عادي
قرأت لك

سردية القرية وأصل الحكاية

00:10 صباحا
قراءة 4 دقائق
د. فيصل السويدي - غلاف

الشارقة: عثمان حسن

«القرية التي حلقت فوقها الملائكة» هو عمل روائي للكاتب الإماراتي الدكتور فيصل السويدي، وتدور أحداث الرواية بحسب المؤلف حول قرية جبلية نائية، قرية تستقر في أعماق جبل، بعيداً عن أعين المدينة، قرية وحيدة إلا من أهلها، أولئك الذين يستيقظون فجراً، يصلون، يجلسون في القهوة البسيطة، يتبادلون أخبارهم القليلة، تخرج الشمس، فينطلق كل منهم إلى حاجته ليقضيها، وترتكز الرواية على عنصر المفارقة ما بين الماضي والحاضر، الماضي بما فيه من بساطة وعفوية تعزز قيم السلام والخير، والحاضر بسطوته وجبروته وهواجسه الخادعة والماكرة.

جاءت الرواية في 336 من القطع المتوسط، وصدرت عن دار العربي للنشر والتوزيع في مصر، والرواية استفادت من ثقافة كاتبها الذي يتقن الإسبانية، فصاغها بمزاج الواقعية السحرية، وبأسلوب مدهش لغة ونسجاً للحكاية ضمن رابط فني أكد تماسك بنية السرد، وما فيه من محمول عاطفي ترك أثره في القارئ.

تتألف الرواية من جزأين رئيسيين، في الأول، ثمة سيرة ذاتية لقرية ما، بأهلها البسطاء والحالمين، وفي هذا الجزء نتعرف إلى أبطال القرية: مرزوق، وصديقه وابن عمه عارف، ويرسم د. السويدي في هذا الجزء خريطة طريق للقرية وسكانها، نقرأ في الرواية «حاولت الحكومة المركزية أن تعطي اسماً للقرية، ففشلت، كأنما هي رسالة من أهلها تقول: إننا نحن وحدنا «القرية» والبقية مجرد قرى، نحن المعرفون، والبقية نكرات، فسموا النكرات بما شئتم أما المعروف فلا يُعرّف».

عتبة السرد

في هذا العمل يشكل السرد عتبة مهمة، فهو سرد مفتوح على الحكاية في شكلها المعاصر الذي يتداخل مع الواقعي والأسطوري والميثولوجي، وهو أحياناً أخرى، سرد لطيف ورشيق، تتجلى فيه خصيصة السارد الشاعر، وفي معرض توصيفه لشخصيات الرواية يقدم الروائي توصيفاً جامعاً لهذه الشخصيات، التي تنطوي على ميزات وخصائص تجمع بين البساطة والعفوية والقوة، وفي هذا السياق تتداخل في الرواية تقاطعات تمهد لثيمتها الرئيسية، وجاءت على شكل سلسلة من الثنائيات، وربما التناقضات (الواقع مع الخيال، والصداقة مع الإجرام، والسخرية مع الجدية، والموت مع الحياة...إلخ).

وصف

امتازت الرواية بقدرة مؤلفها الاستثنائية على الوصف، ولا يسع القارئ هنا، إلا أن يتفاعل مع أحداثها، وفي التفاصيل ثمة ما يجعل هذا القارئ مشدوداً لتلك الحكايات البسيطة والعفوية والصادقة، التي تتناسل على ألسنة شخصيات وحيوات يغمرها حنين وفطرة المكان الأول، هذا المكان البعيد عن ضجيج وصخب المدينة، بما فيها من تحولات وتبدلات، هي بكل تأكيد قد أحدثت شرخاً بيّناً في مجمل العلاقات الاجتماعية، ثمة تفاصيل كثيرة في الرواية، وهي تفاصيل مسنودة بثقافة كاتبها واطلاعه على الأدب اللاتيني، فالرواية تتخللها تقاطعات واضحة مفتوحة على سمات الأدب اللاتيني، يمكن تلمس ذلك من خلال شخصية الرواية «موزة بنت مراد»، واسمها الحقيقي كما هو في الرواية (مارتيزا مارادونا) بوليفية الأصل، أمريكية الجنسية، قدمت مع زوجها إلى الخليج عام 1975، ضمن بعثة التنقيب عن النفط، ومارتيزا في الرواية تألف نساء القرية في ذلك المكان البعيد عن الضوضاء؛ حيث الجبل الشامخ، وكانت تستغل أوقات فراغها في الذهاب إلى الجبال، متسلحة بالخرائط العتيقة، هذا الهوس العتيق الذي ورثته عن زوجها..في إحدى الجولات تاهت مارتيزا وزوجها، فوصلا إلى هذه القرية؛ حيث تراءت لهما خيالات تتحرك من خلف أشجار «الشوع» الجبلية فزادت شوقاً، وفركت عينيها واقتربت، فإذا بها تشاهد بشراً من لحم ودم، فكأنما وصلت إلى جنان عدن.

أسلوب

في هذا العمل الروائي، يدشن المؤلف أسلوباً جديداً في السرد الإماراتي، يمتزج فيه الواقعي مع المتخيل، وهو يعيدنا في كل تفصيلة أو حكاية إلى عمق القرية، وهو أسلوب ذو قدرة هائلة على الوصف، وصف يتداخل مع عادات سكان القرية، من جهة عزلتهم، وهواجسهم جرّاء الطارئ الجديد، في صلته ربما- بمظاهر العولمة التي فاقت الوصف وخلخلت الكائن، وأحدثت شرخاً في نسيجه الاجتماعي.

امتاز الأسلوب الذي انتهجه السويدي بخصوصية اللغة التي تمزج ما بين الرصانة والقوة بما فيها من بلاغة واستعارات لغوية، وما بين شفافيتها وسلاستها وهي ميزة تسجل للكاتب.

لقد استطاع المؤلف أن يجذب القارئ نحو عوالم القرية، من خلال مشاهد تصف الأحداث بجرعة من التشويق والإثارة، واستطاع أن يجول مع قارئه نحو مسارب ومنعطفات الرواية وتسلسل أحداثها في الأماكن المختلفة التي جرت فيها وقائع وأحداث شتى، تشحذ العواطف والعقول نحو مرتكزات وثيمات هذا العمل الذي يدور في فلك الحكمة والسلام والحب في مقابل القتل والطمع ومصادرة الأحلام والهواجس.

جثة الملعب

في الجزء الثاني من الرواية الذي جاء بعنوان «جثة الملعب»، يواصل المؤلف سرد الحكايات بمجموعة من النصوص الفارقة في دهشتها، وهنا، يبدأ مستوى جديد من العناوين الفارقة على سبيل المثال: (الأحمر القاني، المربعات الأربعة، عبيدان الذي مات مرتين، وقود كريسبي كريم، مطلوب روائي، 188 وردة برتقالية، إغلاق الأجواء، الجائحة والإجلاء، كاميرا مقربة على غرفة عارف في الحجر الصحي، التحقيق في زمن الكورونا، الملازم في غيابة الجب، رسالة انتحار، عناق الجبابرة.. إلخ).

وفي هذه العناوين يجول المؤلف مع قارئ الرواية عبر حكايات تبدأ وتنتهي، وتثير الأسئلة، وتحلق في فضاءات تحاول اكتشاف جريمة تتشابك خيوطها، وتلقي بتبعات كشف ألغازها على المحقق مرزوق، حين تصحو القرية على حادثة مفجعة، مع اكتشاف جثة في بئر القرية، وفي هذا الجزء يصوغ المؤلف جملة من القصص التي تفضي إلى حوادث وذكريات، كما تعقد مقارنات ما بين الماضي والراهن، وهنا، يشتبك الكلام مع مستويات ومفارقات ورموز جديدة لم نألفها في الجزء الأول من الرواية، هي بكل تأكيد تختبر قدرة القارئ على الفهم، كأنما تحاكم الراهن، أو تكشف عمق ما فيه من خلل، جرّاء هذه التبدلات والتحولات التي أصابت البشر وخلخلت قدرتهم على الإصغاء والتأمل.

دار العربي للنشر والتوزيع في مصر

التقييمات
قم بإنشاء حسابك لتتمكن من تقييم المقالات
https://tinyurl.com/3hs62yx7

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"