تشبه الأشجار زارعيها وتأخذ من صفاتهم، والشجرة الواحدة قصيدة أو دولة أو امرأة ترمز إلى الخصب والحنوّ والعطاء.
تشبه الأشجار أيضاً، الأمكنة التي تعيش فيها، وبعض الأشجار لا تنمو إلاّ في طبيعتها وبيئتها الرملية والمناخية، وإذا اقتلعت شجرة من هذا النوع، وزرعتها في مكان غير مكانها تمرض أولاً، ثم تموت.
شجر الغاف يعمّر نحو 100 عام وربما أكثر، وتمتد جذوره إلى رحم الأرض أكثر من 50 متراً، وفي مناخ صحراوي حارّ لا تسقط أوراق الغاف ولا تذبل. شجر دائم الاخضرار، ودائم الوقوف الكبريائي نحو السماء.
ما تطلبه من الغاف يعطيكه كما تعطي الأمهّات حنانهّن المقدس لفلذات أكبادهن، إذا أردت الظل من الغاف فهو ظل الشجرة، كما هو ظل الأم، وإذا أردت الحكاية، ففي ليالي الصيف يكثر السرد الشعبي تحت أغصان عامرة بالخضرة الدائمة، وإذا أردت الطعام فعند أمّنا أو أختنا الغافة العسل والزهر والثمر، وإذا أردت الدواء فعند الغافة ما تعالج به جسدك، وحتى روحك.
ليست الغافة مجرّد شجرة في الإمارات، إنها مصدر خير وبركة، وهي رمز وذاكرة، وهي معنى مرادف لحياة الإماراتي الذي عرف جيداً قيمة الصبر في زمن كان صعباً، وفي مكان كان يخبئ وعوده لحياة أجمل.
التقت روح الإماراتي مع روح مكانه، فلم يفرّط في هذا المكان، ولم يستبدله بمكان آخر. ظل أخاً للبحر، وحبيباً للصحراء، وصديقاً للجبل، وفي أمكنته الثلاثة تعلّق الإماراتي برموز مكانه وبإشارات هذا المكان.
تماهى الإماراتي في المكان البحري مع ثقافة وتاريخ الماء، عرف اللؤلؤ، وعرف الغوص، وعرف مجهول البحر ومعلومه، كما أشار إلى ذلك الصديق الشاعر عبد العزيز جاسم في بحث مكثّف له بعنوان «مجهول البحر ومعلومه».
تماهى الإماراتي في المكان الصحراوي مع النخلة، والقرم، والسدرة، والغافة، والقرط، والنسيم، والرولة، ومثلما لمست يداه أديم الشجرة، وامتلأ صدره بعبقها الفطريّ، كذلك، لمست يداه أديم التراب، فاكتسب ثقافة الرفق والجمال.
تماهى الإماراتي مع عبقرية الجبل، ورسوخه العبقري، تعلم من الحجر القوّة، والثبات، وسرّ المعنى في القمة دائماً، حيث يقترب الإنسان من الله ومن السماء.
هذه هي شجرة الغاف إذاً، ذاكرة إماراتية، ومعنى إماراتي. شجرة حاضرة في مكانها وفي تاريخها، وفي سرديتها التي تستعاد اليوم باحتفاءٍ وطني وثقافي ومعرفي. وشجرة الغاف بهذه الحفاوة الشعبية في عام التسامح ترمز أيضاً لهذه القيمة النبيلة.
شجرة الغاف شجرة أمومية، شجرة وطن وعائلة وإنسان جمالي شجاع حوّل بلاده إلى فردوس.