قبل عقود عدة أطلق زعيم الهند الروحي نهرو صيحته الشهيرة لا يمكن أن يلتقي الظلم مع العقل مثلما لا يمكن أن يتعايش الليل مع النهار ولهذا فقد كان الحديث وقتها عن أي تقارب بين الهند وإسرائيل ولو بصورة رمزية أمرا من قبيل المستحيل الرابع.غير أن السياسة لا تعرف الصداقات الأبدية ولا العداوات الأزلية بل المصالح المستمرة والمستقرة ولهذا لم يعد الأمر يشكل مفاجأة مفجعة أو موجعة أن يستيقظ العرب في نهايات القرن العشرين وأوائل الحادي والعشرين على شراكة استراتيجية إسرائيلية هندية، تتجاوز حدود الدبلوماسية.... ما الذي جرى ويدفعنا لهذا الحديث المر المذاق؟ منذ أيام قليلة كانت القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي تفيد بأن الهند أطلقت قمرا اصطناعيا إسرائيليا للتجسس يدعى تك سار بالتعاون مع خبراء هنود، وبحسب ما هو متوافر من معلومات فإن هذا القمر والذي يطلق عليه أيضا بولاريس يتفوق بقدراته على سلالة أقمار التجسس الإسرائيلية أفق، وهذا ما أكده المحلل الإسرائيلي ألون بن ديفيد عبر دورية ديفنس ويكلي الإسرائيلية إذ أشار إلى انه يحسن بشكل كبير التغطية الاستخبارية الإسرائيلية، إذ بإمكان هذا القمر الرؤية بكافة الأحوال الجوية المضطربة وأثناء الليل، ولاسيما أن وزنه لا يتجاوز ال300 كجم وهو أول قمر اصطناعي إسرائيلي مجهز بما يعرف بتكنولوجيا إس إيه آر SAR المتقدمة على نحو عال بما يمكنه من مراقبة المنشآت النووية على نحو خاص بصورة أوضح لإسرائيل وأفدح لإيران.ولعل المشهد يتجاوز على أهميته، وخطورته على الأمن القومي العربي، قصة إطلاق قمر صناعي إلى علاقات استراتيجية هندية إسرائيلية ويطرح بين يدي النقاش كيف تحولت الهند والتي استأنفت علاقتها مع إسرائيل العام 1992 بصورة رسمية إلى صديق تأتمنه على أثمن ما لديها من تكنولوجيا فضائية تستخدمها ربما وبحسب عدد بالغ من المحللين في الاستعداد للطامة الكبرى إذا ما اقتضت الحاجة ضرب مفاعل إيران النووي؟باختصار غير مخل كان ذلك إدراكا من الهند أن الولايات المتحدة الأمريكية قد أصبحت بعد غياب الاتحاد السوفييتي مالئ العصر ومالك قراره، وأن أقرب طريق إلى قلب واشنطن، دروب تل أبيب وإن كانت مثخنة بالجراح العربية، والآلام الإنسانية، وقد حدث أن الهند قد نالت بدورها قسطا وافرا من المد الديني الأصولي على الجانب الهندوسي منه، سيما في عهد رئيس وزرائها اتال بيهاري زعيم حزب بهاراتياجاناتا القومي المتطرف والذي رفع شعار أمة واحدة وثقافة واحدة يقصد بها الهندوسية، وشعار القنبلة النووية الهندوسية في ترسانة الهند. وقد كان واضحا أن الهند تغازل الولايات المتحدة الأمريكية وهو ما أسفر بالفعل عن رضا أمريكي على الهند في عهدي كلينتون وبوش الابن، تمثل في صفقات تتسق واستراتيجية المواجهات من واشنطن إلى تل أبيب تجاه ما يسمى بالإرهاب في العالم الإسلامي، وليس أقرب من باكستان مثالا على تجسيد ذلك الخطر، ما يجعل المباركة الأمريكية للتحالف بين تل أبيب ونيودلهي أمرا مفروغا منه.في هذا السياق كتبت صحيفة جويش كرونيكل الصادرة في لندن في شهر مايو/أيار 1998 تقول إن عميل الموساد المنشق تاليا فيكتور اوستروفسكي رافق عام 1984 وفدا من الخبراء الهنود حضر إلى إسرائيل لتبادل معلومات حول القنبلة النووية، وأشارت أيضا إلى الاستعدادات التي قامت بها إسرائيل عام 1988 لضرب المفاعل النووي الباكستاني مثلما فعلت مع العراق عام ،1981 إلا أن الحكومة الهندية تخوفت حينها من النتائج السلبية التي يمكن أن يحدثها هذا العمل، خصوصا أن الجيش الإسرائيلي طلب استخدام قاعدة عسكرية هندية كمحطة انطلاق للطائرات المغيرة، وبحسب مصادر استخبارية فإن التجربتين الأخيرتين من التجارب الخمس التي نفذتها الهند، كانت تجارب نووية إسرائيلية مما دعا جوهر أيوب خان وزير الخارجية الباكستاني الأسبق في منتصف يونيو/حزيران 1998 لأن يصرح بالقول إن إسرائيل زودت الهند بآلية التشغيل المتزامنة بفارق جزء من الألف في الثانية مشيرا إلى أن هذه المنظومة الآلية موجودة فقط في حوزة أمريكا وإسرائيل ومعلوم أنها وصلت إلى الهند من إسرائيل.أما صحيفة الأمة الباكستانية فقد أكدت أن إسرائيل قد نقلت إلى الهند على متن طائرة هركوليس القنبلتين النوويتين اللتين استخدمتا في التجارب الأخيرة، وفي المقابل باتت الهند تقدم ل إسرائيل أراضيها لإجراء تجاربها النووية.وفي ضوء ما تقدم يبقى الحديث عن القمر تك ستار مجرد رمز بسيط لتعاون وثيق يجري بين البلدين، ولعل الهند الهندوسية وانطلاقا من نظرية صدام الحضارات لصموئيل هنتنجتون قد عرفت كيف وأين تجد لها موقعا في الجانب المسيحي اليهودي كونها هندوسية ولاسيما أن التصنيف العنصري للرجل خلق مقابلا لها فيه عدو تاريخي تقليدي هو الصين من خلال ما قال إنه تحالف كونفوشيوسي إسلامي وإن كانت بحكم معطيات كثيرة صديقة للعالمين العربي والإسلامي حتى زمن قريب.وليس سرا أن الهند عرفت كيف توثق علاقاتها في إطار السياسات البراجماتية التي تحكم العالم مع واشنطن وتل أبيب بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول والزيارات العلنية والسرية التي قام بها مسؤولون هنود لتل أبيب كجسر وقنطرة مع واشنطن واضعين ما لديهم من معلومات وخبرات في مواجهة التيارات الأصولية.ولعل الرضا الأمريكي على الهند قد تبدى في مشهد مثير، فواشنطن التي أقامت الدنيا وأقعدتها ضد حليفتها الكبرى إسرائيل بسبب سعي الأخيرة لعقد صفقة مع الصين لتبيعها فيها طائرات فالكون ذات التكنولوجا العسكرية فائقة التقدم، قد غضت بصرها عن إمكانية بيعها لنيودلهي.أما السبب فكما هو ظاهر سعي واشنطن لتعزيز التحالف الاستراتيجي بين الهند وإسرائيل لمواجهة النمو المطرد للصين، القطب القادم إذا استدعت الحاجة دبلوماسيا ولوجستيا بداية، ثم عسكريا والاحتمال يبقى قائما من جهة، وكمنطلق استراتيجي أصيل لملاقاة الدب الروسي القائم من رقاده كالعنقاء بعد عقد من الاوليجاركية الصهيونية التي تحكمت في روسيا قبل ظهور بوتين.ويبقى القول قبل الانصراف أن إسرائيل وكما أشار افرايم سنيه في كتابه الصادر عام 1996 إسرائيل في عام ما بعد الألفين تسعى إلى توسيع المدى الاستراتيجي الإسرائيلي في المحيط الجيوسياسي الجديد في مطلع القرن الحادي والعشرين، هذا في الوقت الذي يخسر فيه العرب والمسلمون علاقات تميزت طويلا بين الهند وبينهم لأسباب كثيرة منها اقتراب المسافة الحضارية والتأثر بالثقافة الإسلامية، ولاحقا وحدة النضال العربية الهندية ضد الاستعمار البريطاني.. أليس في الأمر كوميديا سوداء وحاجة ماسة للبحث في مقدرات الأمن القومي العربي بعد أن أمسينا وعلاقاتنا ذكريات على هامش التاريخ، ويخشى المرء أن نصبح لاحقا نقاطا مهملة على حافة الجغرافيا؟[email protected]
عادي
من تل أبيب إلى نيودلهي حلف استراتيجي جديد
31 يناير 2008
13:59 مساء
قراءة
5
دقائق