويعد التفاعل مع هذه المناسبات باختلاف المستويات التي تمثلها، مؤشراً على أهمية الحدث الذي يمثل هذه المناسبة؛ وذلك من خلال آليات محددة، كذلك باختلاف البعد الجغرافي الذي تحدده المظلة الخاصة للمنظمات باختلاف أبعادها الدولية أو الإقليمية أو الوطنية، ومن أبرز تلك المنظمات أو الجهات الإقليمية، مكتب التربية العربي لدول الخليج الذي تمثله سبع دول أعضاء، والتي اعتمدت مناسبات خاصة من منطلق أهمية تلك المناسبات في استثمارها الاستثمار الأمثل، لبناء مستقبلها بما تملكه من موارد بشرية ومادية، ومن أهم تلك المناسبات، هي المناسبات ذات الارتباط بمجال التربية والتعليم؛ لأنها تُعنى ببناء العقول والفكر، وهو أصل ومنطلق كل بناء واستثمار، وعندما نبحث في مجال الفكر عن مستوياته وعملياته العقلية، يأتي الإبداع في أعلى مستوياته الدماغ لدى الإنسان، ولأن الإبداع هو مصنع ونتاج للأفكار الجديدة غير المألوفة والتي تحدث تغييراً جذرياً في مجال التطوير؛ فإنه يعد استثماراً وطنياً جذرياً وعظيماً؛ ومن هنا جاء اهتمام مكتب التربية العربي لدول الخليج وأجهزته بتخصيص يوم خليجي للموهبة والإبداع.
تأتي مبادرات وبرامج الموهبة والإبداع ضمن أولويات الخطة الاستراتيجية بمكتب التربية العربي لدول الخليج، لأهمية هذا المجال في استثمار الثروة الفكرية والعقلية لهذه الفئة من الطلبة، وتتجلى جهود مكتب التربية العربي وأجهزته في العديد من البرامج، ومن أبرز تلك الجهود إصدار: (اكتشاف الموهبة ورعاية الموهوبين) ضمن سلسلة (إضاءات تربوية) وإصدار: (اكتشاف الموهبة ورعاية الموهوبين)؛ حيث يتضمن التحديات التي تواجه رعاية الموهوبين، ومن ثم يقدم الوسائل والأساليب الملائمة لاكتشافهم ورعايتهم.
وعليه، ندعو جميع المؤسسات المعنية في المجتمع سواء في مرحلة التعليم العام أو التعليم الجامعي إلى ضرورة تأسيس مراكز للموهبة والإبداع، لها شخصية اعتبارية مستقلة، لتكون متمكنة من اتخاذ القرارات، ورسم السياسات، وتحقيق الأهداف من خلال بناء الخطط الاستراتيجية في مجال رعاية هذه الفئة الخاصة من الموهوبين والمبدعين، وتحديثها باستمرار، نظراً لتجدد المتغيرات البيئية والتربوية والتعليمية والتقنية، وأيضاً لارتباطها باحتياجات المجتمع وسوق العمل في المستقبل، ومن أجل إعداد جيل يقود موهبته وإبداعاته، ليسهم بها في بناء وطنه، متحصناً بقيم المواطنة، ومتمكناً من مهارات المستقبل.
* مدير المركز التربوي للغة العربية لدول الخليج
د.عيسى الحمّادي*
لقد اختار الله مطلع شمس المعاجم من الشارقة؛ ليشرق «المعجم التاريخي» بضياء حروفه اللامعة، ومعانيه المشرقة في أرجاء العالم العربي من أول مطلعه، فمنذ زمن ونحن في لهفة إلى ميلاد «المعجم التاريخي» الذي يعد أبرز قضايا اللغة العربية العالقة في الوقت المعاصر؛ لكن هذا المعجم بقي منتظراً يترقب من يرفع رايته خفاقة، ويحقق غايته العظمى سبّاقاً، فيسطّر مجداً تاريخياً عظيماً في تاريخ اللغة العظمى للأمة العربية والإسلامية، إلا أن تلك الظروف، وهذا التوقف شاءه الله أن يُرجأ كي يضعه بين يدي من اصطفاه لرعايته وإنجازه؛ وهو أحد البارّين بالعربية المخلصين لحروفها، ومن صفوة الصفوة المعتزين بعظمتها، وهو العالم الجليل، الوالد، صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، سليل الأمجاد العربية والتاريخ الأصيل، الذي احتضن الفكرة ورعاها بإلهامه، وسقاها من عطائه، وقاد المجامع اللغوية بتوجيهاته، بل أولى فكرة المعجم التاريخي جلّ اهتمامه، حتى أصبح إنجازه هاجساً يراوده في ليله ونهاره، لا يغادر فكره لحظة؛ وذلك حال المخلصين.
وبهذه المناسبة التاريخية للعربية، فإننا نزف بشرى مولود لغوي جديد صادر عن مجمع اللغة العربية في الشارقة، الذي أدار إنجاز المعجم التاريخي باحترافية إدارية، وبالتنسيق مع اتحاد المجامع بالقاهرة، من خلال فريق لغوي متمكن من جميع أنحاء الوطن العربي.
إن توظيف التطور التقني ومدونة المعجم التاريخي التي أنجزها مجمع اللغة العربية في الشارقة، تضمنّا آلاف الكتب لتكون المدونة مرجعاً ضخماً وميسراً في تأصيل التطور التاريخي للكلمة، لذا سيظل هذا المعجم عبر التاريخ مرجعاً رصيناً وأصيلاً للعربية، فليس هناك بحث، أو دراسة، أو مقال إلا وللمعجم التاريخي له فيه حظ ومرجع، لأن المعجم التاريخي لا يتناول المعاني اللغوية فقط، وإنما المفاهيم والمصطلحات التي ترتبط بجميع مجالات العلوم الأكاديمية وغيرها، لذا سيبقى المعجم التاريخي مورداً للعالم العربي والإسلامي، ينهل منه الطلبة والأكاديميون والباحثون في جميع التخصصات والمجالات، ولكن بألفاظ مدققة، ومعانٍ مؤرّخة، وشواهد مبرهنة، وهنيئاً للشارقة هذا الإنجاز اللغوي الأصيل، وليكتب التاريخ اليوم شرف السبق في رعايته وإنجازه لسلطان الشارقة، الذي يسبغ على العلم والعربية والثقافة عطاء الواثق بالله، المتوكل عليه:
يا حاتم الجود مهلاً في العطاء
فلو كان العطاء كتاباً فسلطان عنوانه
يعطي عطاء الذي لا يخشى فاقته
أكرم بواثقٍ بفضل الله سبحانه
*مدير المركز التربوي للغة العربية لدول الخليج بالشارقة