صورة جزئية من تاريخ بيروت

03:16 صباحا
قراءة دقيقتين
يوسف أبو لوز

كانت بيروت في ثلاثة عقود من القرن العشرين «الستينات والسبعينات والثمانينات» عاصمة الكتّاب العرب القادمين إليها لأكثر من سبب: أولاً: الفرار من أنظمة حزبية كانت تقرّب إليها أبواقها الإعلامية والأدبية، وتقصي أي صوت ثقافي مستقل ويصعب عليه أن يكون ذيلاً أو تابعاً أو بوق سلطة أحادية الرؤية والسلوك والفكر.. وثانياً: جاء عشرات بل مئات الكتّاب العرب في تلك العقود اللبنانية الذهبية إلى بيروت من أجل بيروت، من أجل أن يأخذوا ذلك الامتياز الثقافي من عاصمة كانت ورشة مفتوحة آنذاك للأدب والفنون والمسرح والنشر والصحافة والسياسة الحرة التي كانت في ذلك الوقت ليست محكومة إلى مفاهيم رجعية مثل المذهب والطائفة والانتماء الهوياتي والعرقي والجهوي؛ بل السياسة الوطنية اللبنانية النظيفة. وثالثاً: جاء الكتّاب العرب إلى بيروت في ذلك النصف الثاني من القرن العشرين؛ لأنها مدينة حرية وانفتاح، مدينة بلا عقد اجتماعية ولا حياتية، مدينة سياحة ومال واقتصاد وتجارة بامتياز ما يعني حياة حرة مريحة تتناسب وأمزجة الكثير من الكتّاب الذين يجدون في المكان الحر والحياة الحرة بيئة حاضنة لطبائعهم الأدبية اليومية.
كانت بيروت آنذاك مدينة يوميات، ومدينة تفاصيل صغيرة، ولكنها بالغة الحيوية في المقهى وفي الشارع وفي المنتدى الأدبي وفي الأمسية الشعرية وفي الجامعة وفي مبنى الصحيفة وفي السوق وفي الشاطئ وفي الساحات العامة من وسط المدينة ومن شرقها وغربها إلى البحر والمرفأ وسلسلة المطاعم التي جعلت لبيروت نكهة خصوصية لا تشبه إيقاع الحياة آنذاك في عواصم أخرى مع خصوبة إيقاع هذه العواصم في تلك الأيام وشخصيتها الحياتية الجميلة.
لولا بيروت، ولنكن حقيقيين أمام شخصية هذه المدينة التي خرّبها الفساد السياسي والأمراض السياسية، لما تخلّص على سبيل المثال، شاعر مثل محمد الفيتوري من عقدة اللون كما صرّح هو ذات يوم في حديث صحفي قبل نحو ثلاثة عقود، ولولا بيروت لما سطع نجم بعض الشعراء الفلسطينيين عندما كانت بيروت خيمتهم الأخيرة، أما أقطاب الشعرية العربية الحديثة: يوسف الخال، أدونيس، نزار قباني فهؤلاء وجدوا أيضاً في بيروت خيمة أخيرة.
لولا بيروت لما عرفنا فيروز، لولا بيروت لما عرفنا كيف تتحول اللغة العربية إلى عبقرية لبنانية، ولولا بيروت لما عرفنا أنسي الحاج، وجوزيف حرب، وحسين مروة، وعصام محفوظ، وأمين معلوف، وإلياس خوري، ومارسيل خليفة، وعائلة الرحباني، وغيرها من العائلات اللبنانية والبيروتية الكريمة.
هذه الينابيع اللبنانية أسقت الكثير من الجذور والبذور العربية في تراب بيروتي خصيب.

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"