عدنان أحمد يوسف*
دخلت منطقتنا مرحلة شديدة الحساسية والخطر مع تصاعد حدة المواجهات المباشرة أو غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، حيث تتعرض دولنا لاعتداءات آثمة تستهدف المركز الخدمية والبيوت الآمنة. ومهما كانت طبيعة هذه المواجهة أو حدودها العسكرية، فإن المؤكد أن آثارها الاقتصادية باتت تطول دول المنطقة بأكملها، وفي مقدمتها دول الخليج العربي التي تقف جغرافياً واقتصادياً في قلب المعادلة.
فدول الخليج العربي هي أحد أهم الأعصاب الحيوية للاقتصاد العالمي. فهي تحتضن أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، وتشكل ممراً رئيسياً للطاقة والتجارة الدولية، خصوصاً عبر مضيق هرمز الذي يمر من خلاله ما يقارب ثلث تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم. ولذلك فإن أي اضطراب أمني في هذه المنطقة سيترجم فوراً إلى اضطراب اقتصادي واسع النطاق.
أول المخاطر الاقتصادية يتمثل في تهديد حركة الملاحة البحرية في الخليج العربي ومضيق هرمز. ففي حال توسع المواجهة العسكرية أو استهداف البنية التحتية النفطية أو السفن التجارية، قد تتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات خطِرة. وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع كبير في كلف الشحن والتأمين البحري، الأمر الذي سينعكس مباشرة على كلف الواردات في دول الخليج التي تعتمد بدرجات متفاوتة على الاستيراد في الغذاء والسلع الاستهلاكية.
أما الخطر الثاني فيتعلق بأسواق الطاقة نفسها. صحيح أن الحروب عادة ما ترفع أسعار النفط على المدى القصير وهو ما نشهده حالياً، وهو ما قد يحقق عوائد إضافية للدول المصدرة، لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن التقلبات الحادة في أسعار الطاقة تخلق حالة من عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، كما أن إغلاق منافذ التصدير يؤدي إلى خفض الإنتاج والتصدير. وإذا ما أدت الحرب إلى ركود اقتصادي عالمي أو تباطؤ حاد في التجارة الدولية، فإن الطلب على النفط قد يتراجع لاحقاً، ما ينعكس سلباً على إيرادات الدول الخليجية.
الخطر الثالث يتمثل في تأثير الحرب على الاستثمارات والتدفقات المالية. فالمنطقة الخليجية نجحت خلال العقود الماضية في بناء سمعة دولية كمركز للاستقرار المالي والاستثماري، واستقطبت رؤوس أموال ضخمة في قطاعات المصارف والطاقة والسياحة والعقارات والخدمات اللوجستية. غير أن أي تصعيد عسكري واسع في المنطقة قد يدفع بعض المستثمرين إلى تبني سياسات أكثر تحفظاً، ما قد يؤدي إلى تأجيل الاستثمارات أو خروج بعض رؤوس الأموال قصيرة الأجل.
كذلك لا يمكن تجاهل التأثير المحتمل على قطاع النقل والسياحة والطيران. فالحروب الإقليمية عادة ما تؤدي إلى إغلاق أو تقييد بعض المسارات الجوية والبحرية، وهو ما يرفع كلف النقل ويقلل من حركة السفر والسياحة. وبالنظر إلى الدور المتنامي الذي تلعبه هذه القطاعات في تنويع اقتصادات الخليج، فإن أي اضطراب فيها قد ينعكس على معدلات النمو وفرص العمل.
وفي مواجهة هذه المخاطر، تبرز أهمية الخطوات الاستباقية التي اتخذتها الحكومات الخليجية خلال السنوات الماضية لتعزيز مناعة اقتصاداتها في مواجهة الأزمات. فقد عملت دول الخليج العربي على بناء احتياطيات مالية كبيرة وصناديق سيادية ضخمة تمثل اليوم إحدى أهم أدوات الاستقرار الاقتصادي في المنطقة. كما استثمرت بشكل واسع في تطوير البنية التحتية للموانئ والمطارات وسلاسل الإمداد، ما عزز قدرتها على التعامل مع الاضطرابات في حركة التجارة العالمية.
كذلك اتخذت الحكومات الخليجية خطوات مهمة لتعزيز الأمن الغذائي من خلال تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزونات استراتيجية من السلع الأساسية، إضافة إلى الاستثمار في مشاريع زراعية خارجية وتطوير الصناعات الغذائية المحلية. وقد أثبتت هذه السياسات فاعليتها خلال أزمات سابقة مثل جائحة كورونا، حين تمكنت دول الخليج من الحفاظ على استقرار الأسواق وتوفير السلع الأساسية دون اضطرابات كبيرة.
ولا يقل أهمية عن ذلك الدور الحيوي الذي يلعبه القطاع المصرفي الخليجي، الذي يتمتع بدرجة عالية من الرسملة والملاءة المالية والرقابة التنظيمية. فقد أثبتت البنوك الخليجية خلال الأزمات السابقة قدرتها على دعم الاقتصاد الوطني، وتوفير السيولة للقطاع الخاص، والمساهمة في الحفاظ على الاستقرار المالي والاجتماعي.
كما أن التنسيق المستمر بين الحكومات الخليجية في مجالات الطاقة والتجارة والأمن الاقتصادي يمثل عاملاً مهماً في تعزيز قدرة المنطقة على مواجهة التحديات الإقليمية. فالتجربة أثبتت أن العمل الجماعي والتكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي يرفع من مستوى المرونة الاقتصادية ويحد من آثار الصدمات الخارجية.
إن التحديات التي تفرضها الحروب والصراعات في المنطقة تذكرنا بحقيقة أساسية: أن الأمن الاقتصادي لا ينفصل عن الأمن السياسي والاستراتيجي. فكلما كانت دول الخليج أكثر تنسيقاً وتكاملاً في سياساتها، كانت أكثر قدرة على حماية مصالحها الحيوية في عالم يتسم بقدر متزايد من الاضطراب.
وفي زمن الأزمات، تتجلى قيمة الحكمة السياسية والعمل الجماعي. فالتكاتف الخليجي، وتعزيز روح التضامن والتنسيق بين الدول، يظل السبيل الأمثل لحماية الاستقرار الاقتصادي وصون مصالح الشعوب وضمان مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً لدولنا بأسرها.
حفظ الله أوطاننا ومجتمعاتنا وشعوبنا في خير وأمان.
* الرئيس السابق لاتحاد المصارف العربية
في عام 2025 شهد الاقتصاد العربي أداءً متبايناً بين الدول والمؤسسات الاقتصادية، لكن بالإجمال يمكن القول: إنه عام نمو واستقرار نسبي وسط بيئة دولية معقدة، وفي ظل تحديات داخلية متعددة، فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي العربي إلى نحو 3.8 تريليون دولار، مع توقعات بنمو أكبر في العام المقبل، مما يعكس تحسن بعض المتغيرات الاقتصادية الأساسية رغم المخاطر المحيطة.
اقتصادياً، أثبت الاقتصاد العربي قدرته على المرونة النسبية في ظل تباطؤ أسعار النفط العالمية، واستمرار الصراعات في بعض المناطق، وارتفاع كلفة التمويل عالمياً، وقد ساعد تحسن أداء بعض الاقتصادات الكبرى في المنطقة، والإصلاحات الهيكلية التي نفذتها حكومات، على دعم التعافي النسبي للنمو، ويتضح هذا من تقديرات الصندوق والمؤسسات الاقتصادية التي تشير إلى تحسن في مؤشرات النمو مع استمرار انخفاض البطالة تدريجياً.
على مستوى المالية العامة، شهد عام 2025 تبايناً واضحاً بين الدول، ففي حين واصلت بعض الدول إدارة عجزها بصورة منضبطة، بقي الدَين الحكومي يمثل تحدياً ملموساً، حيث ارتفعت نسبته مجتمعة إلى نحو 46.2% من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقعات بارتفاع خفيف إلى أكثر من 47% في 2026، كما ارتفع الدين الخارجي إلى نحو 54.6% من الناتج، ما يعكس الحاجة إلى سياسات مالية أكثر صرامة في بعض الاقتصادات، وفي المقابل، منح الاحتياطي الأجنبي الذي بلغ نحو 1.2 تريليون دولار الدول هامش أمان مهماً لتغطية واردات السلع والخدمات لمدة تقارب 5.6 شهر، مع توقع زيادة هذه التغطية في 2026. ومن أبرز ما يميز أداء عام 2025 هو تعدد مصادر النمو الاقتصادي بعيداً عن النفط في العديد من الدول العربية، وهو توجه مهم للمستقبل.
أسهمت القطاعات غير النفطية بشكل متزايد في النشاط الاقتصادي، مستفيدة من تنامي التجارة، الخدمات، السياحة، والصناعات التحويلية، وقد انعكس ذلك في تحسين فرص العمل في هذه القطاعات، مما أسهم في تقلص معدل البطالة إلى نحو 9.4% في المنطقة، مع توقع استمرار هذا التراجع إلى نحو 9.2% في 2026. إلا أن الأداء لم يكن موحداً، إذ أثرت الاضطرابات السياسية والمواجهات العسكرية في دول مثل السودان، اليمن، سوريا، لبنان وليبيا على أوضاعها الاقتصادية بشكل حاد، في هذه الدول أدت الصراعات إلى انكماش النشاط الاقتصادي، تراجع الاستثمار، تدهور البنية التحتية، وتراجع مستويات المعيشة، مما أسهم في توسيع الفوارق بين الاقتصادات العربية، كما زادت هذه الاضطرابات من حالة عدم اليقين لدى المستثمرين، مما حدّ من تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى بعض الأسواق.
في القطاع المصرفي العربي، استمر الأداء في 2025 بدعم من احتياطيات قوية وسيولة جيدة في أغلبية الأسواق، وارتفع الائتمان الممنوح للقطاع الخاص في العديد من الدول، ما أسهم في دعم النشاط الاقتصادي. ومع ذلك، كانت هناك تحديات مرتبطة بارتفاع كُلفة التمويل بسبب السياسات النقدية العالمية المشددة، مما أثر في القدرة الاستهلاكية والاستثمارية في بعض الأسواق. وعند النظر إلى توقعات عام 2026، فإن الأرقام تبعث على التفاؤل بحذر: من المتوقع أن يرتفع الناتج المحلي الإجمالي العربي إلى نحو 4 تريليونات دولار بزيادة بنحو 5.6% مقارنة بعام 2025، مستفيداً من النمو المتوقع في 19 دولة عربية، من بينها 8 اقتصادات نفطية تسهم بأكثر من 70% من الناتج العربي الإجمالي، ويعكس هذا التفاؤل تحسناً نسبياً في بيئة الأعمال، وتوسعاً في الصادرات، وارتفاعاً في قيمة الخدمات.
في ظل هذه التوقعات، تبرز أهمية اعتماد سياسات اقتصادية رشيدة خلال 2026 تركز على: تسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية التي تعزز الإنتاجية والنمو في القطاعات غير النفطية، تعزيز الاستقرار المالي من خلال تقليل الاعتماد على الديون وتشجيع الادخار والاستثمار المستدام، دعم السياسات النقدية المرنة التي توازن بين التحكم في التضخم وتحفيز النمو، وأخيراً، تحسين بيئة الأعمال لجذب مزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر، خصوصاً في التكنولوجيا، الطاقة النظيفة، والبنية التحتية الذكية.
خلاصة القول: إن الاقتصاد العربي في 2025 أثبت قدرة على التعافي النسبي، لكنه لا يزال يواجه تحديات هيكلية وجيوسياسية جوهرية، أما عام 2026 فيمثل فرصة لتسريع التحول نحو نماذج اقتصادية أكثر تنوعاً، استدامةً، وقدرة على خلق فرص عمل حقيقية وتحسين مستويات المعيشة في المجتمعات العربية.
* الرئيس السابق لاتحاد المصارف العربية

تناولنا في أكثر من مناسبة سابقة مسألة التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي ودورهما في إعادة تشكيل الاقتصادات الخليجية، غير أن تطورات المرحلة الراهنة، وما يرافقها من تحديات مالية واقتصادية وجيوسياسية، تجعل من الضروري العودة إلى هذا الملف مجدداً، ليس من باب التكرار، بل من زاوية تعاظم أهميته كأحد أعمدة التنويع الاقتصادي واستدامة النمو في دول مجلس التعاون الخليجي.
تشير تقارير البنك الدولي إلى أن الاقتصادات الخليجية أحرزت تقدماً ملموساً في مجال التحول الرقمي خلال السنوات الأخيرة، مستفيدة من الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية التكنولوجية، ولاسيما شبكات الاتصالات المتقدمة ومراكز البيانات والحوسبة السحابية. وتُظهر البيانات أن تغطية شبكات الجيل الخامس في عدد من دول الخليج العربي تجاوزت 90% من المناطق الحضرية، وهي من أعلى النسب عالمياً، ما أتاح بيئة ملائمة لتبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية المتقدمة في مختلف القطاعات الاقتصادية.
هذا التقدم الرقمي لم يكن هدفاً تقنياً بحتاً، بل جاء ضمن رؤية أوسع تستهدف تقليص الاعتماد الهيكلي على النفط، وفتح آفاق جديدة للنمو في قطاعات غير تقليدية مثل الاقتصاد الرقمي، والخدمات المالية الذكية، والتجارة الإلكترونية، والصناعات المعرفية. وتؤكد تقارير البنك الدولي أن التحول الرقمي بات يشكّل أحد المحركات الأساسية للنمو غير النفطي في الخليج، خصوصاً في ظل تقلب أسعار الطاقة وعدم اليقين في الأسواق العالمية.
أما الذكاء الاصطناعي، فيُنظر إليه اليوم بوصفه رافعة نوعية للتنويع الاقتصادي، وليس مجرد أداة لتحسين الكفاءة التشغيلية. فدول مثل السعودية والإمارات والبحرين تبنّت استراتيجيات وطنية واضحة للذكاء الاصطناعي، ووجهت استثمارات كبيرة نحو دعم الشركات الناشئة، وتطوير حلول ذكية في مجالات الصحة والتعليم والنقل والخدمات الحكومية. وتشير تقديرات مؤسسات بحثية دولية إلى أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تضيف ما بين 1.5% و3% إلى الناتج المحلي غير النفطي لدول الخليج العربي على المدى المتوسط، وهو أثر اقتصادي بالغ الأهمية إذا ما قورن بمعدلات النمو التقليدية.
وتُظهر المؤشرات الاقتصادية أن مساهمة القطاعات الرقمية في الناتج المحلي الإجمالي الخليجي آخذة في الارتفاع، بالتوازي مع تحسن بيئة الأعمال الرقمية وزيادة الإنفاق على الابتكار والتكنولوجيا. كما أن التحول الرقمي أسهم في تعزيز إنتاجية القطاعين العام والخاص، وخفض كلف المعاملات، ورفع كفاءة الخدمات، ما انعكس إيجاباً على مناخ الاستثمار وجاذبية الاقتصادات الخليجية لرؤوس الأموال الأجنبية.
إلى جانب ذلك، يبرز بُعد اجتماعي واقتصادي مهم يتمثل في تنمية رأس المال البشري. فالتقارير الدولية تشير إلى تحسن مشاركة الكفاءات الوطنية، بما في ذلك النساء، في مجالات التكنولوجيا والعلوم والهندسة والرياضيات، وهي قطاعات تمثل العمود الفقري لاقتصاد الذكاء الاصطناعي. غير أن هذا التقدم لايخلو من تحديات، إذ ما تزال فجوة المهارات الرقمية تشكّل عائقاً نسبياً أمام تعميم الاستفادة من التحول الرقمي، الأمر الذي يستدعي سياسات تعليمية وتدريبية أكثر تكاملاً واستدامة.
وفي ختام هذا المقال، يبقى التأكيد على أن حجر الزاوية الحقيقي في مسار التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي ليس التكنولوجيا بحد ذاتها، بل الإنسان. فمهما بلغت الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية، ومهما تطورت الأنظمة والمنصات الذكية، فإن فاعليتها الاقتصادية تظل مرهونة بقدرة الإنسان على توظيفها، وتطويرها، وتحويلها إلى قيمة مضافة حقيقية داخل الاقتصاد.
إن الاستثمار في الإنسان الخليجي، عبر التعليم النوعي، وبناء المهارات الرقمية المتقدمة، وتعزيز ثقافة الابتكار والتفكير النقدي، يمثل الشرط الأساسي لنجاح التحول الرقمي واستدامته. فاقتصاد المعرفة لا يقوم على الأجهزة والخوارزميات وحدها، بل على رأس مال بشري قادر على التكيّف مع التغيرات المتسارعة، واستيعاب التقنيات الجديدة، وتطويعها لخدمة الأولويات التنموية الوطنية. ومن دون هذا الاستثمار، قد يتحول التحول الرقمي إلى مجرد استيراد للتكنولوجيا بدل أن يكون مساراً لبناء قدرات ذاتية.
كما أن تمكين الكفاءات الوطنية، ودعم مشاركة الشباب والنساء في القطاعات التقنية، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل الرقمي، يشكّل الضمانة الحقيقية لأن يكون الذكاء الاصطناعي أداة للتنويع الاقتصادي لا عاملاً لإعادة إنتاج الاختلالات القائمة. وعليه، فإن الرهان على الإنسان الخليجي ليس خياراً اجتماعياً فحسب، بل هو قرار اقتصادي استراتيجي يحدد قدرة دول الخليج على الانتقال من اقتصاد يعتمد على الموارد إلى اقتصاد يقوده الابتكار والمعرفة في المدى الطويل.
* الرئيس السابق لاتحاد المصارف العربية
عدنان أحمد يوسف *
في إطار تقليدنا السنوي في تقييم الأداء الاقتصادي واستشراف الآفاق المقبلة، نبدأ باستعراض أداء الاقتصاد الخليجي في عام 2025 وتوقعاتنا له للعام 2026.
يبرز الاقتصاد الخليجي كنموذج لاقتصاد استطاع الحفاظ على قدرٍ عالٍ من التماسك والاستقرار، رغم بيئة عالمية اتسمت بتباطؤ النمو، وتقلبات أسعار الطاقة، وتشديد ثم إرخاء السياسات النقدية الدولية. وقد شكّل العام 2025 مرحلة توازن دقيقة بين إدارة العوائد النفطية من جهة، وتسريع التحول نحو اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة من جهة أخرى.
اقتصادياً، حققت دول مجلس التعاون الخليجي معدل نمو تراوح في المتوسط بين 3.5% و4% خلال 2025، مدفوعاً بتحسن نسبي في إنتاج النفط والغاز، وباستمرار زخم الأنشطة غير النفطية. وبلغ الناتج المحلي الإجمالي المجمع لدول الخليج نحو 2.2 تريليون دولار. وعلى مستوى المالية العامة، استفادت الموازنات الخليجية من متوسط أسعار نفط تراوح بين 60 - 70 دولاراً للبرميل خلال العام، ما مكّن عدداً من الدول من تحقيق فوائض مالية محدودة، فيما سجلت دول أخرى عجزاً في ميزانياتها.
وتشير التقديرات إلى أن الفائض أو العجز المالي لدول المجلس مجتمعة بقي ضمن نطاق ±2% من الناتج المحلي الإجمالي، مع مستويات دين عام منخفضة نسبياً تقل في المتوسط عن 35% من الناتج في معظم دول المجلس. وفي هذا السياق، تبرز جهود البحرين، وبالرغم من زيادة العجز المالي لديها، بهدف ضبط العجز وتحسين كفاءة الإنفاق، مع الحفاظ على الإنفاق الاجتماعي والاستثماري كعنصر داعم للاستقرار.
أما مسار تنويع الاقتصاد، فقد مثّل أحد أبرز إنجازات 2025. فقد ارتفعت مساهمة القطاعات غير النفطية لتتجاوز 60% من الناتج المحلي الإجمالي في عدد من دول الخليج، مدفوعة بنمو قوي في قطاعات السياحة، والصناعة التحويلية، والخدمات اللوجستية، والتجارة، والاقتصاد الرقمي. وفي السعودية والإمارات، شكّلت الأنشطة غير النفطية المحرك الرئيسي للنمو، فيما عززت البحرين موقعها كمركز إقليمي للخدمات المالية والتكنولوجيا المالية والصناعات الخفيفة، مستفيدة من بيئة تشريعية مرنة وكفاءات بشرية تنافسية، رغم محدودية مواردها النفطية مقارنة ببقية دول المجلس.
التقدم المعرفي والتكنولوجي واصل لعب دور محوري في دعم النمو الخليجي، مع توسع الاستثمارات في التحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والطاقة المتجددة. وقد انعكس ذلك في تحسن إنتاجية القطاعات الخدمية، ورفع كفاءة الحكومات، وتحسين بيئة الأعمال، وهو ما سجلت فيه البحرين حضوراً متقدماً، خصوصاً في الخدمات الحكومية الرقمية والتكنولوجيا المالية.
القطاع المصرفي الخليجي واصل بدوره تسجيل أداء قوي في 2025، حيث قُدّر إجمالي موجودات البنوك الخليجية بأكثر من 3.7 تريليون دولار، مع استمرار نمو الائتمان الموجه للقطاع الخاص بمعدلات تراوح بين 5% و7%. كما سجلت البنوك مستويات مرتفعة من كفاية رأس المال والسيولة، وحققت أرباحاً جيدة مدعومة ببيئة أسعار فائدة مرتفعة نسبياً. وفي البحرين، حافظ القطاع المصرفي على متانته، مع تنوع قاعدة البنوك التقليدية والإسلامية، وحضور إقليمي ودولي عزز من مكانة المملكة كمركز مالي راسخ.
وبالانتقال إلى عام 2026، تشير التوقعات إلى نمو اقتصادي خليجي يتراوح بين 4% و4.5%، مدعوماً باستمرار توسع الأنشطة غير النفطية، وتحسن نسبي في الطلب العالمي على الطاقة. وتشير معظم التقديرات إلى أن متوسط سعر النفط في 2026 قد يتراوح بين 60 – 70 دولارًا للبرميل، لاستمرار تعرضه لضغوط البيئة الاقتصادية العالمية.
وفي هذا السياق، نرى أهمية التركيز في 2026 على ثلاث سياسات أساسية: أولاً، تعميق التنويع الاقتصادي عبر دعم الصناعات ذات القيمة المضافة والاقتصاد المعرفي، ثانياً، تعزيز الاستدامة المالية من خلال تحسين كفاءة الإنفاق وتوسيع القاعدة الضريبية غير المباشرة دون الإضرار بالنمو، وثالثاً، الاستثمار المكثف في رأس المال البشري والتكنولوجيا، بما يضمن تحويل النمو الاقتصادي إلى مكاسب اجتماعية مستدامة.
* رئيس اتحاد المصارف العربية سابقاً
عدنان أحمد يوسف*
سمعنا وقرأنا خلال الأيام الماضية العديد من التصريحات الصادرة عن خبراء الاقتصاد التي تشير إلى احتمال حدوث انهيار اقتصادي عالمي في عام 2026، مدفوعاً بمزيج من الديون المرتفعة، التضخم المستمر، وارتفاع تكلفة الاقتراض.
تشير البيانات الحديثة إلى مجموعة من المخاطر المتراكمة التي قد تؤدي إلى أزمة مالية عالمية. وفق تقرير المعهد الدولي للتمويل، تجاوزت الديون العالمية 324 تريليون دولار في الربع الأول من 2025، بما يشكل نسبة 325% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. الأسواق الناشئة وحدها سجلت ديوناً تفوق 245% من ناتجها المحلي، مما يجعلها أكثر عرضة للصدمات، حيث إن ارتفاع الدين يزيد من كلفة خدمة الفوائد ويحد من قدرة الحكومات على التحرك عند وقوع أزمات.
كذلك يبرز أمامنا تزايد العجز المالي في الاقتصادات الكبرى. الولايات المتحدة، على سبيل المثال، سجلت عجزاً حكومياً بنسبة 7.6% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين يتوقع صندوق النقد الدولي أن يصل الدين العام العالمي إلى نحو 117% من الناتج المحلي الإجمالي في 2027 إذا استمرت الظروف المالية الراهنة، ما يضاعف المخاطر على الاستقرار المالي العالمي.
كما تجاوزت معدلات التضخم في بعض الاقتصادات الكبرى 3.5% سنوياً، بينما تظل معدلات الفائدة مرتفعة لتعويض البنوك عن المخاطر، ما يزيد من كلفة التمويل للأفراد والشركات، ارتفاع الفائدة يقلل من الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري، وهو عامل رئيسي يمكن أن يؤدي إلى ركود اقتصادي محتمل.
تشير التوقعات العالمية إلى نمو بين 3.0 و3.3% خلال 2025-2026، مع احتمال تراجع هذه المعدلات إذا ظهرت صدمات جديدة مثل اضطرابات سلاسل الإمداد أو الأزمات الجيوسياسية، النمو المتواضع يعني ضعف القدرة على امتصاص الصدمات المالية، ويزيد من احتمالات تصحيح الأسواق بشكل حاد.
إلى جانب المؤشرات الاقتصادية السابقة، هناك مجموعة من المخاطر العالمية التي قد تضخم التهديد على الاقتصاد العالمي، على سبيل المثال، شهدت أسعار النفط تقلبات حادة في السنوات الأخيرة، مع متوسط سعر البرميل، ما يخلق ضغوطاً على الدول المستهلكة ويؤثر في التضخم العالمي.
النزاعات الإقليمية وفرض العقوبات الاقتصادية على بعض الدول تسببتا في خسائر مباشرة للأسواق العالمية بأكثر من 300 مليار دولار خلال العقد الأخير. كذلك التوقف المفاجئ في موانئ رئيسية أو في إنتاج سلع أساسية يمكن أن يزيد أسعار المواد الخام بنسبة 20-30% في فترة قصيرة، مما يضغط على اقتصادات الدول المتقدمة والنامية على حد سواء.
جميع هذه المخاطر العالمية المتشابكة تعني أن الاقتصاد العالمي أصبح أكثر عرضة لموجات صدمة متتالية، قد تتحول إلى تهديد أكبر من مجرد أزمة سوقية، وتشمل آثارها التضخم، الركود، وتقلبات شديدة في الأسواق المالية. أما فيما يخص القطاع المصرفي العالمي تحديداً، والذي يمثل حلقة مركزية في الاستقرار الاقتصادي، فإنه أيضاً يواجه تحديات متزايدة مثل ارتفاع الديون السيادية والتجارية، حيث تجاوزت ديون الشركات الكبرى والحكومات 324 تريليون دولار، ما يزيد من مخاطر إفلاسات متسلسلة تؤثر في البنوك الكبرى، كما بلغ متوسط القروض غير العاملة في بعض الأسواق الناشئة 20% من إجمالي القروض، ما يعرض البنوك لمخاطر خسارة كبيرة ويحد من قدرتها على الإقراض.
ما يهمنا هنا هو التطرق إلى الانعكاسات المتوقعة لهذه التطورات على اقتصاداتنا المحلية والخليجية والاستراتيجيات التي نرى ضرورة اتباعها للتحوط ضد أي أزمات محتملة، إن هذه الدول دشنت منذ سنوات عديدة برامج التنويع الاقتصادي التي نعتبرها حجر الزاوية في التحوط ضد الأزمات الخارجية، إن تنويع مصادر الإيرادات بعيداً عن النفط والغاز عبر القطاعات غير النفطية مثل الصناعة، السياحة، والخدمات المالية، من شأنه تعزيز الاقتصاد الوطني ضد صدمات أسعار الطاقة.
كما أن تعزيز الاحتياطيات السيادية والسيولة الدولية لضمان قدرة مواجهة أي تقلبات في الأسواق العالمية أو انخفاض أسعار النفط المفاجئ، مع ضبط الدين العام ومراقبة الإنفاق الحكومي لتقليل المخاطر الاقتصادية في حال حدوث ركود عالمي. كذلك مواصلة الاستثمار في مشاريع إنتاجية وبنية تحتية لدعم النمو المحلي وخلق فرص عمل مستدامة.
إن الهدف هو بناء اقتصاد مرن قادر على الصمود أمام أي تصحيح عالمي محتمل، مع القدرة على استغلال الفرص التي تنشأ أثناء التقلبات المالية.
* رئيس اتحاد المصارف العربية سابقاً
عدنان أحمد يوسف*
يشهد الاقتصاد الخليجي تحولاً لافتاً جعله لاعباً محورياً في المشهد الاستثماري العالمي، إذ تجاوزت الأصول السيادية لدول مجلس التعاون الخليجي حاجز 5 تريليونات دولار، أي ما يفوق ثلث الأصول السيادية على مستوى العالم، وفق ما تناولته حلقة من برنامج «بزنس».
تتجلى قوة الخليج الاقتصادية في مجموعة من المؤشرات اللافتة، إذ يبلغ الناتج المحلي لدوله نحو 2.5 تريليون دولار، ما يمثل قرابة 2% من الاقتصاد العالمي.
كما استقطبت المنطقة استثمارات أجنبية مباشرة بحوالي 74 مليار دولار، خلال عام واحد وهو رقم يضعها في مصاف اقتصادات كبرى مثل ألمانيا وإيطاليا والأكثر أهمية أننا نلاحظ أن الاستثمارات الخليجية باتت توظف بشكل رشيد في تحريك عجلة الاقتصادات الداخلية، كما هو الحال بالنسبة لصندوق الاستثمارات السعودي، كذلك في بناء شراكات اقتصادية متنوعة حول العالم تخدم المصالح الخليجية. أما القيمة السوقية للأسهم المدرجة في البورصات الخليجية، فتقارب 3.9 تريليون دولار وهو حجم منافس لأسواق عالمية راسخة، في حين تحتفظ المنطقة بحوالي 512 مليار برميل من احتياطي النفط المؤكد، بما يعادل ثلث الاحتياطي العالمي.
وعلى مستوى الدول، تتصدر السعودية بصندوق استثماراتها العامة الذي يتجاوز حجمه 900 مليار دولار، فيما تبرز الإمارات بمراكزها المالية العالمية والبحرين بمركزها المالي المتطور والمتنـــوع بأصــول تبلغ 252 مليــــار دولار، أما الكويت، فتمتلك أقدم صندوق سيادي عالمي، وتراهن عُمان على موقعها اللوجستي الاستراتيجي.
يرجع جانب كبير من هذا التحول، إلى حزمة من الإصلاحات والتشريعات التي جعلت من دول الخليج العربي بيئة استثمارية متقدمة، فقد حدّثت هذه الدول الأطر القانونية والرقابية ووفّرت مزيداً من الشفافية والثقة، فيما اعتمدت مراكز مالية مثل البحرين ودبي وأبوظبي قوانين مرنة تعزز جاذبية الاستثمار الأجنبي، هذه الإصلاحات أسهمت في رفع ثقة المستثمرين الدوليين ودفع تدفقات رأسمالية كبيرة نحو المنطقة.
كما أدركت الحكومات الخليجية مبكراً أهمية تنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على النفط، فتبنت استراتيجيات تركز على التكنولوجيا والبنية التحتية والطاقة المتجددة ومن الأمثلة البارزة مبادرة Real Assets في أبوظبي، التي تستهدف الاستثمار في الأصول الحقيقية والتقنيات المبتكرة، بما يعكس توجهاً مستقبلياً يستجيب لمتطلبات الاقتصاد العالمي الجديد.
إن هذا التنامي يتطلب خلال المرحلة المقبلة إدخال المزيد من التطويرات على أسواق رأس المال الخليجية في رحلة الصعود الخليجي، مع ضرورة تطوير وتنويع الأدوات المالية المتقدمة مثل السندات وصناديق المؤشرات والصكوك والسندات الخضراء، التي ترتبط مباشرة بمشاريع التنمية الاقتصادية، هذه الخطوة ستسمح بجذب مزيد من الاستثمارات وتنويع مصادر التمويل وتقلل الاعتماد على الاستثمارات الحكومية وحدها.
إن دول الخليج العربي لم تعد مجرد مورد رئيسي للطاقة، بل أضحت قوة استثمارية عالمية متنامية، بفضل ثرواتها الطبيعية وإصلاحاتها التشريعية ورؤيتها الاقتصادية بعيدة المدى. ومع استمرار الجهود في تنويع الاقتصاد وتطوير الأسواق المالية، تبدو المنطقة في موقع يؤهلها لتكون أحد أعمدة النظام المالي والاستثماري العالمي، خلال العقود المقبلة.
* رئيس اتحاد المصارف العربية سابقاً