قصيدة خورفكان

00:02 صباحا
قراءة دقيقتين

ما من شاعر مَرَّ بخورفكان أو جلس تحت صخرة أو شجرة في أفقها الجبليّ أو المائي، إلّا ووثب الشعر إلى قلبه وإلى روحه، كما لو أن خورفكان بذاتها وفي ذاتها هي قصيدة الماء والحجر في لحظة واحدة، أو في زمن بصري، تشكيلي كأنه التاريخ مرسوم على وجه الجغرافيا.

أقع في قلب الشعر دائماً كلما مررت بخورفكان، وأقرأ ما كتب الشعراء في هذا المكان الإلهامي العبقريّ، ودائماً لا أنسى قصيدة الشاعر اللبناني أحمد فرحات، وقد كتبها في أوائل العام ١٩٩٦، حين رأى خورفكان أول مرة:

«خورفكان

ما أردت أن أعشق

ولكنه البحر

ما أردت أن ابتعد

ولكنه التاريخ

ما أردت أن أموت

ولكنه المزاج بهوّاته

يعدو في هواء القلب

كالسمك المستطاب»

وفي مكان آخر يقول: «سمّيتك رُقى الجبال عليّ، واستلقيت في أصل الفيء المسدل منها، مطوّقاً المكان بأفواج ظباء صغيرات لا يجفلن من رائحة القلاع».

بعض المدن تكتب الشاعر قبل أن يكتبها. تعطيه سرّ اللغة، وسرّ الصورة، وسرّ الموسيقى التي ترتب نظامها الإيقاعي في الشعر بتلك البساطة الجمالية التي نراها في روح الجبل، او في مهابة البحر.

خورفكان من هذا النوع من المدن الإلهامية الجمالية، التاريخية والجغرافية. التاريخ فيها اسم آخر للجغرافيا، والجغرافيا اسم مكمّل للتاريخ. المكان وصورته وهويته منظومة واحدة، سرّ واحد، ولغة واحدة تعطيها المدينة لمن يريد أن يكتبها بأي شكل من أشكال الشعر.

أحمد فرحات شاعر لبناني ابن بحر وابن جبال. الماء والحجر ليسا غريبين على لغته، وليسا بعيدين عن شعريته المثقفة، لكن لخورفكان خصوصيتها الجمالية والإلهامية المختلفة روحياً ونفسياً عن أي مكان جبلي بحري آخر، وتلك الخصوصية، هي بالضبط، عبقرية المكان التي يبحث عنها الشعراء.

قصيدة خورفكان بهذا المعنى الثقافي والجمالي هي قصيدة كلية جماعية. قصيدة أكثر من شاعر، وأكثر من رؤية شعرية تبعاً وطبقاً لروح المكان، وخصوصيته، وامتيازه الجغرافي والتاريخي.

قصيدة خورفكان، وبالمعنى الثقافي العام، إبداع يومي حيّ لكل قادم إلى المدينة التي تتجدّد في مكانها مع تجدّد كل شروق شمس.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"