منذ أيام تلحّ عليّ الكتابة عن جمعة الفيروز، الأكثر من جمعة، فهو الشاعر، والموسيقي، والعَوّاد (ضارب العود)، وهو الناثر، والقاصّ، والخطّاط وإن لم يكن يطرح نفسه خطّاطاً احترافياً، فقد كان يحتفظ بخط يده كما يحتفظ المرء بشيء عزيز في أدراجه. وكان ابن جلفار ابن بحر أيضاً، وإن لم يكن غواصاً أو صيّاداً، واكتفى بالغوص على الكلمات الجميلة التي تشبه روحه الوجودية القلقة ولكن الهادئة والساكنة دائماً، ودائماً مغلّفة بشيء من «الصمت طويل القامة» الذي يشبهه.
بلا سبب، وبلا مناسبة، أكتب عن جمعة الفيروز لأنَّ في اسمه دائماً سبباً ومناسبة، فإن رأيت الكتابة عن الشعر في الإمارات في ثمانينات القرن العشرين فلا بدّ أن يحضر جمعة الفيروز، وإن كتبت عن القصة القصيرة الثمانينية، فمن الإجحاف أن تقفز على اسمه، وإن أردت الغناء والموسيقى والصوت الشعبي الإماراتي قبل نحو أربعين عاماً في الإمارات، فمن المحرج لك أن تنسى ذلك الرجل الأسمر النحيل المعجون بماء وتراب وضوء رأس الخيمة.
لتكن الموسيقى، إذاً، سبباً في الكتابة، ولم يكن جمعة الفيروز موسيقياً احترافياً مكرّساً لهذا الفن الرفيع، ولكنه كان اسماً معروفاً في الوسط الفني الإماراتي في ثمانينات وسبعينات القرن العشرين. وبحسب معلوماتي القليلة في هذا الشأن، قد يكون الفيروز وضع ألحاناً بسيطة من تأليفه لبعض الأغاني الشعبية الإماراتية، لكن لا يوجد بالطبع مؤرخ محترف لنعرف على وجه الدقة دور جمعة الفيروز في تحديد أو تأصيل فن الموسيقى المحلي.
ليتني، في هذه المناسبة، أرتب زيارة خاصة للصديق الفنان يوسف جاسم شقيق الشاعر المبدع والمفكر التحليلي النقدي عبدالعزيز جاسم، زيارة استقصاء ميداني لجزء من تاريخ الغناء في رأس الخيمة وفي الإمارات بشكل عام من خلال ذاكرة وأرشيف يوسف جاسم الفنان الريادي الحاضر في الذهن والمتتبع لمسارات الغناء والفنون الشعبية منذ الثمانينات.
تجمع الصداقة الجميلة بين يوسف جاسم وجمعة الفيروز، ولا بد أنه يعرف الكثير عن جمعة الفيروز الموسيقي والعّواد، كما تجمع الصداقة أيضاً بين يوسف جاسم والكثير من شعراء رأس الخيمة: سعد جمعة، وثاني السويدي، وأحمد العسم، وعبدالله السبب، وغيرهم.
عرفت يوسف جاسم وعائلته وإخوته الأكارم في رأس الخيمة في ثمانينات القرن العشرين عن طريق عبدالعزيز جاسم المسكون هو الآخر بأرواح الفن من عزف وإيقاع وغناء، لا بل لم تكن هناك من جلسة شعرية «جلفارية» في ليل رأس الخيمة إلّا والعود ملازمها الأول.
هل من صديق أو عزيز يتولى جمع وحفظ ذاكرة وأرشيف جمعة الفيروز الموسيقية؟ نأمل هذا.
[email protected]