عادي

«انتظارات».. حياة داخل المسرح

23:57 مساء
قراءة 4 دقائق
الكتاب - عبدالله صالح

الشارقة: علاء الدين محمود

كتاب «انتظارات.. ومسرحيات أخرى»، لعبدالله صالح الرميثي، الصادر في طبعته الأولى عن «دائرة الثقافة بالشارقة»، عام 2022، يعد واحداً من المؤلفات المهمة في مجال التوثيق للمسرح الإماراتي عبر مسيرته الطويلة وصعوده المتزايد، كما أنه يستعرض مسيرة مؤلفه وهو واحد من جيل روّاد المسرح في الدولة، وصاحب إسهامات وافرة ومسيرة ممتدة، حيث أنجز العديد من النصوص المسرحية المهمة، وتوّج مسيرته بالعديد من الجوائز، والتكريمات في مناسبات شتى ومن مؤسسات عديدة داخل الإمارات كممثل وكاتب نصوص مسرحية.

في هذا الكتاب يلقي المؤلف الضوء على العديد من العروض التي اشتغل عليها كممثل ومؤلف، وهي مجموعة من المسرحيات التي تأتي استكمالاً لمسيرته الفنية التي تنتمي إلى المسرح الاجتماعي، حيث تتطرق هذه النصوص إلى مواضيع وأغراض شتى، فيها ما هو إنساني، وما له صلة بقضايا اجتماعية وإشكاليات متصلة بالإنسان وبحيواته المختلفة وعلاقاته الاجتماعية في سلم التراتب الاجتماعي والاقتصادي، كما أنها تتكئ على الماضي للنهل منه، والنسج من المخيال الشعبي وقصصه، وهي تجربة ثرية وكبيرة، حيث إن مسرح صالح له دور كبير في تشكيل الذائقة الفنية لدى الجمهور في الإمارات، وتكوين رصيد جماهيري للمسرح في الدولة، فلئن كان هنالك جمهور يحتفي بالمسرح، ويذهب لمشاهدة العروض، فذلك بفضل التراكم الذي حققه عبدالله صالح وأبناء جيله، حيث قدموا أعمالاً لصيقة بالمجتمع وقضاياه فعبروا عنه خير تعبير، وللمؤلف كتب أخرى سبقت هذا الكتاب وجميعها حول المسرح، وهي صادرة عن دائرة الثقافة في الشارقة، منها كتاب «الأغنية في مسرح الإمارات»، صدر عام 2004، والآخر توثيقي بعنوان «الأوائل في مسرح الإمارات»، صدر عام 2010، والعديد من المؤلفات الأخرى.

جاء الكتاب في 363 صفحة من القطع المتوسط، بغلاف زاهٍ بألوان لامعة، ويضم 7 من المسرحيات التي قدّمها صالح في أوقات وأزمنة مختلفة، حيث ترصد تلك النصوص في معظمها متغيرات الواقع الاجتماعي، ومعظم تلك المسرحيات التي في الكتاب هي باللهجة الإماراتية، فيها ما هو جاد، ومنها ما قدّم بمعالجة كوميدية، والمسرحيات هي: «انتظارات»، و«قرموشة»، و«قوم كش بطير»، و«غرام في انستغرام»، و«الجلسة»، و«كشته»، و«سلطان زمانه»، وهي مسرحيات متعددة في فضاءاتها وعوالمها، منها ما يتكئ على الماضي، وهناك ما يعالج هموم ومشاغل حديثة متعلقة بالمتغيرات الكبيرة التي طرأت على المجتمع الإماراتي وعلى العالم بعد الثورة التقنية والرقمية، وهناك نصوص تعالج واقع الفرد في ظل المتغيرات العصرية، وكان صالح قد تحدث عن كتابه، مشيراً إلى أن العديد من تلك المسرحيات تطرقت إلى مواضيع إنسانية واجتماعية، وتناولت الجوانب الاقتصادية وأيضاً الخيال الشعبي، فعبرت عن البيئة الإماراتية وهموم وشواغل المواطن في كل مكان داخل الدولة، ويشار إلى أن هذه المسرحيات التي احتضنها الكتاب، عُرضت في مهرجانات محلية، وفي بلدان خليجية برؤى مختلفة، كما أن نصوص عبدالله صالح يستفاد منها في العديد من دول منطقة الخليج، وذلك لتقارب الواقع الاجتماعي والثقافي هنا وهناك.

تراث

الملاحظة الجديرة بالذكر في هذه النصوص المسرحية، أنها تتكئ على ثيمة توظيف التراث، وهي العملية التي نجح فيها المؤلف باقتدار كبير، خاصة الموسيقى والأغنيات الشعبية، وربما يعود ذلك إلى أن الكاتب في الأصل كان مغنياً قبل أن يكون مسرحياً، كما أنه شاعر، فكان أن حول المسرح إلى حالة غنائية بشروط وأغراض المسرح وأدواته، وله إسهامات عدة في هذا المجال، مثل كتابه «الأغنية في المسرح الإماراتي»، والحقيقة أن هذه المهمة المتمثلة في توظيف التراث ومفردات البيئة في المسرح الإماراتي شكّلت جماهيرية كبيرة للمسرح في الدولة، لكن مسرحيات عبدالله صالح ونصوصه التي في الكتاب لا تتطرق إلى الزمن الماضي فقط، بل إنها تطل على الحاضر بقوة، وهذا ما يجعل توظيف التراث عند الكاتب مبتكراً، وهو الأمر الذي تحدّث عنه صالح عندما أشار إلى أن المسرح الإماراتي يعيش في الوقت الحاضر مرحلة التغريب، إذ لم يعد يعبر عن قضاياه الداخلية كما كان في السابق، عندما كان ينهل من التراث ومن البيئة ويعكسها في أعمال جمالية، وتلك هي المهمة الأساسية للمسرح، وهي التعبير عن الواقع الاجتماعي، ويؤكد صالح أن التراث ليس نقيضاً للحداثة أو التطور أو التقدم، فكل مسرح في العالم ينتشر من خلال خصوصيته الثقافية والاجتماعية والجمالية، وأن العديد من المسرحيات الإماراتية التي لقيت قبولاً في الداخل والخارج هي في الأصل تتكئ على التراث الإماراتي الغني والمتنوع.

ماض وحاضر

في أحد نصوص الكتاب، وهي مسرحية «قرموشة»، يصنع العرض جسراً بين الماضي والحاضر، ويتوقف عند قضايا اجتماعية وثقافية يعالجها برؤية مبتكرة من خلال قصة عجوزين تقدما في العمر، لكن ساعة الحب ظلت متوقفة عند اللقاء الأول وبذات الألق القديم، فجمعت بين الاثنين قصة غرام كبيرة لم يعكر صفوها تقدم السنوات، فما زال كل واحد منهما يحن إلى الآخر، وما زالا يحلمان بالاقتران ببعضهما عبر الزواج، والمسرحية تحمل ذلك الحنين إلى الماضي مع أمل بألا يفقد تقدم العمر نضارة الإنسان الذي عليه أن يتمسك بقيمه وهويته، والملاحظ على المسرحية وكل أعمال الكاتب، تلك السخرية الخفيفة في تناول الواقع والمتغيرات والشخوص، حيث يتم توظيفها بطريقة تحمل في طياتها رؤى فكرية، كما يسرد النص تلك الحكاية من الماضي بأسلوب شاعري على لسان أبطال العرض، وتسيل اللغة حد إنتاج الصور والمشهديات.

عتبة العنوان

نشير إلى أن عنوان الكتاب، مأخوذ من نص «انتظارات»، وهي مسرحية قُدّمت في مناسبات عديدة، وقد عولجت محلياً وخليجياً، ونالت العديد من الجوائز، وهي تتحدث عن شخصين زوج وزوجة، وهما غانم وأماني، اللذان يتعطل بهما مصعد الفندق فجأة، لتدور بينهما حوارية طويلة، يستعيدان من خلالها سلسلة من الوقائع والذكريات، فيكتشفا أن علاقة قديمة قد جمعت بينهما، ويلعب العرض على تلك المفارقة التي تحمل العديد من الدلالات.

https://tinyurl.com/3we242uy

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"