يتذكر الشعراء العرب بشكل خاص ومعهم النقّاد التصريح الصّاعق لمحمود درويش حين قال ذات يوم قبل رحيله بسنوات قليلة إنه كان يأمل لو امتلك الجرأة على حرق نصف شعره، وهي عبارة صادمة للنقاد تحديداً، وبخاصة أولئك الذين بنوا مجدهم النقدي على شعر درويش الذي كان يودّ حرقه. وتلك ليست صدمة فقط لنقاد الأدب العرب أو بعضهم، بل هي أيضاً فضيحة؛ إذ كيف كان يكتب هؤلاء النقّاد عن شعر لا يستحق كل تلك القراءات النقدية بدءاً من مصطلح شعراء المقاومة، وانتهاء بشعر العنتريات التي ما قتلت ذبابة على حدّ تعبير نزار قباني.
ليس ما أودّ الكتابة عنه الآن «فضيحة» بعض نقاد الأدب العرب، بل ما يحيل إليه تصريح درويش ذاك، وهو أن نثر الشاعر قد يكون أهم بكثير من شعره، وبالفعل، عند عودتك إلى شعر شاعر كبير مثل محمود درويش تجد بسهولة أن بعضاً أو ربما كثيراً من نثره أهمّ من شعره، وبخاصة ذلك الشعر الذي كان ينوي حرقه. كتب درويش مقالات نثرية عديدة حين كان يكتب في الصحافة في ثمانينات القرن العشرين تتفوّق في لمعانها الأدبي على شعره.. كتب نثراً رثائياً في رحيل صديقه إبراهيم أبو لغد مثلاً أفضل ممّا كتب شعراً رثائياً في ماجد أبو شرار، أما نزار قباني فإن شعره النسائي «البسكويتي»، من البسكويت، لا شيء أمام نثرياته التي كان يكتبها أيضاً في صحافة الثمانينات، وهي صحافة مجلّات سياسية بالدرجة الأولى مهاجرة إلى فرنسا وبريطانيا آنذاك، ولكنها استقطبت شعراء وروائيين كباراً مثل أدونيس، والطيّب صالح، لا بل يرى بعض الكتّاب أن امتداد شهرة صاحب «موسم الهجرة إلى الشمال» صنع بفعل نثره اللامع في صحافة المجلات السياسية الثمانينية مثل مجلة «المجلّة».
نثر أنسي الحاج أفضل بكثير من شعره، لا بل إن قصيدة النثر العربية لم تكن واقفة ومكرّسة إلى الآن إلاّ بفضل النثر الذي تقوم عليه، وتُكتب، أصلاً، من تكوينه البلاغي واللغوي.
نثر أحمد عبد المعطي حجازي في الفترة التي كان يكتب فيها في الصحافة الثقافية، وإن كان نثراً صحفياً، يظل أفضل من الكثير من شعره، ومحمد القيسي كان فيه ناثر رائع أكثر جمالاً من بعض شعره، ونثر الشاعرة سعاد الصباح مشحون بالشعر أصلاً، والكثير من كتاب قصيدة النثر العرب السبعينيين والثمانيين حين يكتبون مقالات نثر صحفية أو ذات طابع يومياتي أو سردي أو مذكراتي أو مشاهداتي كانوا يتألّقون في تلك الكتابة أكثر من حالاتهم الشعرية في قصيدة النثر.
لم يكتب عبد الوهاب البياتي بانتظام في الصحافة الثقافية، ولكن نثره حين يكتبه من وقت إلى آخر، مقابلاته الصحفية تحديداً، كان أحياناً، أجمل بكثير من شعره.
النثر أبو الشعر. هو مُربّيه، وعرّابه، ودليله.