مشهد سوريالي في لبنان لا يُصدِّقه حتى السورياليون أنفسهم. طوابير طويلة للحصول على ربطة خبز، أهذا هو لبنان حقاً؟ ومن أوصله إلى حدود الشفقة؟ ولأنه جميل وعظيم، لا يأكل خبز الشفقة. خبز الشفقة يا صاحبي لا يُشبع
إذا كان وراءه فاسد يختبئ تحت قناع الشرف، وإذا كان وراءه «متكرّش» لا تضايقه التخمة. التخمة في كل شيء: المال، السلطة، السياسة، الطائفة، المذهب، وإلى آخر هذه السردية التي جعلت الجوع يمشي في شوارع بيروت، بالقرب من أكياس القمامة.
أهذا لبنان حقاً؟ أم أن ثمة خطأ في الأطلس والجغرافيا والتاريخ؟ أهذا لبنان الاكتفاء والجماليات التي أشبعت العالم ثقافة، وموسيقى، وشعراً، وخبزاً أيضاً. خبز الماضي اللبناني. خبز المائدة البيروتية التي يُحلف بطعمها ومذاقها العائلي، وروحها الكريمة.
أكتب بهذه الدرجة من التوتر لأن شيئاً من لبنان ماثل في تكوين أي كاتب عربي. ولست لبنانياً، ولكن من قال إن «اللبنانية» لا تتماثل مع شخصية العربي من زاوية الثقافة، والإعجاب بهذا النموذج البيروتي اللبناني، اللبناني العربي، اللبناني العالمي.
فادح ومفجع للبناني والعربي والإنساني الكوني أن يجري اختطاف بلد، واختطاف شعب إلى الدرجة اللاإنسانية المهينة: الجوع، وأن تقف منتظراً ومقهوراً في طابور بشري لتحصل على رغيف في خط من الناس، فأنت تحت خط الفقر أو فوقه، لا فرق، طالما وصلت الصفة البشرية إلى «الحفاء»؛ الشارع الحافي، والكهرباء الحافية، والأفران الحافية، وحتى البحر، البحر الحافي، وما عليه إلا أن يكون حافياً طالما أن جيرانه من البشر جوعى، مقهورون، «مطأطأون»، ساهمون، شاردون في الطوابير.
لبنان لك ولنا. شيء من انكساره وذلّه وكسر كرامته يصيب جيرانه، وإذا أردت إكمال الرواية ستقول: «لا قمح في حوران» على وزن ما قالته غادة السمان ذات يوم: «بحر في بيروت».
أين القمح يا صاحبي اللبناني؟ أين خوابي الحبوب: الذرة، الشوفان، والبقول. يا صاحبي لا يكفي أن ترفرف الأرزة على العلم الوطني. ولا يكفي القصر والبرلمان والحزب.
لا بد من القمح. ونحن كما قال الشاعر نحب الورد، ولكننا نحب الخبز أكثر.
أخي العربي، أخي اللبناني، اتركك من كل هذه التداعيات المتوترة، وافرح قليلاً بلبنانك الصغير؛ لبناننا الصغير الضوئي والمائي والقمري؛ لبنان جبران، وفيروز. لبنان الجريدة والكتاب، لبنان ليرة الخمسينات، واحدة من ورق النقد الصعب.
لم يكن لبنان حافياً في يوم من أيام ماضيه كما هو اليوم في زمن القمح المسروق، والكهرباء المسروقة، والثقافة المسروقة، والإنسان المسروق، واللص واقف على الباب بلا قناع وبمناسبة «كورونا» وبلا كمامة أيضاً.
اللص مثل الشيطان يكمن في التفاصيل، والأسوأ من ذلك أن اللص يعظ ويفتي ويصلي، والأسوأ أيضاً أنه لا يكمن فقط في التفاصيل؛ بل هو في الشروح وفي الرواية كلها من أولها إلى آخرها.
هو لصّ شبعان ليس حرفياً بالمرة. له جزمة ثقيلة يدوس بها على طوابير ربطات الأرغفة.
يوسف أبو لوز