تجربة للذوقين الموسيقي والشعري

00:10 صباحا
قراءة دقيقتين

كيف ترى كلمات الأغاني، التي يدّعي أصحابها أنها «تكسّر الدنيا»؟ هم واهمون، فلم تترك لهم بلدوزرات الإمبراطورية وحلفائها شيئاً يكسرونه. ثمّة مصاب شعري جلل حدث، أصاب جنّيّات وادي عبقر بالعقم، أضحت القرائح قريحةً، والمواهب نطيحةً طريحةً. لغز عجيب، فلو كانت الأمّة رائدةً في إنتاج العلوم، لقلنا إن النبوغ أراد الاستكثار من الخير، فآثر إنقاذ التنميات المتعثرة بسخاء سيول السيولة. نخشى أن يقول النفّاثون في العقد النفسية التنموية، إن العرب محتاجون إلى قروض قريض.
ثمّة تجربة ملهمة، من عهد شاه إيران محمد رضا بهلوي دامت اثنين وعشرين عاماً (1957-1979)، كانت لها آثار إيجابية في الذوقين الموسيقي والأدبي؟ في أوائل ذينك العقدين كانت الأمّية تناطح 85% في إيران، تأسست فرقة موسيقية في الإذاعة اسمها «ورود الخالدين»، تفرعت منها فِرَق: «الورود الملونة»، «غصن ورد»، «ورقة خضراء»، «ورود برية»، «ورود نديّة». بين هذه الفِرَق فروق. «الورود الملونة» أوركسترا بتمام المعنى، تضمّ تشكيلةً كبيرةً من الوتريات والنافخا ت، الشرقية والغربية. ومنها ما يقتصر على الآلات الإيرانية، وبعضها يكتفي بمصاحبة آلة أو اثنتين. كلها تلتزم في كل عرض موسيقي مقاماً واحداً. عرض «الورود الملوّنة» هو الأكمل، فيه مقدمة للأوركسترا، موّال طويل تصاحبه آلة أو اثنتان، أغنية، وخاتمة سريعة الإيقاع.
ما الذي جعل هذه العروض، التي مجموعها الزمني خمسون وثمانمئة ساعة، محط إعجاب الخاصة والعامة؟ لا يزال لها متذوّقون على يوتيوب، على الرغم من انقطاعها منذ الثورة. السر لا ينحصر في جدّيّة هذه الموسيقى، إلى حد أن المطربات والمطربين غير المتمكنين من المقامات، غير الملمّين بعشرات النغمات في كل مقام، لم يكونوا يجدون سبيلاً إلى المشاركة فيها، مثل غوغوش، التي كانت في قمة الشهرة حتى خارج إيران، لكنها لم تكن مؤهلةً لأداء فنّ الموّال، الذي يتطلّب إحاطة بتفاصيل المقامات.
أمّا الأهمّ فهو أن أشعار العروض في الأغنية والمواويل كانت كلها، وبلا استثناء، مقتصرةً على أعلام الشعراء: جلال الدين الرومي، سنائي، حافظ الشيرازي، سعدي الشيرازي، فريدالدين العطار، وكبار المعاصرين ملك الشعراء بهار، رهي معيري، هوشنك ابتهاج، شفيعي كدكني.
بين فقرات كل العروض إلقاء أبيات بأصوات أبرع المذيعين، والفقرات كلها من أشعار القمم. الحاصل بداهةً: كل طبقات الشعب صارت تعرف أسماء المقامات الموسيقيّة وأكبر الشعراء وأقدر الأصوات والملحنين وأمهر العازفين. فوق كل ذلك ارتفعت مبيعات دواوين الشعراء القدامى والمعاصرين.
لزوم ما يلزم: النتيجة السؤالية: ماذا تعرف عامّة العرب من قرون الشعر العربي. لم يفت الأوان، والتجربة لأولي العزائم.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"