ليست هذه المرة الأولى التي يسطو فيها لصوص محترفون على «اللوفر» في باريس، لكنها المرة الأولى التي تجري فيها سرقة أعمال فنية تاريخية تعود إلى القرن التاسع عشر، وفي وضح النهار، وبطريقة دراماتيكية سينمائية، فقد استأجر اللصوص شاحنة ذات رافعة سُلَّمية تتيح الوصول إلى شرفة الغرفة التي كان فيها تاج الأميرة أوجيني المرصع بالزمرد في «اللوفر»، وقبل ذلك، وبكل هدوء، نصبوا قوامع مرورية على الطريق، الأمر الذي يوحي بأنهم عمال يشتغلون لمعالجة طارئ مروري، وفي الحال، وبسرعة كان التاج الملكي في حوزة اللصوص.
شيء مثل السينما، على النقيض تماماً من سرقة «اللوفر» في عام 1911، وكان الهدف السطو على لوحة الموناليزا، وقد كانت سرقة اللوحة الأشهر في العالم مثيرة في حد ذاتها من حيث واقعتها، ومن حيث الشهرة التي تحيط، بالضرورة، بهذا اللص الذي استهوته سرقة «الموناليزا» بالذات.
عنصر المفاجأة أو الإثارة في سرقة «اللوفر» عام 1911 ليس موجوداً كما هو الحال في سرقة «اللوفر» 2025 ظهيرة الأحد الماضي في باريس، لا بل يكاد المشهد برمته أن يكون عادياً في العاصمة الفرنسية، عاصمة المتاحف، والكاتدرائيات التي هي في حد ذاتها أعمال فنية.
لم تسقط الحكومة أو تستقيل جراء سرقة تاج زوجة نابليون الثالث، واكتفت وزيرة الثقافة الفرنسية (من أصول عربية)، رشيدة داتي بالقول إن «اللوفر» سيفتح أبوابه كالمعتاد في اليوم التالي، لكن من المؤكد أن ما تحت الطاولة، ليس كما فوقها، ف «اللوفر» جزء ثقافي ووجداني وجمالي بالغ الأهمية في الذاكرة الفرنسية والأوروبية، واختراقه يقرأ على أنه اختراق أمني يطال الشخصية الثقافية للفرنسي الذي اعتاد على المتحف، ودلالاته الثقافية والمعنوية بالمستوى نفسه الذي اعتاد فيه على التاريخ الفرنسي ورموزه الفنية والثقافية.
وفي كل الأحوال، تشكل سرقة المتاحف والأعمال الفنية التاريخية بما في ذلك التراث من مجوهرات ومنحوتات وتحف ومشغولات يدوية عريقة ظاهرة معتادة ومكررة في أوروبا، وتعود سرقة المتاحف في الغرب إلى سبعينات القرن العشرين، أي في إحدى ذرى تلك الظاهرة التي تحولت أيضاً إلى أعمال سينمائية هوليوودية تحصد ملايين الدولارات عند عرضها في دور السينما، والتي تسمى سينما السطو، أو أفلام السطو.
ولكن ماذا يستفيد اللصوص من كل هذا السطو المنظم المحترف؟ فمن الصعب جداً التصرف ب «الموناليزا» وبيعها في السوق، أما تاج الإمبراطورة، فسيعود إلى مكانه في «اللوفر»، فما من صائغ أو تاجر مجوهرات لا يعرف التاج، ولا يعرف تاريخ وذاكرة «اللوفر» في بلاده.
نحن مرتاحون من هذه الناحية، فما حاجة لص ل «الموناليزا» أو للتاج؟