عادي

تنمية المجتمع فريضة وعبادة

00:18 صباحا
قراءة 4 دقائق
2101

أحمد حلمي سيف النصر*

الله تعالى كلّف الإنسان بتعمير الكون، وتنمية ما فيه، واستثماره. وهذا كلّه في مقدور الإنسان واستطاعته وليس فيه تكليف له بما لا يطيق، لأنّ المولى حين كلّف عباده بذلك يسّر عليهم القيام به، وذلك بأنْ سخّر لهم ما في الكون وذلل لهم الأرض تذليلاً.

وقد وردت عدّة إشارات إلى ذلك في القرآن الكريم منها قوله تعالى:«ٱللَّهُ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِىَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا في ٱلسَّمَاواتِ وَمَا في ٱلاْرْضِ جَمِيعاً مّنْهُ إِنَّ في ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» (الجاثية:12-13)، وقوله تعالى:«هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلاْرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ في مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ» (الملك:15).

ولكنْ ثمة خلل في مفهوم التنمية جعل المهتمين بها يعيدون النظر في تحديد معناها إدراكاً منهم أنّ عملية التنمية ليست بمقصورة على الجانب الاقتصادي، لأنّ هناك جوانب أخرى لها أهميتها في تحقيق نجاح التنمية الاقتصادية، فضلاً عن الاهتمام بالإنسان بوصفه المحور الأساس للتنمية. وبناء على ذلك بدأ يظهر التوجه نحو التنمية الشاملة لمختلف مجالات الحياة والأنشطة الاجتماعية فنجمت «التنمية الاجتماعية» التي تهدف إلى إحداث تنمية بشرية.

ويبدو المدخل الإنساني للتنمية يوجه سعيها نحو الرشد بما يجعلها قريبة من المفهوم الإسلامي للتنمية، وهو مفهوم يُعلي من شأن النفس الإنسانية، ويضعها موضع التكريم اللائق بها، ويُمَكِّنها من أداء دورها الاستخلافي في تعمير الكون وتحقيق العبودية الخالصة لخالق هذا الكون وحده. وكفى بالآية الكريمة من سورة الإسراء في بيان ذلك، فهي أوضح بيان وأكده: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيْلا» الآية 70.

وقدم العلماء المفهوم الإسلامي للتنمية الاقتصادية في سياق نظري متكامل، يعكس عظمة الإسلام واستيعابه لمشكلات الإنسان وتقديم الحلول المناسبة لها من واقع التفهم والإدراك الواعيين لطبيعة البشر، وما جبلوا عليه من الطبائع والفطر والسنن الإلهية..

ومن أقوالهم: «إن الإسلام يهتم بعمق بمشكلة التنمية الاقتصادية، ولكن يعالجها في إطار التنمية البشرية؛ لأن الهدف الأساسي للإسلام هو هداية الإنسان نحو الطريق المستقيم».

وغني عن البيان أنّ الله سبحانه وتعالى استخلف الإنسان في الأرض، وسخر له ما في الكون جميعاً، وجعل الأرض له ذلولاً، لييسر له عملية القيام بمهمّة الاستخلاف وتعمير الأرض. ولكن الأمر المعضل الذي يعسر علاجه هو غياب الوعي من قِبل المسلمين بمقصود الشارع من الاستخلاف، إذ لا يكفي مجرّد العلم بذلك ومعرفته، بل لابّد أن يكون هذا الوعي حاضراً أثناء القيام بهذه المهمّة ومصاحباً لها، بل لابد أن يكون دافعاً قوياً نحو قيام المسلمين بمهمتهم نحو حصول التنمية الحضارية.

التنمية في جوهرها يجب أن تمثل كل السلسلة المتكاملة للتغيير، بجانب التوفيق بين الحاجات الأساسية ورغبات الأفراد والمجموعات الاجتماعية من خلال نظام اجتماعي متكامل، والتقدم نحو وضع أفضل للحياة ماديًّا ومعنويًّا.

وبناء على ذلك، فإنّ هذا الأمر يدعونا إلى إعادة النظر في مفهوم التنمية وبيان مجالاتها، وأيها أولى بالاهتمام، ثم التركيز على التعليم بوصفه محوراً أساساً للنهوض، إذ تعدّ التنمية التعليميّة خلاصاً للعالم الإسلامي من تراجعه الحضاري.

ونفهم من خلال استعراض عناصر التنمية أن لها خصائص الشمولية والتوازن، بحيث يشمل مفهومها الجوانب المادية والروحية معاً، ويلبي حاجة الفرد والجماعة في تناسق تام وتناغم، كما أن الجهد التنموي يهتم بالإنسان، وهذا يعني أن التنمية موجهة للإنسان لترقية حياته المادية والاجتماعية والثقافية والبيئة المحيطة به.

الإسلام يحاول إعادة التوازن بين المتغيرات الكمية والنوعية، وهذا ما تسعى إليه التنمية الاقتصادية في إطارها التطبيقي (الاستخدام الأمثل للموارد، وتحقيق التوزيع المكافئ والمتساوي للعلاقات الإنسانية على أساس العدل والحق).

إن الاتجاه الجديد في تعريف عملية التنمية يرتكز على ثلاث قيم جوهرية تشكل الأساس المتين لعملية الارتقاء المستديم للمجتمع البشري في سعيه نحو حياة أفضل، وفي الوقت نفسه تمثل هذه القيم الجوهرية الثلاث الأهداف العامة للتنمية على مستوى الأفراد والمجتمعات ويمكن تحديدها في التالي:

توفير قوت المعيشة: وتعني القدرة على تلبية الحاجات الضرورية بما يشمل الطعام والمأوى والصحة والأمن، وهي في مجملها الاحتياجات الأساسية لاستمرارية الحياة، وبذلك تعتبر سياسات تخفيف الفقر وإتاحة فرص العمل وزيادة الدخول شروطاً ضرورية، ولكنها ليست كافية لإحداث التنمية ما لم تتجه عملية التنمية في أساسها لتوفير الحاجات الضرورية.

تقدير الذات: وتعني أن يكون الشخص إنساناً مكرّماً، فواحد من مقومات الحياة الكريمة الشعور بالقيمة وتقدير النفس الإنسانية، وجميع الأفراد والمجتمعات تحاول أن يكون لها شكل أساسي في تقدير الذات يطلق عليه أحياناً الهوية، أو الأصالة أو السيادة.

التحرر: ويقصد بذلك أن يكون الشخص قادراً على الاختيار بحرية تامة، ما يعني التحرر من ربقة الجهل والفقر والعادات والمعتقدات الخرافية، والحرية متضمنة أيضاً لهدف توسيع مدى الاختيارات الاقتصادية، بالنسبة للأفراد والمجتمعات وتقليل المعوقات الخارجية لمواصلة تحقيق الأهداف الاجتماعية من خلال التنمية.

* [email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/nbdpbrz4