أوّل ما توقفت عنده في أنطولوجيا الشعر البولندي في خمسة قرون لهاتف جنابي قصيدة للشاعر تسيبريان كميل نورفيد (1821- 1883) يمجّد فيها المجاهد عبدالقادر الجزائري، ويخاطبه قائلاً: «لهذا تقبّل من بعيد يا أميرُ ذا التمجيد ولتتلألأ دموع اليتامى إليك». ومع أن الشاعر نورفيد ينحدر من عائلة يهودية، إلّا أنه يخاطب المجاهد الجزائري بقوله: «.. إذن فلتكن خيمتك أوسع من غابة أرز داود»، وله أيضاً قصيدة جميلة أخرى عن القلم، يقول: «أيها القلم أنت لي شراعُ جناحٍ ملائكيّ، وعليك أن تكون قلماً حبراً لا يخالطه ماء».
الشاعرة البولندية أنّا شفير شتشينسكا (1909-1984) نقرأ لها هذه القصيدة الإنسانية حول رجل عجوز ينكّل به جندي ألماني، تقول: «رجل عجوز يغادر بيته حاملاً كتباً، يتقدم منه جندي ألماني، يأخذ الكتب ويقذفها إلى الوحل، يحاول العجوز استرجاعها، يصفعه الجندي، فيسقط، يركله الجندي ويبتعد، الرجل العجوز المرمي في الوحل والدم يتحسّس الكتب تحته».
الشاعر بوهدان زادورا (1945) يخاطب أمريكا بهذه القصيدة القصيرة: «طلباً واحداً يا أمريكا.. هل بإمكانك أن تحققي أساطيرك حيث أنت؟». أما الشاعر آدم ليزاكوفسكي (1956)، فيكتب قصيدة بعنوان «تاريخ كاليفورنيا» يستعرض فيها كيف أُبيد الهنود الحمر، سكان أمريكا الأصليون، على يد موجات من المستعمرين جاءوا على متن سفن وأشرعة ملوّنة بالصلبان «متزنرين بمسدسات وبنادقهم على أكتافهم».
موضوع الحب لا يغيب عن الشعر البولندي، ومن أجمل ما قرأت هنا، قصيدة للشاعر يزي يارنيفيتش (1958) يقول فيها: «إذا الحصان تعثر خلف العربة، سأشتري لكِ النجوم في الظلام خلف النافذة، وإذا النجوم سقطت منهكة، سأعطيكِ من غبارها خاتماً من الفضة، وإذا الخاتم غطّاه الصدأ، سيبقى معنا العرق والدم والدموع».
حب آخر يتحدث عنه الشاعر يوزف باران (1947)، ويقول: «كأنك خلية نحل محشوة بأقراص العسل، عبّاد شمس في شهر أيار بعد الشتاء».
ثم إليك هذه «القصيدة - القصة»، للشاعر كشيشتوف كارساك (1937) عن معطفه. يقول: «في المقهى علّقت على كلّاب الشماعة جثة معطفي، ثم وأنا آكل نظرت إلى جلده المنسوج بالرّيح متدلياً بطريقة مشوّشة، فلا يذكرني بقوام جسدي في أي شيء. خرقة وسخة رمادية ذات كتفين مدوّرتين وكُمّين متهتكين، وفكّرت.. هذا ليس معطفاً، هذا أنا هنا، على الشمّاعة في هذا المقهى، بينما المعطف، هذا المعطف الحقيقي، يتناول الغداء بدلاً منك».
شعر بولندي، أخوي، إنساني، خفيف كفنجان قهوة، فيه طبيعة، وسفر، وتأمل، وبوح، وكتمان، مثله مثل أي شعر آخر غير مفتعل أو متزين ببودرة أو مكياج. شعر على السليقة، يشبهك، ويشبهني في لحظة إنسانية مكثفة بالمعرفة والصداقة.
[email protected]
أنجز الشاعر العراقي هاتف جنابي، المقيم في بولندا منذ سنوات طويلة، أنثولوجيا موسعة، جاءت في 900 صفحة من القطع الكبير، وشملت الشعر البولندي في خمسة قرون، منذ العام 1530 وإلى العام 2020، وضمّت 65 شاعراً وشاعرة، بدءاً من الشاعر يان كوها نوفسكي (1530-1584)، وحتى الشاعر كشيشتوف شيفيتشك المولود في العام 1977، أي أنه في نحو الخمسين من عمره، وليس ببعيد أنه تجوّل قبل أيام في معرض وارسو الدولي مع أصدقائه من الشعراء الذين ضمتهم هذه الأنثولوجيا الضخمة، والتي سبق للقارئ العربي أن حصل عليها في معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورة العام 2021، وقد حصلتُ على نسختي في تلك الدورة، وغرقتُ في الشعر البولندي على مدى 500 عام، لأقرأ نصوصاً لكل هؤلاء الشعراء، وأتعرّف إلى حيواتهم من خلال التعريف بكل شاعر، وهو الجهد العظيم والجميل الذي قدّمه هاتف جنابي للمكتبة العربية، وأهمية ما قدّمه أنه نقل إلى العربية هذه الأنثولوجيا من لغتها الأم البولندية إلى لغتنا الأم أيضاً، بترجمة حرفية محبّة للشعر الإنساني في كل مكان وزمان.
بمناسبة حلول الشارقة ضيف شرف في معرض وارسو الدولي للكتاب، أقدّم بدوري مُلخّصاً عن المقدمة الوافية الكافية التي وضعها هاتف جنابي لهذا الكتاب التوثيقي بالفعل، لشعر أوروبي بولندي نتعرّف إليه ربما للمرة الأولى، أو على الأقل أتعرّف إليه أنا للمرة الأولى، وبهذا الشغف والتجوال بين شاعر وآخر، مع ضرورة الإشارة إلى أن هذا الكتاب المهم الذي نعود إليه الآن ونحن في قلب احتفاء بولندا بالثقافة الإماراتية، قد صدر في طبعته الأولى 2021 عن دار المدى.
يخبرنا هاتف جنابي أن اللغة البولندية لغة هندو- أوروبية، لكنها من عائلة اللغات السلافية، وهي تعتبر من اللغات الأوروبية الصعبة، كما يقول الشاعر المترجم، ونعرف أيضاً أن يان كوهانوفسكي هو شاعر بولندا الأول بلا منازع في عصر النهضة، أما أوّل رواية بولندية بعد «دون كيخوته» بحوالي مئتي عام، فكانت رواية بعنوان «حالات» في العام 1776، وكتبها الشاعر إغناتسي كراشيتسكي (1735-1801).
يشير هاتف جنابي إلى الأثر العربي في الشعر البولندي، الصحراء مثلاً، والفروسية العربية، ويتحدث جنابي عن شاعرة بولندية هي ماريا كونونييتسكا 1842- 1910، ويقول إنها كانت معزولة محتقرة من قبل محيطها، فأحرقت ملابسها النسائية وارتدت ملابس الرجال، وعاشت تحت اسم مذكّر، لتصبح ملهمة للكثير من الشعراء البولنديين.
شهدت بولندا نشوء ظواهر ثقافية وسياسية مثل «بولندا الفتية» (1890-1918)، وظهور ما يسمى الشعر الأبيض، وشعر العبيد، وظهور مجلّات أدبية مهمة مثل مجلة «بروليون» التي ظهرت في أواخر الثمانينات، وغداً أتابع هذه الأنثروبولوجيا، ولكن من خلال الشعر الذي ينطق بلسان أي إنسان جميل في هذا العالم، وهو لسان اللغة التي تظهر عبقريتها اليوم في الشارقة، وفي وارسو.
[email protected]
استقطب جناح الشارقة في معرض وارسو الدولي للكتاب، وفي إطار الاحتفال بالإمارة ضيف شرف في المعرض للمرة الأولى في تاريخه على مستوى عربي، العديد من النخب البولندية الأكاديمية، والثقافية، والإعلامية، فضلاً عن التفاعل الشعبي البولندي مع الفعاليات ذات الطابع الموسيقي الغنائي، وهو البرنامج الذي نفذته فرقة الشارقة الوطنية التي قدمت ألواناً حية من الفنون التراثية الإماراتية لجمهور مثقف يصغي ربما للمرة الأولى لهذا النوع الشعبي من الغناء والموسيقى، وهما، مشتركان عالمياً في العديد من حضارات وثقافات العالم.
مشتركات عديدة ظهرت في هذه المناسبة بين الثقافة الإماراتية، والثقافة البولندية تتمثل هذه المرة في الحكايات الشعبية، وتقديمها برؤى بصرية من الجانبين، الجانب الإماراتي يقدم الحكاية البولندية، والجانب البولندي يقدم الحكاية الإماراتية بمعالجات حرفية تقارب بين ثقافتين شعبيتين، وبأسلوب ثقافي سهل، وقابل للتفاعل المتبادل على الرغم من الاختلاف في اللغة التي تصبح في هذه الحالة وسيلة اتصال، ومعرفة.
المسرح الإماراتي، وظواهره الفنية وتاريخه الزمني والثقافي كان أيضاً حاضراً في وارسو ذات التاريخ العريق في هذا الفن الإنساني التشاركي في حضارات العالم.
إن المهم في هذه الفعالية المسرحية الإماراتية أن الجمهور البولندي كان بينه طلبة دراسات شرقية ولغات جاؤوا من الجامعات البولندية، ليأخذوا فكرة موسعة عن حركة المسرح في الإمارات، الأمر الذي يتجاوز دور التعريف بالثقافة الإماراتية إلى قراءة شبه أكاديمية في تاريخ المسرح، قراءة ميدانية علمية تتلاءم واهتمامات الطلبة البولنديين في دراساتهم العليا.
الشعر الإماراتي حاضر أيضاً في جامعة وارسو أمام نخبة من الأكاديميين البولنديين، ولا ننسى أن الكثير من هذه الفئة النخبوبة المثقفة يعرفون العربية، وديوان العرب بصوته الحيّ من خلال قراءة الشعر بلغته الأم.
يتعرف الجمهور البولندي عن قرب للدور المحوري الذي تؤديه الشارقة لحماية اللغة العربية من خلال برنامج مجمع الشارقة للغة العربية، وبمشاركة نخبة من الباحثين في جامعتي وارسو وكراكوف.
قبل هذه الفعاليات، كان الكاتب الإماراتي في العقدين الماضيين قد عرف عدداً من الشعراء والكتّاب الروائيين البولنديين من خلال مبادرات ترجمية من اللغة البولندية إلى العربية عبر مؤسسات نشر إماراتية، كما أن القارئ العربي يعرف أبرز الكتّاب البولنديين، وبخاصة من حاز منهم جائزة «نوبل» للأدب.
[email protected]
لا مزيد على الحقيقة العالمية التي جاءت في كلمة سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي خلال تتويج الشارقة أوّل ضيف شرف عربي في تاريخ معرض وارسو الدولي للكتاب وهي تقول «إن صاحب السمو حاكم الشارقة كرّس حياته للثقافة، انطلاقاً من إيمانه بأن الكتاب قادر على خلق ذلك النوع من الحوار الذي يتيح للحضارات أن تلتقي بعمق واحترام».
لا مزيد على هذا التوصيف الواقعي الموضوعي القادم من خبرة ومعايشة وقرار لسمو الشيخة بدور وهي تواكب وتتابع مشروع الشارقة الثقافي منذ وهي يافعة وحتى اليوم، وقد تبعت رؤية ورؤيا والدها الحاكم المثقف الباني والمؤسس لثقافة الحياة والجمال والخير منذ السبعينات والى هذا الزمن الثقافي التاريخيّ الإماراتي العربي في وارسو، إحدى أهم جهات المعرفة والفكر والأدب والفنون واللياقة الجمالية والإبداعية في أوروبا، قارّة المفكرين، والشعراء، والروائيين والرسّامين، والمسرحيين الكبار في أفكارهم وفي رؤاهم الأدبية والثقافية الإنسانية التي قامت عليها حضارة الغرب المعتدلة والتنويرية منذ مئات السنوات.
الشارقة رمز ثقافي عربي إماراتي في بولندا، بلد العقل الإبداعي الأدبي بشعرائها وروائييها، ومؤسساتها التاريخية العريقة من كيانات أدبية أو جامعات أو أكاديميات أو مراكز بحوث ودراسات منفتحة دائماً على عقول حرّة وتفكير إنساني يلتقي في قيمه وأخلاقياته مع الحضارات والثقافات الرفيعة في العالم.
تحمل الشارقة للقارة الأوروبية رمزيات الثقافة العربية، وتقدّم نموذجها الثقافي العريق من خلال مجمل النتاج الأدبي، والنشري، والترجماني والمؤسساتي الذي عملت عليه الإمارة منذ أكثر من أربعة عقود، كانت متصلة قبل ذلك، بعقود قديمة من الثقافة المبكرة في الإمارات، والتي تعود إلى العشرينات من القرن العشرين حيث جماعة الحيرة، وحيث التعليم الأولي ثم النظامي، وحيث تكوين المكتبات والاعتناء بها منذ مئة عام.
ولدت الثقافة في الشارقة بفضل عائلة حاكمة مثقفة فيها شعراء، وأدباء، ومؤرّخون، ورجال علم، وأعلام اعتباريون أصلاء في السياسة والحكم والبناء والتنمية، وسوف يمتد تاريخ هذه الشخصيات الإدارية والقائدة في الشارقة إلى الأجيال الشابة في الامارة، لتصبح الثقافة هوية الشارقة وشخصيتها العالمية.
أرسى صاحب السمو حاكم الشارقة أعمدة مشروعه الثقافي الإماراتي العربي على أساسات مركزية: الكتاب، القراءة، المسرح، الفنون، وبناء الإنسان من داخله أولاً، ليصنع المدن والحضارة ثانياً.
تكريم الإنسان بالعلم والمعرفة أولاً، ليبني الدولة ثانياً، وبهذه القناعات الأخلاقية الحضارية ها هي الشارقة اليوم في أوروبا.
[email protected]
.. كان الروائي البيروفي ماريو بارغاس يوسا 1936-2025، يخاف الطيران، ولم يقتنع، كما يقول، طوال حياته، بفكرة وجوده داخل طائرة في السماء أكثر أمناً من وجوده في غرفته، وظل في كل سفرة له في الطائرة يتصبب غالونات من العَرَق، ويقول إن الخوف من الطيران ليس هو الخوف من الموت، بل الخوف من الطيران في حدّ ذاته، ولم تنفع معه حبوب النوم أو الحبوب المهدّئة وهو على متن طائرة، إلى أن وجد الحل في القراءة..
لقد انحلّت عقدة صاحب نوبل 2010 بقراءته رواية قصيرة هي (مملكة هذا العالم) للروائي الكوبي أليخو كاربنتييه في أثناء رحلة طيران طويلة بين بيونس آيرس ومدريد، «.. استغرقتُ الرحلةَ كلَّها في قراءة الكتاب، وطوال ذلك الوقت كنت بعيداً عن مخاوفي..».
وعلى أي حال، فالقراءة لا تساعد فقط على التخلّص من عقدة الخوف على ارتفاع أكثر من 30 ألف قدم في الجوّ وبسرعة 800 ميل في الساعة، بل تساعد أيضاً على الجرأة في تعلم مهنة الطيران، وبخاصة إذا قرأت رواية (أرض البشر) للكاتب الفرنسي الطيار أنطوان دو سانت أكزوبيري، الذي تشاء الصدف أن يموت في حادث طائرة.
سافرتُ عشرات المرّات طوال حياتي، وكانت أوّل رحلة لي حين كنت في أوائل العشرين من عمري، وكانت من مطار دمشق باتجاه الجزائر، لكن كان يتوجب أن تتوقف الطائرة في رحلتها تلك في مطارين، في طرابلس الغرب وتونس، وكانت محنة هائلة من الخوف لم أعرف له مثيلاً، وتصببتُ عرقاً عند كل إقلاع وهبوط، وعند كل مطبٍّ هوائيٍّ ظننت حينها أن الطائرة تهوي باتجاه الأرض.
سيمر وقت طويل لكي أنام في طائرة أو أقرأ كتاباً، رواية أو مجموعة شعرية، إلى أن تبددت كل هذه المخاوف الآن، وأصبح بإمكان المسافر أن يكتب أيضاً في الطائرة..
قراءة الروايات الخفيفة الصغيرة متعة عالية في الطائرة، ولكن، المتعة الأكبر هي الكتابة، وبخاصة في رحلة شتائية، وتعتقد أنت أنك تكتب بين الغيوم، وأنّ الإلهام لا يحتاج إلى الهبوط عليك في الأرض، بل، هو موجود بالقرب منك، بين قطع السحاب الأبيض والرمادي، هناك في الأعالي التي يشقها هذا الوحش الحديدي الذي يحمل مئات من البشر والحقائب.
لكن الطائرة ليست وحشاً، إنها أجمل وسيلة نقل صنعها الإنسان بعيداً عن اليابسة، وفي الجوّ، حيث تشعر بأنك قريب من السموات، يغمرك شعور بالإيمان، والخفّة، والسرعة أيضاً، حيث تلتقي على الأرض أباً أو أمّاً أو صديقاً جلس ساعات بانتظارك.
اليوم، لا يقرأ الركاب كتباً في الطائرات، إنهم يمضون الوقت إما في النوم، وإمّا في متابعة شاشات العرض الفيديوي، أو يقضي البعض رحلته، وهو يتصبب عرقاً..
أجمل من الطائرة مطار الطائرة، مثلما، يقول الشعراء إن الطريق إلى البيت أجمل من البيت.. وفي كل الأحوال، التراب أجمل من السحاب..
[email protected]
..لن أستطيع منع نفسي من العودة أكثر من مرة إلى كتاب صغير جميل نقله إلى العربية عبدالله الزماي تحت عنوان «حياة الكتابة» =منشورات مسكيلياني 2018، وفيه، يروي تسعة كتّاب من العالم حَيَواتهم في الكتابة أو أثناء الكتابة، يروون حكايات عن كتبهم وعن شخصيات رواياتهم، وعن أنفسهم، وكيف ولدت أعمالهم الأدبية التي تتحوّل إلى حياة برمّتها ويجري معاينتها في هذا الكتاب بلغة أبسط ما يقال عنها إنها لغة غنائية، حتى يخال القارئ نفسه أنه قارئ قصيدة سردية خفيفة الدم..
..مدفوعاً بشغفي الشخصي لهذا النوع من الكتب سأعود من وقت إلى آخر إلى تلك الحكايات حول الكتابة، وكيف تولد، ومن أي دم وأرواح تتشكّل، وتصبح لغة كالجسد.. حية، دافئة وملموسة بالعينين كما باليدين..
يقول ادواردو غاليانو إنه حين كتب «كرة القدم في الشمس والظل» إنما أراد أن يفقد محبّو القراءة خوفهم من كرة القدم، وأن يفقد محبّو كرة القدم خوفهم من الكتب، ثم يروي هذه الحكاية.. يقول إن عضواً سابقاً في الكونغرس المكسيكي وهو (فيكتور كوينتانا) تم اختطافه في عام 1997 من قبل قتلة مأجورين، فكان أن طرحوه أرضاً وأوثقوا رباطه، وراحوا يركلونه حتى شارف على الموت، لكن، القتلة قبل أن يجهزوا عليه برصاصة بدأوا النقاش حول كرة القدم، ويقول غاليانو إنه على الرغم من أن عضو الكونغرس كان أقرب إلى الموت منه إلى الحياة فإنه أدلى بدلوه في النقاش حول كرة القدم، وأخذ يروي قصصاً للقتلة من كتاب (كرة القدم في الشمس والظل)، ومع كل حكاية من ذلك الكتاب كانت ثمّة دقائق تضاف إلى حياته، وفي الأخير تركه القتلة مضروباً وَمُحطّماً لكنه ظل حياً..
فيكتور كوينتانا هو الذي روى قصة اختطافه لإدواردو غاليانو، وهكذا أنقذ الكتاب حياته، قال له القتلة.. أنت في مأمن، وذهبوا بأسلحتهم إلى مكان آخر، بالحرف كما جاء في الكتاب..
في مكان آخر يسخر غاليانو من الجهل المطبق لدى أجهزة الرقابة الديكتاتورية على الكتب، ويقول إن كتابه «الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية» تم تداوله بحرّية بين السجناء السياسيين في الأرغواي حين صدوره في أوّل السبعينات خلال الأشهر التي شهدت الحكم العسكري للجنرال فرانسيسكو فرانكو، وذلك ببساطة لأن الرقابة ظنّت أن الكتاب يندرج في علم التشريح، وآنذاك، كما يقول غاليانو ساخراً لم تكن الكتب الطبية ممنوعة.
لقد بدا أن عبارة الشرايين المفتوحة في عنوان الكتاب قد أوحت للرقيب أنه كتاب طبي علمي، .. فسمح بتداوله، .. مع أن الكتاب نقدٌ مرير لتاريخ الديكتاتوريات السوداء في أمريكا اللاتينية..