اقرأ سلسلة التاريخ الطبيعي والثقافي للحيوانات والطيور الصادرة عن مشروع كلمة في أبوظبي بمتعة متزايدة من كتاب إلى آخر، وفي كل قراءة يتعجب المرء فعلاً من شعرية وأسطورية هذه الكائنات التي يعيش بعضها في بيوتنا وبين أولادنا، ومع ذلك، قليلاً ما نعرف تاريخها، وكيف أنها جزء مهم من الآداب والفنون، بخاصة الشعر.
طائر الحمام مثلاً.. يبدو رمزاً للسلام والحدس الذي يتمثل في رؤية ما سوف يجري أو يقع في المستقبل، إنها، مثلاً عينا زرقاء اليمامة، ثم، لا تنس حمامة أبي فراس الحمداني، غير أن الباحثة الأسترالية باربارة ألين – التي وضعت كتاباً عن الحَمام ترجمة: صخر الحاج حسين، تتحدث برؤية علمية ميدانية عن البشر الذين يبيدون هذه الطيور المسالمة الناعمة، وتقول إن هؤلاء البشر لهم ضمائر، لكنها ضمائر مكسوة بالريش.. ضمائر هشة وكاذبة، حين تلتئم مجموعة من الشرهين على مائدة من الحمام المشوي والمحشو بالأرز، وبعد الانتهاء من وجبة الطعام، هكذا أتخيل أنا القارئ على الأقل، يستلقي أحدهم، وينام، وقد امتلأت معدته بلحم صغير، فيما ضميره مكسو بالرّيش.. ما أصعب البشر، وما أكثر تناقضاتهم، إذا كان الواحد منهم شبعان يتحدث بإنسانية مفعمة بالشعر عن حقوق الحيوانات والطيور.. وإذا جاع يأكل حمامة بلحمها وعظمها وريشها.. ولكن، ماذا عن النحل؟
وضعت الباحثة الأمريكية كلير برستون كتاباً عن النحل ترجمة: جودي حلبية، وتقول، إن الطفل أفلاطون الذي تركه أبواه على منحدرات جبل هيميتوس قرب أثينا، أطعمته النحل بوضع العسل في فمه ما جعل كل ما يقوله لاحقاً يخرج كالعسل من بين شفتيه.. وتضيف برستون أن الشاعر بيندار كانت تطعمه النحل عندما ينام، وتقول إن بعض الشعراء والفلاسفة اليونان كان يسيل منهم العسل بسبب جمال خطابهم.. وبعيداً عن هذا التاريخ الثقافي للنحل، يبدو للمرء أحياناً أن النحلة ولدت من ضلع شاعر، أو العكس، يقول ماندلستام: (.. خذي من راحتي ما تُحبّين../.. قليلاً من العسل../.. وقليلاً من الشمس..).
الجمل أيضاً له تاريخه الطبيعي والثقافي. كائن صبور مهيب في صورته وفي حجمه، ووراءه موروث أدبي شعري مميز في ثقافتنا العربية أكثر من أي ثقافة أخرى في العالم كلّه. يقول الباحث روبرت إيرون في كتابه «الجمل» ترجمة: أحمد محمود.. (.. هذه هي سفن بلاد العرب، وبحارها هي الفيافي. إنه مخلوق فطره الله كي يحمل الأثقال. حمولته العادية ستمئة رطل، إلا أن بوسعه أن يحمل ألف رطل..).. فوق هذا وذاك عد إلى القرآن.. «أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ».
رسم الواسطي الجمال في منمنمات رائعة الدقة والهندسة الزخرفية الملوّنة، وما من مادة درامية سينمائية أو روائية عظمى، إلا وللجمل حضور جمالي أو إيقاعي فيها.
صغير الإبل يُسمى الحوار، وترمز الناقة إلى الأمومة والحنان، ووضع الأصمعي دراسة متخصصة تحت عنوان «كتاب الإبل»، ويقول إيرون إن الجمل أصبح أيقونة في الثقافة العربية الإسلامية، والإبل تستجيب للشعر كما استجابتها للموسيقى.
المفارقة هنا أن كل هذا التاريخ للحيوانات والكائنات أو الكثير منه مكتوب بأقلام ليست عربية، الثقافة أيضاً لها ضمير.. الأرجح أنه ليس مكسواً بالريش.