أشبه بلعبة بين قارئ ومجموعة من الكتب تلك الفكرة الصغيرة الطفولية، وهي البحث عن الحجارة في الشعر.
الشعر مخزن هائل للأشياء والكائنات والبشر والحقول والأطفال وحتى القتلة والطغاة والقراصنة وقطاع الطرق.
في الشعر: رياح، وماء، وضوء، ومطر، وغيوم، ودماء، ودموع، وأزهار، ورمل.. وفيه حصى وصخور وحجارة. ولعبتك الآن هي البحث عن الحجارة في قصائد لشعراء من العالم.. عرب، وغير عرب. ولكن لماذا الحجارة؟ أجل، يشاد البيت من الحجر، ويقع الندى على الحجر، ورفعت القلاع والجسور والكاتدرائيات والأقواس والسقوف بالحجارة، والحجر «مادة» المعماري، كما أن الحجر «مادة» المقلاعي، ويحيل الحجر إلى الصمت، والعزلة، والقوة، والوحدة.. يقول تميم بن مقبل:
ما أطيب العيش لو أن الفتى حجرٌ
تنبو الحوادث عنه وهو ملمومُ
وليكن تميم بن مقبل أول البحث، ومنه إلى شاعر صوفي، أو هو بين الصوفي والمائي والغيمي.. يقول عبدالقادر الحصني في «ماء الياقوت»:
«مساء الخير يا حجر». ويقول في مكان آخر: «وددت بقلبي لو أنحني على حجرٍ مفردٍ في العراء توحد كالله في نفسه، وأجهش مختنقاً بالبكاء».
.. ولك أن تتخيل حجراً يبكي، ولك أيضاً أن تتخيل حجراً يرتعد من البرد مثل طفل في العراء، وتتخيل شاعراً يلون حسراته بالأحجار مثل الشاعر التركماني عبداللطيف بندر أوغلو، وهو يقول في قصيدته «حسرة الشاعر»: «... أطلقت الريح المختبئة في كفي منذ سنين / جففت حسراتي الصدئة بلون الأحجار».
الشاعر الفارسي مهدي إخوان ثالث يقول: «هل الثلج الخالد الذي أمطره (سام) قد حول التراب إلى حجارة سوداء؟».
ومثلما يتحول التراب على يد الكيميائي إلى ذهب، تتحول الحجارة على يد الشاعر إلى منحوتة أو تمثال:
ليتني حجر - قلت يا ليتني حجر، يقول محمود درويش.. ولكن لماذا؟ لكي يصقله الماء، فيصير حجراً أخضر أو حجراً أصفر أو يصير منحوتة توضع في غرفة.
يقرن الشعراء بين الحجارة والماء. إن الحجارة تحيل إلى الماء والينابيع والظلال والبرودة، الحجر سور البيت، والحجر اسم آخر لكل ما هو غامض ومغلق. يقول صلاح ستيتية «تحت أي صوت لماءٍ أي حجر وأي أصابع ضيقة وباردة تحت الماء ...» كأن الماء يولد من الحجر.
الحجارة تتحول إلى زينة في قيعان البحار: حجر كهرماني، حجر وردي، حجر لازوردي، حجر كريم.
يمتلئ شعر العالم بالحجارة، ومن قرأ قصيدة ليس فيها حجر، فليرمها بحجرين. أتكون تلك هي حكمة الحجر.