عادي
جماليات إسلامية

«المنمنمات».. سردية بصرية منسوجة بالإبداع

22:58 مساء
قراءة 3 دقائق

ابتكر الإنسان المسلم فنوناً متميزة بطابعها الخاص وثرائها الإنساني، تستمد روحها من عمق ثقافته.
فبينما جسد فن العمارة الإسلامية قداسة الجمال في القباب والمآذن، عبر الخط العربي عن الإيمان بأن الحرف وعاء للنور والمعنى، وجاءت الزخرفة الإسلامية لتكشف عن رؤية تحاكي التناغم الكوني، وتألق فن المنمنمات المدهش كأحد أجمل مظاهر الإبداع الإسلامي، والذي جمع بين دقة الحرفة وعمق الرمزية، ليقدم للعالم صوراً مصغرة تختزل عظمة حضارة رأت في الجمال طريقاً إلى المعرفة والروحانية.

يمكن تعريف المنمنمات الإسلامية وفق ما استقر عليه عدد من الباحثين في تاريخ الفن الإسلامي: بأنها فن التصوير الإسلامي المصغر المرتبط بالمخطوطات والكتب، يقوم على إنتاج لوحات صغيرة الحجم على الورق، تستخدم غالباً كرسوم توضيحية للنصوص الأدبية أو العلمية أو الدينية، وقد تنفّذ أحياناً كأعمال مستقلة بذاتها.
وهي في جوهرها صور تشكيلية دقيقة النسب والتفاصيل، تنجز بالألوان المائية وأحياناً بالذهب على صفحات الكتب، بهدف تجسيد مضمون النص وتحويله إلى مشاهد بصرية مصغّرة تزدان بالزخارف والعناصر النباتية والهندسية والإنسانية.
وتشير المعاجم والمراجع المتخصصة إلى أن كلمة «منمنمة» تدل على الشيء المزخرف أو المزركش، ما يعكس طبيعة هذا الفن الذي يجمع بين التصوير والزخرفة، ويعد أحد أهم فروع الفن الإسلامي التي ازدهرت في المخطوطات العربية والفارسية والعثمانية والمغولية منذ بدايات القرن الخامس الهجري تقريباً.
بدايات
يعد فن المنمنمات من الفنون التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بازدهار العلم والأدب في الحضارة الإسلامية، ظهرت بداياته الأولى في القرون العباسية، متأثرة بما ورثه المسلمون من التقاليد الفنية الفارسية والبيزنطية، لكن سرعان ما تميزت المنمنمات الإسلامية بطابع فريد يعكس روح الإسلام وخصوصية ثقافته، من خلال اعتمادها على الرمزية والتجريد.
ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية، برزت مدارس متعددة للمنمنمات، أبرزها المدرسة البغدادية في العراق، والمدرسة المصرية، والفارسية، والتيمورية في سمرقند، والتركية العثمانية في إسطنبول، إضافة إلى المدرسة الهندية المغولية، وقد حملت كل مدرسة ملامح بيئتها وثقافتها، لكنها اشتركت في رؤية فنية واحدة تحتفي بالمعرفة وتصوير عالم العقل والروح قبل عالم الجسد والمادة.
يتسم فن المنمنمات بتركيب بصري دقيق، يقوم على نظام هندسي صارم تتوزع فيه العناصر بطريقة تمنح الصورة توازناً وانسجاماً، اعتمد الفنانون فيه على توظيف الألوان الزاهية كاللازورد والأحمر القرمزي والذهبي التي كانت تحضر من معادن وأصباغ طبيعية، وهذا ما جعلها تحتفظ بسطوعها قروناً طويلة، لتندمج مع بعضها في المشهد التصويري كجزء من الرؤية البصرية الكلية للكتاب أو المخطوط.
و كان الفنان يستخدم فرشاة دقيقة للغاية، تصل إلى حد الشعرة الواحدة، ليتمكن من رسم التفاصيل الدقيقة للملامح والأزياء والمناظر الطبيعية، وكان يتم الرسم عادة على الورق أو الرق، ثم تُجّلد المخطوطات بعناية لتصبح تحفاً فنية تهدى إلى الملوك والعلماء والأمراء.
رمزية
تعكس المنمنمات الإسلامية رؤية فكرية وروحية عميقة للعالم، تعبر عن جوهر الواقع، وتعكس الترتيب الكوني الذي يجمع بين الأرض والسماء، تزين النصوص ولكن في ذات الوقت تعبر عن الحالة النفسية والفكرية للمشهد، لذلك فإننا عندما نرى في المنمنمات قصوراً وحدائق، فإننا لا ننظر إلى مشهد دنيوي بقدر ما هو رمزية لجنات النعيم، وعندما نرى فرساناً وشخصيات أسطورية، فإنها غالباً تمثل قوى الخير والمعرفة في صراعها مع الجهل والشر، تلك الرمزية جعلت فن المنمنمات وسيلة لنقل المعاني الماورائية بأسلوب بصري فريد، يمزج بين الأدب والفكر والروحانيات.
من هنا يضح سبب الارتباط الوثيق للمنمنمات الإسلامية بالكتاب، بحيث أصبحت جزءاً لا يتجزأ من المخطوطات العلمية والأدبية، كما في المقامات، وفي كليلة ودمنة، حيث تتجلى الحكمة في صور الحيوانات الناطقة التي تجسد القيم الأخلاقية، أما في مؤلفات الطب والفلك والجغرافيا، فقد استخدم الفنانون المنمنمات لتوضيح الأجهزة والأبنية والمدن، فصارت الصورة سنداً للمعرفة وامتداداً للعقل العلمي المسلم.
فن المنمنمات الإسلامية هو في جوهره، شهادة على رؤية إنسانية تؤمن بأن الجمال طريق إلى المعرفة والحقيقة، والرسوم والتصاوير على صفحات الكتاب أو المخطوط، تحمل في طياتها فكرة أن الكون منسوج بخيوط من النظام والإبداع والجلال، ومن يتأمل المنمنمة يجدها تقدم سردية بصرية عميقة تحكي عن علاقة الإنسان بالعالم والكون، وتقدم شهادة على عبقرية حضارة جعلت الفن وسيلة للمعرفة والتأمل والسمو.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"