صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
عصام الدين عجمي
مدير جامعة الشارقة
أحدث مقالات عصام الدين عجمي
28 أكتوبر 2025
التعليم العالي.. تحديات وفرص

شهدت دولة الإمارات خلال العقدين الماضيين تحولاً نوعياً في منظومة التعليم العالي، لتبرز بقوة كمركز إقليمي يستقطب الطلبة والباحثين، ويجذب كبرى الجامعات العالمية، وتضع الأساسات الصلبة لبيئة أكاديمية متطورة قادرة على المنافسة على الصعيدين الإقليمي والعالمي. هذا النجاح جاء نتيجة رؤية استراتيجية واضحة تتماشى مع رؤية الإمارات 2030، والتي تركز على اقتصاد يقوم على المعرفة والابتكار والتكنولوجيا، ما يجعل التعليم العالي ركيزة أساسية في مسيرة التنمية الوطنية.
غير أن الطموحات الكبيرة تستدعي دائماً مواجهة تحديات جوهرية. فعلى الرغم من النمو الكمي الملحوظ في عدد الجامعات والبرامج الأكاديمية، ما زالت هناك فجوة بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل المتسارعة التطور. كما أن الاعتماد على أنماط التعليم التقليدية لم يعد كافياً، ما يتطلب تبني نماذج تعليمية مرنة وهجينة تواكب متطلبات هذا التغيير.
ومع تسارع التحول الرقمي وتضاؤل الحواجز المعرفية، تبرز الحاجة إلى إعادة تصميم جذرية للمنظومة التعليمية بأكملها، لتُعيد النظر في المحتوى وطرائق التدريس والتقييم، وتدفع نحو جودة المخرجات مع التركيز على تطوير المهارات واستشراف المتطلبات المستقبلية لسوق العمل.
لكن التحديات، مهما كانت معقدة، لا تلغي حقيقة أن الفرص المتاحة استثنائية. فدعم القيادة الرشيدة والاستثمار الحكومي في البنية البحثية يوفران أرضية صلبة للتطوير. كما أن ريادة الدولة في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة تفتح آفاقاً لدمج هذه التقنيات في التعليم.ويشكل تزايد حضور الجامعات الإماراتية في التصنيفات الدولية عامل جذب قوياً للشراكات الأكاديمية والطلبة المتميزين.أما الشراكات الاستراتيجية بين الجامعات وقطاعات الأعمال المختلفة، فتضمن توافقاً أفضل بين التعليم ومتطلبات سوق العمل.
وتمثل جامعة الشارقة نموذجاً رائداً في ترجمة هذه الفرص إلى واقع ملموس، إذ نجحت في تحويل التحديات إلى محفزات للتطوير عبر استراتيجية شاملة تجمع بين التميز الأكاديمي والبحثي والحفاظ على الهوية. فقد استثمرت الجامعة في بنية تحتية بحثية متطورة، ووسعت شراكاتها مع القطاعات الصناعية والتقنية، وعززت برامج ريادة الأعمال لطلبتها. مع اهتمام خاص بنشر اللغة العربية بين غير الناطقين بها، محققة التوازن المنشود بين العالمية والأصالة، ما انعكس إيجاباً على تصنيفها الدولي وحضورها البحثي المتنامي.
إن التعليم العالي في دولة الإمارات يملك اليوم قاعدة صلبة وإمكانات هائلة. والتحديات الراهنة، ليست سوى فرص حقيقية للتطوير عبر التخطيط الاستراتيجي والاستثمار المستدام في العقول والأبحاث المبتكرة.
المستقبل واعد، والطريق واضح، وكل ما نحتاج إليه هو الإرادة والمثابرة لتحويل الرؤية إلى واقع ملموس.

10 سبتمبر 2025
التزييف الرقمي واستثمار التكنولوجيا بمسؤولية

في عصر تسارع التقنيات الرقمية وتشابك الفرص مع التحديات، تواجه الجامعات مسؤولية مضاعفة في كيفية حماية بيئاتها الأكاديمية من أخطار التزييف الرقمي والاستخدام غير المنضبط لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وتبرز الحاجة الملحّة لوضع استراتيجيات شاملة تجمع بين الابتكار والحوكمة الرصينة، لضمان نزاهة العملية التعليمية، وترسيخ مبادئ الأمان الرقمي، وتهيئة جيل واعٍ قادر على استثمار التكنولوجيا بمسؤولية.

إن العالم اليوم يشهد ثورة حقيقية في مجال الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المتنوعة، لكن هذا التطور المتسارع يحمل في طياته تحديات جوهرية تمس صميم النزاهة الأكاديمية. فالتزييف الرقمي، سواء كان في صورة محتوى مكتوب أو صور ومقاطع فيديو مزيفة، يهدد أسس العملية التعليمية، ويقوض مبادئ الإبداع والأصالة الفكرية التي تقوم عليها الجامعات، فعندما يصبح التمييز بين المحتوى الأصيل والمزيف أمراً صعباً، تهتز أركان النقد العلمي والبحث المنهجي، وتصبح المؤسسات التعليمية أمام تحدٍّ حقيقي يتطلب استجابة سريعة وفعالة.

لذلك لمواجهة هذه التحديات، تبرز ضرورة تبني مؤسسات التعليم العالي لاستراتيجيات متكاملة تحقق التوازن الدقيق بين الاستفادة من إمكانات التكنولوجيا الحديثة وحماية النزاهة الأكاديمية، وهذا يتطلب الاستثمار في أنظمة كشف متقدمة للمحتوى المُولّد آلياً، وإعادة تصميم المناهج وطرق التقييم لتركز على المهارات التحليلية والإبداعية، وتعزيز الوعي حول الأبعاد الأخلاقية للتكنولوجيا.

إن مواجهة هذا التحدي ليست مسؤولية الجامعات وحدها، بل تتطلب تضافر جهود جميع أطراف المجتمع التعليمي لتهيئة جيل جديد من الطلبة والباحثين قادر على التعامل بوعي ومسؤولية مع التكنولوجيا المتقدمة، وأن يفهم الآثار الأخلاقية والاجتماعية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، من خلال برامج تعليمية تركز على محو الأمية الرقمية والتفكير النقدي.

إن جامعة الشارقة، على سبيل المثال، تتعامل مع هذه القضايا برؤية استراتيجية شاملة. من خلال تطوير سياسات واضحة للنزاهة الرقمية، تحدد بوضوح الضوابط الأخلاقية لاستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مع آليات واضحة للتطبيق والمتابعة، وتنظيم برامج توعوية للطلبة وأعضاء هيئة التدريس، والاستثمار في التقنيات المتطورة لكشف التزييف.

إن المستقبل يتطلب منا جميعاً أن نكون أكثر يقظة ووعياً في التعامل مع التكنولوجيا، وأن نعمل معاً لبناء بيئة تعليمية تحتضن الابتكار دون التفريط في القيم والمبادئ التي تقوم عليها العملية التعليمية. هذا هو التحدي الحقيقي.