جاء في سيرة فريدريكو غارثيا لوركا أنه زار أمريكا، وذلك بين عامي 1929 و1930، وبعد رحلته تلك كتب مجموعته «شاعر في نيويورك»، ولم تكن زيارته طويلة، فقد أمضى بين مانهاتن ونيويورك تسعة شهور فقط، ثم عاد إلى الأندلس...
إلى حد كبير يشبه أرشيف الصور أرشيف التاريخ، لا بل تتحول الصورة إلى وثيقة إذا كانت على درجة أهمية كبيرة من حيث تدوين التاريخ، ومن أجمل العادات الوجدانية احتفاظ الناس بصورهم في ألبومات جميلة بعضها من الجلد وبعضها من القماش النفيس، أما الصور العائلية المعلّقة، فهي تاريخ متدرّج على الحيطان والجدران، والصورة الحميمة من الصعب أن تسقط من الإطار، ومن الذاكرة، والصور العزيزة هي تلك التي تروي حكايات ولكن بلغة بصرية هي أحياناً، أكثر حرارة، من اللغة الأبجدية. وفي أرشيفي صورة هي حكاية، ففي ظهيرة أحد شهور عام 2009، وكان ذلك وقت شتاء في دبي كنت والصديق الرسام حسن شريف، والصديق الرسام محمد كاظم في زيارة لغاليري 1×1 في دبي ويعود للسيدة ماليني جلرجاني، حين توقفت أمام الجاليري سيارة «فيراري»، وهبط منها رجل مائل الى النحافة أو الرشاقة بقامته الطويلة وشعره الابيض، وقد تفاجأت أو حتى بهتت حين رأيت الرجل حافي القدمين، وهو يترجل من ال «فيراري»، ويصافحنا في طريقنا الى داخل الغاليري، حيث استقبلته السيدة ماليني جلرجاني وهي سيدة هندية محترمة، بسيطة وعفوية في ابتسامتها وفي أناقتها، وعلى درجة عالية من الثقافة في حقل الفنون وتاريخها القديم والحديث، وأسّست في دبي غاليري 1×1، وفي ذلك اليوم كنت محظوظاً بمصادفة اعتبرتها ليست عادية كما يقولون، ذلك أن الرجل حافي القدمين، الذي صافحته قبل قليل، وقبضت على يده النحيلة القوية كان الرسام الهندي الشهير م. ف. حسين. لم يمكث الرسام العالمي طويلاً، وأذكر أنه كان قليل الكلام، لكنني حين تعرفت اليه عن قرب، عرفت أنه يتوجب عليّ أن أصغي لكل كلمة ينطقها هذا الرجل الذي يرفض أن يرتدي حذاء طوال حياته، وحينها، كان يدور حديث ثنائي بين الفنان العالمي الإماراتي حسن شريف، وبين الفنان العالمي الهندي حسين، وإن كنت قد أسفت أو ندمت على لحظة صحفية بالغة الأهمية في حياتي المهنية، فهي تلك اللحظة في ذلك اليوم، حيث لم أسجل وقائع ذلك اللقاء بين الفنانين، واكتفيت بالإصغاء، لأقرأ بعدها بعضاً من شعري أمام تلك السيدة وأمام حسن شريف ومحمد كاظم في ذلك الغاليري المهم. لم يكن لديّ ما هو مكتوب في ذلك اللقاء، ولكن لديّ الصورة، تلك الصورة الوثيقة من حيث أهمية الأشخاص الذين يقفون بها، وإذا أردت منها أن الصورة تلك تروي تلك الحكاية، حكاية فنان مليونير، عفويّ الابتسامة، أنيق هو الآخر، حتى لو لم يكن يرتدي حذاءً.
استفاد من مبادرة «تحدّي القراءة العربي» التي انطلقت من دبي في عام 2015، ملايين طلاب المدارس العربية، وبخاصّة في المراحل التعليمية التأسيسية، وسوف نقرأ هذه الاستفادة بعد مرور عقد من الزمن على تبلورها المعرفي والثقافي في الإمارات من زوايا عدّة، أولاها وأهمّها أن تحدّي القراءة العربي هي في صميمها مبادرة ثقافية جوهرها القراءة وتكريس ثقافة القراءة وتحويل العلاقة اليومية مع الكتاب إلى سلوك، وتربية، وممارسة، وهو ما تحقق في السنوات العشر الماضية بكل مُعاينة ميدانية وموضوعية. وفي السياق، تجدر الإشارة إلى مسألة زمنية يجري تداولها عادة في الأدبيات الثقافية العربية وهي «الأجيال». إذا كانت الأجيال تنسب عادة إلى العقود من السنوات (10 سنوات)، فإن العقد الزمني العربي الماضي هو بامتياز عقد الجيل العربي القارئ منذ 2015، وإلى اليوم. جيل عربي قارئ تأسس، وتكوّن، وتحدّدت شخصيته الثقافية تماماً من خلال إقبال الملايين من الطلبة العرب على «تحدّي القراءة العربي». إن من بدأ مع هذه المبادرة قبل 10 سنوات وكان في الخامسة عشرة، هو اليوم في الخامسة والعشرين، أي أنه اجتاز مرحلة الثانوية، واجتاز الدراسة الجامعية أو أنه في أواخرها أو ما زال في الدراسات العليا، والبعض من هذا الجيل دخل سوق العمل والإبداع والإنتاج والاستثمار، وفي كل الأحوال، خلفية هذا الجيل ثقافية محورها القراءة. تلك النقطة نأمل أن لا تغيب عن قراءة كل من تابع مبادرة «تحدي القراءة العربي»، أي أننا اليوم نتعامل ثقافياً، واقتصادياً، وإدارياً مع شباب وشابات في الإمارات، وفي الوطن العربي يقرأون باللغة العربية، وبالطبع، يقرأون بلغات عالمية حيّة لا غنى عنها، كما أن العالم أيضاً أو شباب العالم لا غِنَى لهم عن اللغة العربية. قراءتي الثانية في ظاهرة «تحدي القراءة العربي» تتصل هذه المرة باللغة العربية نفسها، لغتنا، ولغة هويتنا، ولغة تاريخنا العربي المشترك وآدابه المشتركة، أي أن ظاهرة القراءة هي تعزيز عربي مشترك للغة التي كثيراً ما نبحث عن مشاريع ومبادرات تحميها من مفاهيم متداولة ذات طابع «تهديدي»، إن جازت العبارة، للغة العربية مثل: العولمة، والحداثة، وهجرة العقول العربية التي تنجز مشروعاتها الأدبية والعلمية، عادةً، بلغات غير العربية. «تحدّي القراءة العربي» ليست مبادرة ثقافية فقط أطلقتها الإمارات من دبي، بل هي أيضاً وفي شكل من أشكالها المعرفية مبادرة اقتصادية تتصل بمفهوم الاستثمار في الأجيال ذات الهوية المتماسكة، وسوف يقرأ مفهوم «التماسك» هنا على أنه مفهوم ثقافي يتصل باللغة. [email protected]
في الرواية الوحيدة للشاعر التركي ناظمت حكمت وهي بعنوان «الدم لا يتكلم» تتابع شخصيتين شعبيتين، هما قوام الرواية إضافة إلى أبطالها الآخرين: الأستاذ جمال، اليساري المثقف قارئ الكتب، والأُسطى نوري، الإنسان البسيط الذي ينمو وعيه الثقافي والإنساني في بيئة اجتماعية قليلة القرّاء، لا بل، أغلب هذه البيئة من الأميّين، وهم أمّيو الكتابة والقراءة، وليسوا أمّيّي الذوق البشري والطيبة والخلق الإنساني الجميل. في الرواية نقرأ هذا المقطع حول القراءة.. بل حول القراءة والوقت والجوع.. تلك الفلسفة الشعبية التي يضعها عادة ذلك العقل الشعبي الأُمّي: «ليس أن تقرأ كلما وجدت وقت فراغ من العمل، ولكن عليك أن تعمل كلّما وجدت فراغاً من القراءة، لماذا تضحك؟.. لعلّك تحدّث نفسك قائلاً: ماذا سنأكل، إذاً، أنا، وأمّي؟. هذا صواب، وإذا كان حق خيول المسابقات أن يجري إعدادها طوال ثلاثمئة وأربعة وثلاثين يوماً من أجل يوم واحد هو يوم السباق لتنطلق فيه بأقصى سرعة، فهكذا، أيضاً القراءة بأقصى سرعة». وفي مكان آخر من الرواية نقرأ هذا الحوار بين الأُسطى وأستاذه: (حسناً يا أستاذي، ولكن أَلَسْتَ القائل: اقرأ الكتب. ارتبط بالكتب. إن ما بعقلي أياً ما كان.. أَلَمْ أتعلمه منك؟، ألم أتعلم من الكتب؟). أذكر، حين عدت ظهيرة ذات يوم حين كنت في الصف الرابع الابتدائي إلى بيتنا، وقد تسلمت الكتب لذلك العام الدراسي، وقد عاد أبي من كسّارة الحجارة في المساء، فأخذ رحمة الله عليه يتأمل كتبي المدرسية الجديدة، وقد عَلَتْ وجهه ابتسامة أبوية فخورة، وبعد دقائق من تصفحه الكتب هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، قال: إنني أرى كتبك هذا العام وقد خَلَت من الرسوم ومن الصور؟.. قلت له نعم، تكون صور الكتب عادة للصف الأول والثاني، ابتسم والدي مرة ثانية، وعاد إلى تقليب الصفحات. لا أنسى ما حييت ذلك الموقف الذي فهمت منه أن أبي قد عرف أن الكتب حين تخلو من الصور، فمعنى ذلك أن ابنه أصبح قارئاً.. لقد كبر ابنه أمام عينيه، وبوسعه الآن أن يقرأ لنفسه ولأبيه ولأمّه، لقد كانت القراءة بعد ذلك الصف الثالث الابتدائي دخولاً إلى نوع من الرجولة، فها قد كبر الولد، وصار يقرأ.. في بعض القرى، أيضاً، كنّا نسمع عن ولائم يقيمها المختار لأبناء القرية الذين يختمون القرآن، كانت تسمى (الختمة)، ويعني ذلك، ضمنياً، أن هؤلاء الأولاد، أصبحوا رجالاً.. ويمكن الاعتماد عليهم في فك الحرف. كان أبي يفك الحرف، ولكن ببطء وشغف، وحين كان يكتب اسمه (احمد) بقلم الرصاص، كان يركزّ ويبتسم، ولقد تعلّمتُ من أبي الأُمّي أكثر مما تعلّمت من الكتب. [email protected]
أكثر من فعالية ثقافية منتظمة تقيمها دائرة الثقافة في القاهرة ونواكشوط وعمّان، والخرطوم (قبل الأحداث)، والقيروان، والدار البيضاء:.. مهرجان الشعر أو القراءات الشعرية التي
.. يبدو أنها قدرية تاريخية تلك التي تتعلق بالشعر والشعراء من باب العائلة أو الجينات أو الوراثة، فعند العرب متنبي واحد، ولو كانت كل عائلته شعراء، وفي الهند طاغور واحد،
أكثر من مرّة كتبت عمّا يُسَمّى «مسرح العيد»، ولا ندري إن كانت هذه التسمية واقعية أم كانت مجازية، كما لا نستطيع الجزم إن كان «مسرح العيد» حالة فنية ثقافية أم هي فعلاً
ستّ جهات ثقافية نشرية من الشارقة شاركت بحيوية مؤسساتية في الدورة ال 50 لمعرض لندن الدولي للكتاب في الفترة من 18 إلى 20 إبريل الجاري، والفترة نظرياً قصيرة ومحدّدة، لكن
الورقة الفارغة أمام الكاتب حقل غير مزروع.. * * * الورقة جِلدُ الكتابة.. * * * إنها رِقّ صامت تلك الورقة المبسوطة أمام الكاتب قبل الكتابة. صمت يستدرج أيضاً صمت الكاتب الذي
غداً، أو بعد غد، عيد الفطر المبارك، وكل عام وأنتم بخير، وكالعادة، سيردد الكثير من قارئي أبي الطيب المتنبي بيته الشهير في مطلع هجائه لكافور الإخشيدي: عيد بأيةِ حالٍ عدت يا