أعرف سلفاً أن القارئ سيسخر من هذا العنوان، فهو لا معنى له في أمة لا تقودها فلسفة في الحياة، والزراعة فيها على درجات: إما لا وجود لها، وإما متردية على باب الله . فما معنى الحديث عن فلسفة الزراعة إذاً في فجوة غذائية تتسع لما بين مجرتين؟ هذه مبالغة، قل تتسع لما بين نجمين .
الموضوع أعظم من أن نتهم الوطن العربي الكبير سابقاً بأنه يعيش قبل عصر الزراعة . هذا يُدخلنا في علامات استفهام وتعجب أخرى . فالعقلاء، وهم قلة، حوّلوا الصحارى القفار إلى جنان، والآخرون جعلوا الفراديس والأراضي الخصبة مصداقاً وتصديقاً لقول الشاعر الغنائي: سنراها كما ترانا قفارا . كأنه من المحرَّم أن يتعاضد الجميع لتحقيق الاكتفاء الذاتي الذي يخرج الأمة من الحرج أمام الأمم . ونظل نفتخر بأن لدينا أربعة عشر مليون كيلومتر مربع من الهواء الطلق الذي لا يزرع ولا يثمر .
سنة إحدى وثمانين وخزت دماغي أسئلة شائكة، رأيت عبر الطائرة الداخلية المنخفضة، ما بين بومباي (قبل أن تصبح الباء الأولى ميماً) وحيدر آباد ودلهي الجديدة، الأراضي كلها مزروعة . لا وجود لمساحات متروكة بائرة، ولا مجال طبعاً لنباتات الزينة . والهند عالم ثالث، مثل العالم العربي . قلت: إن العيب ولا شك في الأرض العربية، وإلا فإن الأنظمة مثل الجامعة العربية، ما شاء الله، لا تفكر إلا في المستقبل ورفعة الأمة والغد الباسم الأغر، بدليل ما نشهده اليوم . منذ عشرات السنين يعمل الناس على إيصالنا إلى هذا العالم العربي . كأن الله بعث دولة الإمارات ومن قاربها ودنا من مسارها، لمنع الانتحار الجماعي .
العيب في الأرض، لأننا لا نستطيع اتهام الأنظمة والشعوب معاً . يخشى أصحاب الأقلام عادة، اتهام الشعوب أيضاً . في نظري لا تهبط الأنظمة السيئة من كواكب أخرى . هي الزرع السيئ الذي تنبته الأرض غير الصالحة للزراعة الجيدة . الأنظمة نبات الأرض ومرآة التربة . كل الفساد والاستبداد والجشع من دون عطاء، أعشاب ضارة تستنفد حياة التربة من دون أن تضع البذور الصالحة . يصبح الماء القراح نزّاً ساماً، والبذور جذوراً مستغِلة ناهشة قاتلة . والنباتات لا تكون متفرعة، تدخلها النون فتغدو متفرعنة .
لزوم ما يلزم: اكتشفت الآن أنني أفتقد إلى المنهجية الأكاديمية . لماذا الحديث عن الزراعة، والعرب يتخبطون في أوائل عصور جمع الغذاء؟