فقه الأولويات في الخرطوم

03:49 صباحا
قراءة 3 دقائق
سليمان جودة

استقبل السودان نسمات من التفاؤل والأمل في اللحظة التي دعا فيها الدكتور عبدالله حمدوك، رئيس الحكومة السودانية، إلى أول اجتماع لها، صباح العاشر من هذا الشهر.
ولماذا لا يستقبل البلد مثل هذه النسمات في هذه الأجواء، بينما الصيف يُلملم أوراقه استعداداً للرحيل؟، فهي الحكومة التي خرجت إلى النور بعد مخاض بدا صعباً؛ مخاض كان قد استغرق بعضاً من الربيع، ومعه مساحة الصيف كلها، إلى أن تبددت غيوم كثيفة كانت تغطي سماء السودان، وانكشفت لحظات عصيبة مرت على السودانيين، كان اليأس يكاد يتغلب فيها على الرجاء.
طوال تلك اللحظات التي أعقبت سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير في الحادي عشر من أبريل هذا العام، أظهر السودانيون وعياً عالياً بخطورة الموقف، وكان الوعي بادياً للعين المجردة، سواء على مستوى المجلس العسكري، الذي تولى أمر البلاد بعد سقوط النظام، أو على مستوى تحالف قوى الحرية والتغيير، الذي قاد حركة الجماهير في الشارع.
وقد شاء الله تعالى أن ينجو السودان من المنحدر الذي تدحرجت إليه الأغلبية من دول الربيع، ولا بد أن كل مواطن عربي لا يرغب في شيء هذه الأيام، قدر رغبته في أن يكتب الله النجاة ذاتها للأشقاء في الجزائر، التي لا تزال تتلمس معالم الطريق نحو الخروج.
ومن دواعي الأمل المضافة، ألا ينفض أول اجتماع للحكومة، إلا وقد اتفق أعضاؤها على أن تعمل وفق عشر أولويات محددة، وأن تكون هذه الأولويات العشر هي المظلة التي تتحرك تحتها حكومة حمدوك على مدى أول 200 يوم لها في مقاعدها.
وعندما تختار حكومة جاءت بعد ثورة، أن يكون فقه الأولويات هو الحاكم لها في حركتها على الأرض، فإن ذلك مما يبعث على الطمأنينة بين الناس، ومما يجعل كل سوداني على يقين من أنها حكومة لا تريد أن تستهلك وقتها مع وقت مواطنيها، فيما لا يحقق حصيلة سريعة في الحياة العامة.
وإذا ذهبت تفتش وراء كل بلد متطور في عالمنا المعاصر، فستكتشف أن فقه الأولويات كان هو الخطوة الأولى التي انطلق منها البلد المتطور في اتجاه الأمام.
وكان لي كوان يو، مؤسس سنغافورة وبانيها من لا شيء، هو الدليل الأبرز في هذا الطريق، فلقد تولى الأمر في بلاده حين كانت لا تزال مجموعة من المستنقعات المتناثرة، فلما أنهى سنواته وخرج من الحكم يستريح، كانت البلاد من بين الأعلى في العالم من حيث متوسط دخل الفرد، وكانت هي النموذج الذي تضعه دول كثيرة أمامها، وتتمنى تحقيق وضع مماثل له على أرضها. سألوا لي كوان يو، عما فعل، فقال ما معناه إنه آمن منذ اللحظة الأولى، بألا حل سوى فقه الأولويات، وأن الأمر إذا كان كذلك، فليست هناك أولوية تسبق الإنسان، وقد كان، فبادر إلى بنائه أولاً، ليتولى هو؛ أي الإنسان، بناء بلده ثانياً.
وكان لفقه الأولويات فعل السحر في سنغافورة، وكان الدكتور حمدوك هو سيد العارفين بذلك، لا لشيء، إلا لأنه دارس للاقتصاد الزراعي في جامعة الخرطوم، ثم للاقتصاد عموماً في مرحلة الماجستير والدكتوراه من جامعة مانشستر في بريطانيا.
وعند النظرة الأولى في قائمة أولويات حكومته، ستلاحظ أن الاقتصاد صاحب موقع متقدم فيها، وأن قضية حقوق الإنسان تنافس القضية الاقتصادية على موقعها المتقدم، وأن وضعهما في هذا الترتيب جرى عن قصد وعن وعي، بطبيعة المرحلة التي يمر بها البلد.
وليس هناك من دعوة للحكومة الجديدة إلا أن تضع القضية الثانية في أعلى مكان، لعل ذلك يقطع الطريق على الذين يتحججون بها في واشنطن، للإبقاء على السودان في لائحة الإرهاب، فلن يصح رهان لدى هذه الحكومة، قدر رهانها على الإنسان.

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"