هل للعرب مؤسسات لغوية فوق مجامع اللغة العربية؟ إذا اتفقنا على أنها هي أعلى سلطة لغوية، وأن بيدها الحل والعقد في أمور اللغة، فهذا يعني أن شؤون العربية، في سلامتها واعتلالها، منوطة بعهدتها. ها نحن عند منطلق الفرس، نطرح سؤالاً بريئاً على علماء العربية، مشرقاً ومغرباً، في مجامع اللغة بخاصة: هل حدث في يوم من الأيام، أن تصفّحوا كتب تعليم العربية، النحو والصرف بالذات، في مراحل الابتدائية، الإعدادية والثانوية؟ هل طرحوا يوماً في مجالسهم العلمية، السؤال: ما الذي يدرسه أبناء العرب وبناتهم، في مقرر قواعد العربية؟ ما الذي يتعلمونه، فهم يتعثرون كتابة وقراءة، حتى عندما يتخرجون في الجامعة؟
أنت محق إذا لاحت لك الصورة كاريكاتورية: العلماء الأجلاّء في اتحاد مجامع اللغة العربية، في اجتماع قمة، وأمامهم كتب الابتدائية. الأساتذة الأفاضل هم في مستوى ابن جني، أحمد بن فارس، الفرّاء، عبدالقاهر الجرجاني، ابن مضاء، مصطفى جواد... أليس قليلاً عليهم العكوف على دروس ضمة الفاعل وفتحة المفعول، ومَن مِن الأخوات ترفع أو تنصب المبتدأ أو الخبر؟ أيام الجاحظ، لم يكن ثمة وجود لوزارة التربية والتعليم، لا للمناهج ولا للمقرر في الكتب المدرسية، لكنه رأى أن من واجبه ألاّ يلزم الصمت إزاء الخطأ. تأمل كم قرناً ظل بخت تبسيط القواعد نائماً، فقد أوصى أبو عثمان بعدم تعليم الصبيان من النحو إلاّ ما يحتاجون إليه في حياتهم اليومية. وسوف يرى لغويونا الكرام، إذا تكرموا بإلقاء نظرات على الكتب المدرسية، ما هو أدهى وأنكى ممّا رآه عمرو بن بحر، لأن عصر الجاحظ لم تكن فيه معلوماتية وحواسيب وشبكة شابكة مشبوكة، وميتافيرس محبوكة، ومسالك واقعية وافتراضية لم تكن قط مسلوكة.
محال أن تكون المناهج في عصر ابن مضاء القرطبي، قد اختلفت 180 درجة في القرن الثاني عشر، عمّا كانت عليه في عصر الجاحظ، لكن ابن مضاء شهر سيفاً ماضياً، معلناً ثورة الدعوة إلى تبسيط القواعد، في كتابه الصارخ «الرد على النحاة». هذا لا يعني أن المسائل التي ذكرها في كتابه صورة طبق الأصل لما يوجد في المناهج اليوم، لكنها نبراس للسالكين على درب تيسير النحو. طريقة تدريس قواعد لغتنا ثقيلة مملة.
لزوم ما يلزم: النتيجة الغائية: المطلوب علماء لغة يعلنون ثورة ابن مضاء مع نظر استشرافي ثاقب.
[email protected]