وبدأنا العد العكسي لإكسبو 2020 دبي

 
عادي

الكتابة تتخفف من الفكر

23:00 مساء
قراءة 4 دقائق
3

الشارقة: علاء الدين محمود

ظل الأدب دائماً يعبر عن شيء ما وفكرة ما، ولعل الفترة الممتدة منذ الستينات حتى الثمانينات من القرن الماضي شهد تجلياً وتكثيفاً شديداً عن ذلك التعبير، حيث كانت تلك المرحلة بخصوصيتها السياسية والاجتماعية تعبر عن الأحلام الشاردة للبشر، والمتمثلة في السلام والعدالة والحرية، تلك التي تناولها الأدب وغنى لها شعراً وسرداً، وتعددت مدارسها واتجاهاتها مثل الواقعية بكل تفاصيلها من واقعية اشتراكية أو سحرية، وكذلك الرومانسية والوجودية والعبثية، وكلها تيارات تجمع ما بين الفكر والإبداع، حيث حدث تواطؤ كبير بين الأدب والأيديولوجيا.

لقد كان الأدب حاضراً في كل طوال تلك المرحلة الزمنية، معبراً عن الأحلام التي تشكلت وفق صيغة أيديولوجية فكرية سواء كانت التطلعات الغربية، أو اليوتوبيا الاشتراكية أو الشعوب التي تريد أن تعبر عن ذاتها، وكان الصراع حاضراً، فبينما كانت الأدب الاشتراكي يتمدد عبر أعمال مكسيم جوركي ولونا تشاريسكي، ورسول حمزاتوف، وميخائيل شولوخوف ويتم توظيف أدب ديستوفيسكي وتولستوي، وشعراء وأدباء أمريكا اللاتينية من أمثال بابلو نيرودا، وغيرهم ممن كانوا يعبرون عن الحرية والسلام الإنساني في المعركة ضد الإمبريالية بوصفها عدواً للإنسانية، كان بالمقابل هنالك أدباء في المعسكر الغربي يمثلون حائط صد، ويعملون على تعرية الأحلام الاشتراكية بوصفها تنطلق من أيديولوجيا تريد هي الأخرى السيطرة على الإنسان والعالم، فظهر أدباء ومفكرون من أمثال جوروج أورويل، والفيلسوف برتراند راسل، و أرنولد توينبي، وهربرت سبنسر، وسيدني هوك، وروبرت لويل، وحنا آرنت، وآرثر ميللر، وأندريه مالرو، وجون ديوي، وكارل ياسبرز، وإلبرتو موارفيا، وغيرهم من الذين كانوا يسفهون الأحلام الاشتراكية واليوتوبيات المختلفة، وفي ذات الوقت يعملون على التبشير بالليبرالية التي كانت هي الأخرى تعبر عن الأفكار الرأسمالية، وقد كان يتم اتهام هؤلاء من قبل كثيرين بأنهم ينفذون الأجندة الغربية، كما جاء في كتاب «من الذي دفع للزمار؟.. الحرب الباردة الثقافية» لفرانسيس ستونر سوندرز، والذي خاض عميقاً في كيفية عمل وأساليب وكالة المخابرات الأمريكية «سي آي إيه»، في توظيف الثقافة للدفاع عن المصالح الإمبريالية، في مجال الفنون والآداب، في سياق الحرب من أجل الاستيلاء على العقول وأمركة العالم.

مركزية الجماهير

والواقع أن الأدب الليبرالي لم يكن من النوع الذي يدغدغ المشاعر ويستلهم الجماهير في أنحاء العالم، والتي كانت بحاجة إلى روافع أدبية للتعبير عن أحلامها في التحرر والانعتاق من الاستعمار، فكانت أن وجدت ضآلتها في الأدب الاشتراكي واللاتيني، والحقيقة أن جميع أنحاء العالم بما في ذلك الوطن العربي، كانوا مجرد متلقين في ذلك الصراع الفكري الذي تم توظيف الأدب فيه، لذلك كان البشر في دول الجنوب والشرق يعبرون عن مواقفهم وتطلعاتهم عبر تبني التيارات الإبداعية الغربية سواء القادمة من المعسكر الاشتراكي أو الرأسمالي، لكن المحصلة النهائية في كل ذلك الأمر أن الأدب كان دائم الحضور ليتمثل الأفكار والأحلام ويعبر عنها، وهو طوال هذه المرحلة لم ينفك من هيمنة الأيديولوجيا، وما عدا في منعطفات قليلة، لم يكن الإبداع يأتي كتعبير عن الإنسان شعوراً وحالات نفسية ومزاجية، بل عن المنظومات الفكرية كرافعة لخطاب سياسي وأيديولوجي.

ولكن في المقابل ثمة سؤال ملح يطرح نفسه باستمرار وهو: هل يوجد بالفعل أدب دون أيديولوجيا؛ أي أنساق فكرية وسياسية؟ لقد كانت هناك دائماً مقاومة لهذا الاتجاه الذي يريد أن يحصر الأدب في التعبير عن الرؤى السياسية والفكرية مثل تيار «الفن للفن»، لكن هذا التيار ظل يصطدم بعاطفة البشر أنفسهم، الإنسان الذي يحلم بالخبز والحرية والمساواة، لذلك لم يستطع الأدب أن ينفك من ذلك الأمر، وعندما حاول أن يعبر عن أفكار مجردة ليست أيديولوجية وجد نفسه تائهاً ومهوماً في سماوات غريبة منفصلة عن الواقع وعن قضايا الإنسان، فكان أن لجأ للغموض والألغاز، وشيد الأدباء، الذين يكتبون إبداعاً من هذا النوع، لأنفسهم أبراجاً عاجية يناجون أنفسهم ويعبرون عن عدميتهم.

تحرر وهمي

في عصر الاستهلاك والسرعة، الذي غابت فيه الروح الجماعية وصار الإنسان وحيداً متشظياً تحيط به الماكينات والتقنيات الحديثة يقضي يومه في غرف الدردشة ومواقع التواصل الاجتماعي، أو ما بات يعرف بالعالم الافتراضي الذي يطرح نفسه كبديل للعالم الواقعي، وعز اللقاء بين البشر، وهنا نجد أنفسنا مرة أخرى محاطين بسؤال يفرض نفسه بقوة وهو: عن ماذا يعبر الأدب في العصر الراهن؟ في الواقع هناك متغيرات كثيرة حدثت في الإبداع، غابت بعض المدارس مثل الرومانسية والواقعية، وتوهجت أخرى كالعبثية وربما السوريالية، وعززت باتجاهات جديدة تعبر عن حيرة الإنسان في الوقت الراهن، ودخل كل من الفلسفة وعلم النفس بقوة في ذلك الميدان حيث صارت الروايات والأشعار التي تقوم على الغموض، لذلك كان من الطبيعي أن تجد رواية مثل «اسم الوردة»، لامبرتو إيكو، والتي التي كتبت في نهاية الثمانينات وعلى مشارف التسعينات، حيث المتغيرات العالمية الكبرى، وجدت رواجاً كبيراً، بل واعتبرت معياراً ومقياساً لما يفترض أن يكون عليه الأدب، ورغم أن قصة الرواية بوليسية الطابع، لكنها فلسفية بامتياز في مضامينها ومعانيها.

لقد فارق الأدب الأيديولوجيا التي تريد أن تنتصر لفكر وأحلام سياسية جماعية، ليعانق الرؤى التي تعبر عن الفرد والتشظي الوجداني وتطرح مرة أخرى سؤال الوجود والإنسان والعدم والقلق والضجيج والمصير، فتلك هي شواغل الإنسان التي يستجيب لها الأدب عبر أعمال تغوص في أعماق النفس البشرية لتعبر عنها.

ومن هنا نستطيع القول إن الأدب تحرر من الأيديولوجيا لكن ليس بصورة كاملة، فقد نجا من تلك الأفكار السياسية والعقائدية الثقيلة، وتبقت ملامح أيديولوجية بظلال خفيفة تعبر عن إنسان اليوم ومخاوفه.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"