الفيزيائيون ورثة المتصوفين

00:04 صباحا
قراءة دقيقتين

هل يمكن أن تكون بين المتصوفين القدامى وعلماء الفيزياء في العصر الحديث علاقة في جذور الرؤى؟ لكن مع الحيطة والحذر، فالفيزيائيون ليسوا تطوراً عمودياً للعرفاء. كبار الصوفية في العالم قلة. نعني الكبار في مستوى لاو تسو، محيي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي... فهؤلاء حتى حين تبلغ بهم المئة عدداً، يظلون أندر من الندرة في محيط مليارات البشر.
الصوفيون الكبار، الذين أبدعوا أعمالاً عبقرية رائدة، هم مزيج عجيب، هم فلاسفة يرفضون أن يقال لهم فلاسفة، لكنهم يحبون الحكمة، حتى وإن كانت الحكمة في اليونانية «صوفيا»، و«فيلو» المحب، فالفيلسوف محب الحكمة. هم فيزيائيون لا علم لهم بالفيزياء النظرية ولا التطبيقية، لكنهم اخترقوا مادة الكون، بمجاهر التجليات ومناظيرها، فشاهدوا أن المادة أصلها اللامادة. ألم يقل ستيفن هوكينج: «إن فيزياء المستقبل هي الميتافيزيقا»، أي ما بعد المادة، أي الماورائيات؟ في شهر، في سنة، اختر خمسة من كبار المتصوفة، انتق من شطحاتهم وتجلياتهم ما يتعلق بالكون، بالمادة، بالنور (أي الطاقة)، ستراك وكأنك أمام تأملات شعرية يخطها علماء فيزياء فلكية وفيزياء نووية.
في المقابل، لا يوجد فيزيائي كبير لا تومض في خلايا دماغه، وتشابكاتها العصبية، طاقة عرفانية. ما الذي كان يختلج في مهجة أينشتاين حين كان يبوح بعبارات تجيش ذوقاً صوفياً، مثل: «البعد الزمني اللانهائي»، أو «الجمال اللانهائي». لقد كان يبحث عن تصوّر علميّ للذات العليا. الفارق هو أنه يسطر عرفانه بالمعادلات الفيزيائية. صاحب نظرية النسبية جاء بمعادلة: «الطاقة تساوي حاصل ضرب الكتلة في مربّع سرعة الضوء». جلال الدين الرومي جاء بها في معادلة تفعيلات على بحر الرمل، يقول ما ترجمته: «ثمة شمس كامنة في هذه الذرة.. لا محالة ستفغر تلك الذرّة فاها...تغدو أجزاء الأرض ذرّة ذرّة.. عند تلك الشمس كأنما هبّت من كمين». هل ثمة وصف للطاقة النووية أظرف من هذا؟ البيتان من «المثنوي».
لا داعي إلى قول كل ما يريد القلم قوله في شأن كبار الصوفيين، في الحضارة الإسلامية، ابن عربي تحديداً، فالذين يعرفون هم يعلمون. لكن، يجب أن نحرر العقل العربي من التشدد، لأننا لو ضيّقنا الخناق على بنات المهج والأفكار، لرأينا أن نصف التراث الأدبي طار. ألا يكفي أن جلّ العرب يتوهمون أن ابن عربي، النفري، الجنيد... دراويش مشعوذون.
لزوم ما يلزم: النتيجة التمثيلية: المثل الخليجي طريف: «اللي ما يعرف الصقر يشويه».
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"