منذ بداية الانهيارات الاقتصادية في اليونان، ظلت أثينا تطلق صرخات تفجّع وتوجّع، مطالبة ألمانيا بإعادة الثروات التي نهبها النازيون، ولم يعدها الألمان إلى اليونانيين قط . من بينها ذهب المصرف المركزي . يريدون المبالغ مع الفوائد المركبة طوال سبع وستين سنة . نحو من مئة وستين مليار يورو . وليس ذلك بالمنة، فالشاعر يقول: كالبحر يمطره السحاب . . وما له منّ عليه لأنه من مائه .
لم ينصرف ذهني إلى علة إحجام العرب عن مطالبة الدول الاستعمارية بتعويضات نجومية الأرقام، فبنو قومنا لم يفلحوا حتى في وقف الاستيطان شهراً يتمياً كبيضة الديك .
لكنني رثيت لحالنا ثقافياً، لأننا لم نعرف كيف نواجه الذين جحدوا أفضال حضاراتنا العريقة على اليونانيين والغرب . أخذت اليونان كل شيء ونسبته إلى نفسها، وساعدها الغرب على طمس الحقيقة، فصار المؤرخون الغربيون يقفزون من أثينا القديمة، وكأن لا حضارة قبلها ولا ثقاقة، إلى عصر النهضة، وكأن الحضارة العربية الإسلامية لم تر النور، ولم تكن تاج العصور . حتى إن أديباً فرنسياً كبيراً مثل بول فاليري قال، جاحداً أو جاهلاً: ثمة نحن واليونانيون . وكأن الحضارات الأخرى غثاء أو ثغاء .
حظ اليونانيين عاثر . فقبل الانهيار الاقتصادي، مني صرح تاريخهم بتداعي أركانه . ضربه زلزال مجموعة كتب صدرت في السنين الأخيرة، مفندة ما سمي بالمعجزة اليونانية، ومرجعة كل أمجادهم في الفلسفة والعلوم إلى قدماء المصريين والعراقيين والسوريين . العرب ممتثلون للمثل ما فات مات، أما الغرب فلا يخلو من أصوات تقول الحقيقة .
من بين مشاهير اليونان القدامى، نخبة كانت تجهر بالعرفان بالجميل: هيرودوت يعترف بأن اليونانيين أخذوا عن المصريين جل أسماء آلهتهم وطقوس الاحتفالات الدينية والهندسة . أرسطو يرى مصر المهد الحقيقي للعلوم والرياضة . أستاذه أفلاطون قضى ثلاث عشرة سنة يتتلمذ على أيدي الكهنة المصريين . طاليس، الحكيم الأول درس طويلاً في معابدهم الفلك والهندسة . ويفيدنا بلوتارك بأن أبقراط وطاليس كانا يمارسان التجارة في مصر لتغطية الإقامة من أجل الدراسة . التقويم أخذه اليونان عن المصريين والكلدانيين وحروف الأبجدية عن الكنعانيين (الفينيقيين) . طاليس نفسه كان كنعانياً . والطريف أن فيثاغورس عرض على طاليس أن يقبله تلميذاً، فأجابه طاليس: إن كل ما أعرفه تعلمته من كهنة مصر، فعليك بالأصل والمنهل . قضى فيثاغورس عقدين يتعلم في المعابد .
لم يخطئ ذلك البقال في الشارقة، الذي اختار اسم أفلاطون لمحله . فقد كان صاحب الجمهورية يبيع الزيت في مصر لتأمين دراسته .