عادي

ما بعد الحداثة.. بديل فنتازي لمشاكل السياسة

مصطلح يميّع الحدود بين الثقافة الرفيعة والشعبية
22:53 مساء
قراءة 3 دقائق
1702

الشارقة: علاء الدين محمود

ما من مفهوم وجد حظاً كبيراً وواسعاً من التداول أكثر من «ما بعد الحداثة»، فقد أشبع بحثاً وتناولاً من قبل النقاد والمفكرين والأدباء والفنانين، حيث كان يحاكم كل المنتج الإنساني عبر العصور من أفكار ورؤى وثقافة وفنون وأدب، وهو بذلك الشمول وجد أيضاً الكثير من التفسير والتأويل، وانصرف العديد من الكتّاب نحو تناوله، كلٌّ حسب اهتمامه مع محاولة الإحاطة بالظروف التاريخية التي أنتجته.

إن السير في طريق الإحاطة بالمفهوم «ما بعد الحداثة» وتعريفه ليست رحلة سهلة، لكنها في ذات الوقت شديدة المتعة لكونها تجعل القارئ يكتشف أصل المفهوم وما يريد أن يؤسس له والأفكار التي يرغب في طرحها، بل والمعارك التي يريد خوضها، وبالفعل فقد وجد المصطلح في البدء؛ أي منذ تكونه في حقبة السبعينيات من القرن الماضي، اعتراضات كبيرة من الكثير من التيارات الفكرية المختلفة، وحرباً شعواء خاصة من قبل المحافظين وحراس قيم «الحداثة»، فقد وجدوا فيه عدواً يريد أن يحطم القديم بكل أبنيته وتأسيساته النظرية، والملاحظ أن ذلك الجدل عبّر عن ما مر به الغرب من تحولات كبرى خاصة في ظل الرأسمالية التي أسست للفردانية والتشظي وهيمنة ثقافة الاستهلاك وسيادة التكنولوجيا.

قصة مفهوم

ولعل من أفضل وأهم الكتاب والنقاد الذين قدموا تعريفاً جيداً ومتماسكاً للمفهوم هو الفيلسوف الفرنسي جان فرنسوا ليوتار «1924 1998»، الذي أشار إلى أن مرحلة ما بعد الحداثة هي عصر التشكيك وموت التعريفات المنطقية، ونهاية عصر منتجات الحداثة من ابتكار النظريات أو النظريات الشاملة في مجال السياسة والاجتماع، ونهاية وجود نظرية مطلقة في مجال الأخلاق والقيم، حيث لا توجد قيم ثابتة، كما أن المعنى في ما بعد الحداثة يجد أهمية استثنائية، ومن أهم المفكرين الذين وضعوا مبررات لظهور مفهوم ما بعد الحداثة هو الناقد الأمريكي فريدريك جيمسون المولود عام 1936، والذي يرى في مؤلفه الشهير «ما بعد الحداثة.. المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة»، أن هنالك عوامل قادت لظهور المفهوم منها: الافتقار إلى العمق وضعف النظرة إلى التاريخ، والخمود العاطفي، وبذلك نلاحظ أن ما بعد الحداثة، على عكس ما يشاع، أعادت الاعتبار لعدد من الأيديولوجيات التي كانت تشكك في العقل وفي السرديات الكبرى وغيرها.

أوهام

في كتابه «أوهام ما بعد الحداثة»، يقدم الفيلسوف والناقد البريطاني تيري إيجلتون، المولود في عام 1943، تصوراً مختلفاً وخلاقاً لمصطلح ما بعد الحداثة، وينطلق من ذات المعاني والأفكار التي أسس لها المفهوم الذي يرى أن العالم غير ثابت ولا وجود فيه للحتميات والقطعيات باعتباره يتشكل من ثقافات وتأويلات تنظر بعين الريبة تجاه الحقيقة والتاريخ والهوية، ويخوض إيجلتون غمار رحلة بحثية مضنية في قضية المصطلح وأصولها وما تتضمنه من تناقض وتجاذب، لكنه لا يتوقف كثيراً عند الفلسفة والمضامين الفكرية للمفهوم وكل تلك العوالم المعقدة، بل يمضي قدماً نحو ما يسميه بثقافة ما بعد الحداثة وبيئتها، مدافعاً عن بعض النظريات اليسارية التي استطاعت أن تقدم رؤية أخلاقية أكثر واقعية من خلال نقدها للرأسمالية وما أنتجته من تشويه للإنسانية وما خلقته من اغتراب كامل للفرد، ويرى إيجلتون بصورة عامة أن خطاب ما بعد الحداثة قد جاء نتيجة لإخفاق سياسي، فهو مجرد «بديل فنتازي لورطة سياسية فعلية»، وبالتالي يوجه إيجلتون نقده إلى التصوّرات ما بعد الحداثية عن فكرة الكلّية والتقدم في التاريخ والذات، والكونية.

توظيف

يعمل تيري إيجلتون منذ البدء على توظيف مصطلح مغاير، نتيجة لأنه يهتم بمسألة الثقافة أكثر، وهو مفهوم «ما بعد الحداثية»، بدلاً عن «ما بعد الحداثة»، ويرى إيجلتون أن مصطلح ما بعد الحداثة يشير إلى مرحلة تاريخية خاصة، أما مصطلح ما بعد الحداثيّة، فيشير بصورة عامة إلى شكل من أشكال الثقافة المعاصرة، موضحاً أن «ما بعد الحداثة»، أسلوب في الفكر يبدي ارتياباً بالأفكار والتصورات الكلاسيكية، كفكرة الحقيقة والعقل والموضوعية والهوية، وفكرة التقدم الكوني، والسرديات الكبرى، أما ما بعد الحداثية فهو يشير إلى أسلوب في الثقافة يعكس وجود فن بلا عمق ولا مركز ولا أساس، هو فن استبطاني متأمل لذاته واشتقاقي وتعددي وانتقائي، يميّع الحدود بين الثقافة الرفيعة والشعبية، كما يميّع الحدود بين الفن والتجربة اليومية، تلك هي الرؤية الثقافية السائدة في مرحلة ما بعد الحداثية بحسب إيجلتون.

الكتاب يقدم تجربة معرفية ممتعة للقارئ، ويمكنه من قراءة ما بين السطور، فعلى الرغم من أن إيجلتون يرى في ما بعد الحداثية الكثير من الأشياء الجيدة، لكنه في ذات الوقت يحذر من المطبات والخدع الكثيرة الكامنة في خطاب أتباع ذلك المصطلح.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"