لا شأن لي بمعادلات الانتخابات العراقية، فهي في نظري باطلة تحت الاحتلال . والعراقيون أولى بإبداء الرأي في التصويت وزناديق الاختراع ومفهومهم للوطنيّة . ولكن لديّ تفسيراً لغوياً لما قاله المالكي . شرح خال من أيّ روح، كشرح البرقوقي ديوان أبي الطيّب .
يقول النبأ العظيم: حذّر المالكي من عودة العنف إلى العراق إذا لم يُعَد فرز الأصوات . خبر ولا كالأخبار . فيه إنذار للأنبار، وعقوبة لبعقوبة، وتهديد بالرماد للرمادي، وبالعصرة للبصرة، وبطريقة السبع الشداد على بغداد .
إذا كان الرجل يعي ما يقول، فهذه كارثة . وإذا كان لا يعي، فالكارثة أعظم، في بلد هو قلعة الضاد . ولكن، متى كان للأحزاب صلة بالفكر وأسرار البيان؟ الأحزاب دائماً تنفذ الأوامر وتبرّرها ولا تفكر في سوء المآل .
عندما يحذّر مقام رفيع من عودة العنف، فذلك يعني أن العنف طوع بنانه، تشبّ النار متى شاء، ويطفئها متى طاب له . في أقل الأحوال سوءاً: هو على علم بقادح الصوّان . لكن الأسوأ هو تبرئة الاحتلال . فالعودة تعني الرجوع إلى حال سابقة . نفهم من هذا أن العنف لم يكن سوى لعبة مراكز قوى محلّيّة، تتصارع على عرش الرشيد، مع حقول النفط كقيمة مضافة .
إذاً، لم يكن لأشباح القاعدة دخل في ما حدث من مذابح وتفجيرات وعنف وإرهاب . أي أن الجحيم التي اصطلى وادي الرافدين بنارها واكتوى، كانت نتيجة صراعات داخليّة على السلطة التي ما لها من أصالة عراقيّة، ما دامت تحت الاحتلال .
إذاً، كان ادّعاء أن الصدّاميين هم الذين يُحمون الوطيس، افتراء محضاً . أي أن البعثيين براء ممّا جرى . كانوا ضحايا . ألهذا إذاً يعود الاحتلال إلى التفاوض معهم، مثلما يعود إلى الحبيب الأوّل في أفغانستان: طالبان؟ هي ذي رومانسيّة المكيافيللية .
السؤال الآن: كيف سيعود العنف إلى الشارع العراقيّ، إذا لم يُعَد فرز الأصوات في زناديق الاختراع؟ الأمر واضح جليّ: العنف قوّة فعلية كامنة وراء الكواليس، أو في المتاريس، تهبّ عندما يُراد لها أن تهبّ، وتعود إلى قواعدها سالمة حين تؤمر . وإلاّ فما هو تفسير التحذير؟ هل من تنوير؟
كيف يمكن فهم عودة العنف إلى الشارع خدمة لدولة القانون؟ يعني أن دولة القانون قادرة على تدمير دولة القانون، بصرف النظر عن طرفة الطرائف: دولة قانون في ظل الاحتلال . ومن ألطف لطائفها أنها لا تستطيع معاقبة أيّ مجرم من بلاك ووتر إذا هو ارتكب مذبحة وحصد حشداً من العراقيين وانتهك الأعراض، يحاكم في بلاد الأكابر .
على خطى أبي فراس:
تعللني بالحكم والفرز دونهُ
إذا بت معزولاً فلا نهض القُطرُ