حسن مدن
ما أكثر ما كُتب عن علاقة معقدة، وربما ملتبسة، بين القارئ والكاتب، بين قائلين إن عين الكاتب، وهو يكتب، يجب أن تكون مصوّبة نحو القارئ، ليس بالضرورة بهدف إرضائه وتلبية رغباته المتوقعة، وإنما لمساعدته على المزيد من التمكن من المعرفة، وبين داعين إلى أن يسقط الكاتب من ذهنه، وهو يكتب، موضوع القارئ كلية، فذلك سيكون قيداً على إبداعه، لأن الكتابة، في حال كهذه، لن تنسجم مع شروط الإبداع وحده، وإنما ستقيّد كاتبها بأمورٍ تخصّ القارئ قبل أن تخصّ المبدع.
هل العلاقة بينهما، الكاتب والقارئ، معقدة وملتبسة فعلاً، أم أن النقّاد وربما الكتّاب أنفسهم، جعلوا منها كذلك؟، وعلى هذا السؤال يترتب عنوان، لنقل إنه شارح: هل من تناقض، فعلياً، بين شروط الإبداع الحرّ وبين تلقي القارئ؟ وهل الكاتب مجبر على أن ينصرف إلى واحد من الخيارين؟ لأن القائلين بهما يرون أنه من المحال الجمع بينهما.
لا جواب قاطع لدينا على مثل هذه الأسئلة. غايتنا هنا فقط إثارتها كمحفز للنقاش المتجدد حول العلاقة بين الكتابة والقراءة. وربما حثّنا على إعادة طرحها ما قرأناه لكاتب من المكسيك، هو كارلوس فوينتس، السفير السابق لبلاده في باريس، والحائز أكبر جائزة أدبية في أمريكا اللاتينية، تناول هذا الموضوع من واقع التجربة الملموسة في بلاده وقارته كاملة، وهي القارة التي نعلم مدى خصوبة واتساع أدبها، وغنى النقاشات الدائرة فيها حول الأدب والثقافة، بين وجوهها الثقافية البارزة.
قول فوينتس جاء في ردّه على سؤال وجه إليه حول ما إذا كان بإمكان الكاتب أن يلعب دوراً في المجتمع، فرأى أنه في الظروف التي يكون فيها المجتمع المدني ضعيفاً في البلد المعني، كان الكاتب هو الناطق باسمه، حيث شغل مكان الصحفي والبرلماني والناشط السياسي والنقابي. هذا أمر لم تعد له ضرورة من وجهة نظره، على الأقل في بلدان قارة فوينتس، وبات متعيناً «الاستمرار في تأكيد اللغة والخيال والكلمات والتواصل اللغوي». طالما أن المجتمع تغيّر فعلى الكاتب أيضاً أن يتغيّر.
إن بدا في هذا القول بالنسبة لبعضنا، دعوة إلى أن ينصرف الكاتب عن واجبه تجاه مجتمعه، سنكون خاطئين، ففوينتس، قال شارحاً: تضم أمريكا اللاتينية نحو ثلاثمئة مليون نسمة، أعمار نصف هؤلاء لا تتعدى الخامسة عشرة، أي أنهم قرّاء قادمون مفترضون، فهل يجوز للكتّاب التخلي عن تلبية حاجة هؤلاء إلى القراءة؟.
ملخصاً فكرته قال فوينتس: «ما وجد الكتّاب إلا لهذه المهمة». وهو بهذا القول يعلو بالكتابة من مجرد كونها تلبية لرغبة كاتب في أن يعّبر عمّا يجول في ذهنه، ليجعل منها واجباً تجاه مجتمعه.
[email protected]