بورتريه شارع

04:17 صباحا
قراءة دقيقتين
يوسف أبولوز

هل تصاب الشوارع العريقة بالشيخوخة؟.. ورد هذا السؤال في أحد التقارير الصحفية التي تتحدث عن شارع المتنبي في بغداد.. شارع الكتب والذاكرة الثقافية العراقية التي تعود إلى نهاية الحقبة العبّاسية حيث كانت الولادة الأولى للشارع الذي لم يُصب بالشيخوخة إلى اليوم على الرغم مما طاله من تغيّرات، بل، وتفجيرات. ففي العام 2007 انفجرت سيارة مفخخة في الشارع وقتل في الحادث أكثر من 30 شخصاً، الأرجح أنهم باعة كتب، أو أنهم قرّاء بسطاء كانوا يطالعون عناوين الكتب القديمة والجديدة لحظة الانفجار.
حظي شارع المتنبي بالكثير من الكتابات والتحقيقات الصحفية سواءً من جانب صحفيين وكتّاب عراقيين، أو من جانب صحفيين زاروا الشارع حتى في ذروة الموت المتنّقل في العراق.
تقول ذاكرة الشارع إنه أخذ اسم المتنبي في العام 1932 في الفترة التي كان يحكم فيها الملك فيصل الأول، وفيه مطبعة، كما جاء في أحدى التحقيقات، تعود إلى القرن التاسع عشر، وفيه مكتبة عريقة تأسست في العام 1908، أما مقهى الشابندر الذي يقع في نهاية الشارع فقد تأسس في العام 1917.
علاوة على الكتب القديمة والنادرة في مكتبات شارع المتنبي هناك أيضاً مخطوطات نادرة، وهناك «مكتبجية» عراقيون قدامى تحصل منهم على العناوين المفقودة تماماً من المكتبات ودور النشر، وذلك يعود إلى أن هذا «المكتبجي» العراقي ليس مجرّد بائع كتب، فهو مثقف إن لم يكن كاتباً.. شاعراً أو روائياً والشارع بالنسبة إليه هو الملاذ والمأوى ومكان لقمة العيش.
لا يتعدى شارع المتنبي الكيلو متر ويسميه سمير السعيدي - هايد بارك بغداد - وفي مادة جميلة تعيد الذاكرة إلى الشارع العريق يقول السعيدي.. «.. سمّاه العباسيون «درب زاخا»، وهي مفردة أرامية الأصل. وسمّاه السلاجقة «شارع الموفقية»، نسبة إلى مدرسة الموفقية الكائنة فيه وقتها. بينما أطلق عليه العثمانيون اسم «الأكمكخانة»، أي شارع المخابز العسكرية لوجود تلك المخابز مقابل المعسكر التركي وقتئذ..».
في العام 1986 زرت العراق للمشاركة في مهرجان المربد.. المهرجان الشعري الأكثر شهرة بين التظاهرات الأدبية آنذاك، وكانت فرصة مؤاتية للبحث عن المجموعة القصصية «المملكة السوداء» للقاص العراقي محمد خضّير (1942)، وهو أحد أهم كتّاب القصة القصيرة ليس في العراق فقط، بل، وأيضاً في الوطن العربي، وكانت مجموعته القصصية «المملكة السوداء» قد صدرت في العام 1972، وشكّلت آنذاك، أي في السبعينات، بل وتشكّل حتى اليوم علامة قصصية فارقة وريادية في القصة القصيرة العربية، بل، ويرى البعض من نقّاد الأدب أنه يوازي في الأهمية القصصية يوسف إدريس.
هي مناسبة إذاً، في سياق الحديث عن شارع المتنبي في بغداد، أن تأخذنا الذاكرة إلى «المملكة السوداء».. وأن تأخذ كاتب هذه السطور الذاكرة إلى ذلك «المكتبجي» العراقي الطيب الذي بحث عن الكتاب يومين ولم يجده، لأعود إلى الإمارات، وقد أخذ عنواني البريدي، وبعد ثلاثة شهور تسلمت من البريد طرداً من بغداد فيه قصص محمد خضّير.. ورسالة رقيقة من ذلك «المكتبجي» الذي كان يجلس وقت الضّحى أمام محل كتبه في شارع المتنبي ويقرأ شيئاً ما في ذلك الضّحى البغدادي البعيد.
شوارع مثل هذا الشارع البغدادي، وفيه مكتبجية طيّبو القلب.. من الصعب أن تشيَبْ.

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"