صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
علياء الملا
محامية أولى في مجموعة ممارسات تسوية المنازعات
أحدث مقالات علياء الملا
20 مايو 2025
الإمارات.. بيئة مناسبة لحوكمة الشركات

علياء الملا *

افتتحت المحاكم الإماراتية فصلاً جديداً ومهماً في تاريخ حوكمة الشركات، عبر حكم تاريخي أصدرته محكمة التمييز بدبي، والذي ألزم شركة ذات مسؤولية محدودة ومديريها بالتضامن في أموالهم الخاصة بسداد مبالغ تقارب ال 28 مليون درهم، نظير حجب أرباح مستحقة لأحد الشركاء.

هذا الحكم الذي يُعتبر تحولاً نوعياً في تفسير مسؤولية المديرين في الشركات، يفتح أبواباً جديدة حول حدود الحماية التي توفرها الكيانات القانونية، ويعيد تعريف المسؤولية الإدارية في الشركات ذات المسؤولية المحدودة، والتي طالما اعتُبرت حصناً آمناً، يقي المديرين من المسؤولية الشخصية عن ديون الشركة.

حجب التوزيعات

القضية التي نحن بصددها تمتد جذورها إلى عام 2003، وبدأت عندما امتنع المديرون في شركة ذات مسؤولية محدودة عن عقد الجمعيات العمومية السنوية، وبالتالي لم تُصدر قرارات بتوزيع أرباح، رغم تحقيق الشركة لأرباح. هذا الإخفاق الإداري استمر لما يقارب العشرين عاماً، مما حدا بأحد الشركاء - مالكاً لنسبة 34% من الحصص في الشركة - للتوجه نحو القضاء مطالباً بحقوقه المالية.

أمام هذا الإخلال الجسيم، لجأ هذا الشريك إلى القضاء مطالباً بتعيين خبير مالي لفحص الحسابات، وتحديد ما يستحقه من أرباح، وقد أيّد تقرير الخبرة مطالب الشريك بشكل واضح، وخلص إلى أن الشركة مدينة له بمبلغ يزيد على 28 مليون درهم.

رفع الغطاء عن المديرين

الحكم الذي أصدرته محكمة أول درجة، أبدى رؤية ثاقبة، إذ لم يكتفِ بتأكيد الحقوق المالية للشريك، بل ذهب الحكم إلى أبعد من ذلك، حين قرر اختراق ما يعرف ب«الحجاب المؤسسي» وألقى مسؤولية مالية مباشرة على مديري الشركة أنفسهم. محكمة التمييز في دبي استندت في حكمها إلى نصوص قانون الشركات، مشددة على أن الواجبات القانونية المفروضة على المديرين، تشمل عقد الجمعيات العمومية السنوية، وإعداد القوائم المالية الدقيقة، وتقديم مقترحات واضحة لتوزيع الأرباح، وأن تقصير المديرين في هذه الواجبات لا يقتصر أثره على المسؤولية الإدارية فقط، بل يمتد ليشمل المسؤولية الشخصية.

وفي حيثياته، استند الحكم إلى نصوص قانون الشركات، لا سيما المادة 87 من قانون الشركات الاتحادي رقم 32 لسنة 2021، التي تلزم المديرين بإعداد وعرض الميزانية وتقارير الأرباح والخسائر على الشركاء، خلال الأشهر الثلاثة التالية لانتهاء السنة المالية، والتوصية بشأن توزيع الأرباح. تقاعس المديرين عن هذه الالتزامات، اعتبر إخلالاً مباشراً بحقوق الشركاء.

أحد الجوانب التي استند إليها القضاء، هي التقارير المالية التي قدمتها لجنة خبراء مختصة، ووثّقت بوضوح الأرباح التي تم احتجازها، وعدم توزيعها. استند القضاء لهذه التقارير المهنية الدقيقة ليوضح أن الأرباح المحتجزة لم تكن نتيجة ظروف تجارية استثنائية أو قرارات استثمارية مبررة، بل كانت نتيجة تقصير إداري واضح.

سلسلة من الطعون

حاول المديرون التملص من المسؤولية عبر سلسلة من الطعون، أمام محكمتي الاستئناف والتمييز، مستندين إلى مبدأ استقلال الذمة المالية للشركة، وإلى دفوع شكلية مثل عدم توافر الصفة القانونية في بعض المطالبات. إلا أن هذه المحاولات قوبلت برفض قاطع من المحاكم العليا، التي أيدت الحكم الابتدائي، وكرّست مبدأ أن المسؤولية القانونية لا تتوقف عند حدود الشخصية الاعتبارية متى ثبت الإهمال أو التجاوز.

وأضافت المحكمة مؤكدة مسؤولية المديرين بقولها: «الثابت أن المديرين لم يقوموا بما أوجبه عليهم عقد الشركة من توزيع الأرباح إلى مستحقيها من الشركاء، ومن ثم يكونون قد قصّروا وأخطأوا في القيام بواجبهم الذي أملاه عليهم القانون..».

وأكدت محكمة التمييز أن الحماية القانونية، التي توفرها الشركات ذات المسؤولية المحدودة، لا تمنح غطاءً مطلقاً للمديرين، وأن عليهم واجبات قانونية محددة، وأن الإخلال بها يجعلهم مسؤولين مسؤولية شخصية.

درس في الحوكمة

هذه السابقة القضائية، تفتح فصلاً جديداً في تطبيق مبادئ حوكمة الشركات في الإمارات، فقد كان من المألوف اعتبار أن غياب الجمعية العمومية مسألة شكلية يمكن تجاوزها، ولكن هذا الحكم بيّن أن إغفال هذه الإجراءات، يُعدّ حرماناً فعلياً للشركاء من حقوقهم المالية والإدارية. وفي هذا الصدد، أكدت المحكمة على أنه «لا يجوز حرمان الشريك بأي حال من الأحوال من الحصول على حصته في الأرباح، متى كانت الشركة حققت أرباحاً، باعتبار أن حقه هذا هو من الحقوق الأساسية، التي متى تحققت ثبت حق الشريك فيها، بما لا يجوز معه لأي جهة المساس به.».

أهمية هذا الحكم تتجاوز حدود القضية الفردية، فهو يمثل سابقة قضائية قوية ورسالة واضحة لجميع المديرين والشركات في الإمارات. الرسالة مفادها أن الحوكمة ليست مجرد شكليات أو إجراءات إدارية ثانوية، بل هي مكون رئيسي لسلامة الشركات واستدامتها. فمديرو الشركات، وفقاً لهذا الحكم، مطالبون بوعي كامل لمسؤولياتهم، خصوصاً ما يتعلق بحقوق الشركاء المالية.

إلى أين تتجه الشركات؟

مع دخول هذا الحكم مرحلة التنفيذ، يصبح من الواضح أن بيئة الأعمال في الإمارات تتجه نحو تعزيز معايير الحوكمة والشفافية. لقد ولّى زمن الحصانة المطلقة للمديرين، وحلّ محله عصر جديد من المساءلة الشخصية المستندة إلى الإخلال الفعلي بالواجبات القانونية.

هكذا يعيد القضاء رسم خريطة طريق واضحة المعالم لجميع الشركات العاملة في الإمارات، فارضاً معايير جديدة للحوكمة، تتماشى مع الممارسات الدولية السليمة.

الخاتمة

إن حكم محكمة التمييز ليس مجرد حكم مالي، بل هو إنذار قضائي حاسم لكل من يعتقد أن الحوكمة خيار لا التزام. لقد صاغت المحكمة معياراً جديداً، مفاده أن حقوق الشركاء لا تسقط بالإهمال، وأن المسؤولية لا يمكن أن تُدار من خلف ستار الشركات.

* مكتب حبيب الملا ومشاركوه

6 مارس 2025
إخراج الشريك.. بين نص القانون وتحديات الواقع

علياء الملا وأحمد عبدالغني

تعد ‏مسألة إخراج الشريك من الشركة ‏بموجب حكم قضائي من المسائل الشائكة في قانون الشركات بسبب تداخل ‏عوامل حرية الشريك مع مصلحة الشركة والشركاء. فالشريك الذي يعطل قرارات الشركة أو يسبب مشاكل داخلية فيها دون وجود آلية قانونية لإخراجه يمكن أن يتسبب في تعثر أعمال الشركة ويلحق بها أضراراً جسيمة. لذا، فإن الموازنة بين مصلحة الشريك في الاستمرار ومصلحة الشركة العامة في الحفاظ على نشاطها أمر تحتمه مصلحة الشركة والشركاء. والواقع العملي يثبت أن الخلافات بين الشركاء تؤثر بشكل كبير في استمرارية الشركة ونجاحها، حيث قد تؤدي إلى تعطيل القرارات المالية والإدارية المهمة، ما يؤثر سلباً في أداء الشركة بشكل عام.
ولقد سكت قانون الشركات التجارية الاتحادي في دولة الإمارات عن تنظيم هذه المسألة، الأمر الذي يجب معه الرجوع إلى قانون المعاملات المدنية لبحث هذه المسألة، باعتبار أن قانون المعاملات المدنية هو الأصل المتضمن للقواعد العامة للعقود، ومنها عقد الشراكة.
وبالبحث في قانون المعاملات المدنية الاتحادي، نجد أنه قد نظم هذه المسألة ضمن أحكامه العامة للشركات، فأجاز لأغلبية الشركاء التقدم بطلب للقضاء لإخراج الشريك من الشركة، ولكن هنا يثور التساؤل عن جواز تطبيق هذا النص العام في حالة غياب نص خاص يعالج هذه الحالة في قانون الشركات؟ أم أنه توجد اعتبارات أخرى تمنع من ذلك التطبيق؟
تعرضت المحكمة الاتحادية العليا لهذه المسألة وطبقت عليها نصوص قانون المعاملات المدنية، فأجازت لأغلبية الشركاء التقدم بطلب إلى القضاء لإخراج شريك من الشركة ذات المسؤولية المحدودة. وأكدت المحكمة هذا المبدأ في الطعن رقم 108 لسنة 2024 تجاري، حيث قررت المحكمة أن الرجوع للقانون العام هو الطريق الصحيح في حال غياب نص خاص في قانون الشركات التجارية.
أما محكمة التمييز في دبي، فقد قضت في الطعن رقم 68 لسنة 2023 تجاري بعدم جواز إخراج الشريك من الشركة ذات المسؤولية المحدودة. واستندت المحكمة في قرارها إلى أن العلاقة بين الشركاء لا تقوم على اعتبارات شخصية، بل تعتمد على الإطار القانوني المتعلق بالشركة نفسها. كما تبنت محكمة النقض في أبوظبي هذا التوجه في الطعن رقم 375 لسنة 2024 تجاري، مؤكدة أن قانون المعاملات المدنية ينطبق فقط على الشركات المدنية دون الشركات التجارية.
من الواضح إذاً، أن هناك توجهين مختلفين في كيفية التعامل مع قضية إخراج الشريك في الشركات ذات المسؤولية المحدودة التي تعد واحدة من أكثر الكيانات التجارية شيوعاً في الإمارات.
وبالرجوع إلى نصوص قانون المعاملات المدنية، نجد أنها تتناول موضوع الشركات بشكل عام دون تخصيص أو تحديد لنوع الشركة، سواء أكانت شركة مدنية أو تجارية، إذ إن نص المادة (654) من قانون المعاملات المدنية، يعرف الشركة بأنها «عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بأن يسهم كل منهم في مشروع مالي بتقديم حصة من مال أو من عمل لاستثمار ذلك المشروع واقتسام ما قد ينشأ عنه من ربح أو خسارة». هذا النص، الذي يعد أساساً عاماً لتعريف الشركات، يتناول الشركات بصفة عامة، سواء كانت شركات تجارية أو مدنية، وهو ما يوضح أن المشرع لم يقم بتخصيص هذا النص لنوع معين من الشركات.
وبالعودة إلى قانون الشركات نفسه، نجد أن المادة (8/1) تقدم تعريفاً مشابهاً للشركة، حيث عرّفت الشركة بأنها «عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بأن يشارك كل منهم في مشروع اقتصادي يستهدف تحقيق الربح، وذلك بتقديم حصة من مال أو عمل، واقتسام ما ينشأ عن هذا المشروع من ربح أو خسارة». وجاءت الفقرة (2) من نفس المادة لتوضح أن المشروع الاقتصادي يشمل «كل نشاط تجاري أو مالي أو صناعي أو زراعي أو عقاري أو غير ذلك من أوجه النشاط الاقتصادي».
من هذا التعريف، يتضح لنا أن المشرّع لم يفرق بين أنواع الشركات في هذه الأحكام، ما يعني أن قواعد الشركات الواردة في قانون المعاملات المدنية تنطبق على جميع أنواع الشركات، بما في ذلك الشركات التجارية. ومن هنا نجد أن النصوص القانونية التي تتناول الشركات في قانون المعاملات المدنية قد جاءت شاملة وعامة، ولم تتخصص في نوع معين من الشركات.
والقاعدة أنه في حال غياب نص محدد في قانون خاص، يتعين الرجوع إلى القانون العام، وهو ما قضت به المحكمة الاتحادية العليا في عدة مناسبات. هذا التوجه يتماشى مع المبادئ القانونية الراسخة التي تقتضي بضرورة الرجوع إلى النصوص العامة لتغطية الحالات التي لم يتم تنظيمها بنصوص خاصة، ويؤدي هذا إلى حماية حقوق الشركاء، وتوفير إطار قانوني يحكم العلاقات بينهم في حالات النزاع.
في ضوء ما تقدم، يمكن القول بأن ما قضت به المحكمة الاتحادية العليا في تطبيق نصوص قانون المعاملات المدنية على الشركات ذات المسؤولية المحدودة يوجد حلاً لهذه المسألة الشائكة، خاصة أن النصوص القانونية جاءت شاملة ولم تميز بين أنواع الشركات، وبالتالي يجب أن تطبق على جميع الشركات دون استثناء. علاوة على ذلك، فإن توافر إطار قانوني يسمح للشركاء بإخراج ‏شريك في حالة نشوب خلافات بين الشركاء أو تعطل إدارة الشركة، من شأنه ضمان استمرارية الشركات وتحقيق أهدافها الاقتصادية.
‏وربما يطرح الأمر قريباً على هيئة توحيد المبادئ القانونية للوقوف على رأي موحد بشأن هذه المسألة. وهذا سيكون خطوة إيجابية نحو تعزيز الاستقرار القانوني والاقتصادي، وتشجيع الاستثمار في دولة الإمارات.

5 أبريل 2024
أخطاء الأطباء.. والعقوبات

علياء الملا *

كثُر الحديث في الآونة الأخيرة في الإعلام التقليدي وكذلك الإعلام الجديد وفي سائل التواصل الاجتماعي عن الأخطاء الطبية، وتتناقل وسائل الإعلام أخطاء جسيمة وقع فيها بعض الأطباء تسببت بأضرار خطرة لبعض المرضى.

وأجمعت تلك الأصوات على المطالبة بتغليظ العقوبات على الأطباء الذين قد يقعون في أخطاء طبية ومحاسبتهم بشدة على ذلك. وتكمن المشكلة هنا في أن ما تنقله وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي من أخبار قد يكون مبتسراً ويشمل جزءاً من الحقيقة من دون الإلمام بكافة تفاصيل الواقعة المعنية.

ومن ذلك ما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي عن طبيب قام بوصف دواء لمريضة عن طريق الهاتف وتبين أن المريضة لديها حساسية من ذلك الدواء ما أدى إلى وفاتها. ونسب الخبر الخطأ في ذلك إلى حصول التشخيص عن طريق الهاتف مع أن الخطأ والقصور كان في التشخيص ذاته، وكان وقوع الخطأ ممكناً حتى لو كان التشخيص حضورياً. ‏وحصول التشخيص عن طريق الهاتف لم يكن السبب الرئيسي الذي أدى إلى وقوع تلك الفاجعة. ‏

بداية، لا بد من الإشارة الى أن هناك قانوناً خاصاً ينظم المسؤولية الطبية وهو المرسوم بقانون اتحادي رقم 4 لسنة 2016 بشأن المسؤولية الطبية. ولقد حددت المادة 6 من القانون الخطأ الطبي والحالات التي يصبح فيها عمل الطبيب خطأ طبياً. وهذه الحالات هي:

* جهله بالأمور الفنية المفترض الإلمام بها في كل من يمارس المهنة من ذات درجته وتخصصه.

* عدم اتباعه الأصول المهنية والطبية المتعارف عليها.

* عدم بذل العناية اللازمة.

* الإهمال وعدم اتباع الحيطة والحذر.

وأوضحت المادة 17 من القانون أن المسؤولية الطبية لا تقوم إذا لم يكن الضرر ناتجاً عن أي من الأسباب المحددة أعلاه.

كما عرفت المادة 5 من اللائحة التنفيذية للمرسوم المذكور أعلاه الخطأ الطبي الجسيم بأنه «يعتبر الخطأ الطبي جسيماً إذا تسبب في وفاة المريض أو الجنين، أو استئصال عضو بالخطأ، أو فقدان وظيفة عضو، أو أي ضرر جسيم آخر».

بالإضافة الى توفر أحد المعايير التالية التي يكون الخطأ الطبي نتيجة لها:

1- الجهل الفادح بالأصول الطبية المتعارف عليها وفقاً لدرجة وتخصص مزاول المهنة.

2- اتباع أسلوب غير متعارف عليه طبياً.

3- الانحراف غير المبرر عن الأصول والقواعد الطبية في ممارسة المهنة.

4- وجود الطبيب تحت تأثير سكر أو تخدير أو مؤثر عقلي.

5- الإهمال الشديد أو عدم التبصر الواضح في اتخاذ الإجراءات الطبية المتعارف عليها كترك معدات طبية في جسم المريض أو إعطائه جرعة زائدة من الدواء أو عدم تشغيل جهاز طبي أثناء أو بعد العمليات الجراحية أو الإنعاش أو الولادة أو عدم إعطاء المريض الدواء الملائم طبياً، أو أي عمل آخر يدخل في إطار الإهمال الشديد.

6- ممارسة المهنة بصفة متعمدة خارج نطاق التخصص أو الامتيازات السريرية التي يتمتع بها الطبيب بموجب الترخيص الممنوح له.

7- استعمال الطبيب وسائل تشخيص أو علاج، من غير أن يكون قد سبق له إجراؤها أو التدرب عليها، دون إشراف طبي.

كما نص القانون في المادة 34 على إيقاع العقوبة على ممارس المهنة في حالات ارتكاب الخطأ الطبي الجسيم.

والاتجاه الذي ذهب إليه القانون في قصر إيقاع العقوبة على الخطأ الطبي الجسيم اتجاه أراه صحيحاً. إذ لا يجوز معاملة كل خطأ يقع فيه الطبيب كأنه فعل يستوجب المساءلة الجنائية. بل يجب في نظري التفرقة بين الفعل العمد الذي يرتكبه الطبيب والذي يرقى إلى مستوى الفعل الجنائي، والخطأ الذي يقع فيه من دون قصد ومن دون باعث إجرامي. فالفعل الذي لا تشوبه شبهة العمد أو الإهمال الجسيم قد يستوجب المساءلة المدنية وربما الإدارية لكنه قطعاً ليس جرماً جنائياً يخضع لقانون العقوبات. والقول بغير ذلك يؤدي إلى ابتعاد الأطباء عن القيام بواجباتهم الطبية وتجنبهم تقديم العناية اللازمة للمريض خوفاً من المساءلة الجنائية، وفي هذا ضرر على الصالح العام.

أما الإهمال الجسيم الذي يتجاوز أبسط مبادئ الطب وقد يرقى إلى مستوى الفعل العمد فيجب معاملته معاملة الخطأ الطبي الجسيم ويستوجب العقوبة اللازمة على ذلك.

كما يجب أن تتحرى وسائل التواصل الاجتماعي مصادر الأخبار والوقائع الصحيحة قبل نشر تفاصيل الأخطاء الطبية بين الجمهور حتى لا تتسبب فى بلبلة لا داعي لها.

* محامية أولى في مجموعة ممارسات تسوية المنازعات (حبيب الملا ومشاركوه)

4 أبريل 2024
مدمنو رفع القضايا.. والإفلات من العقاب

علياء الملا *
شهدت دولة الإمارات العربية المتحدة ‏في العقدين المنصرمين ارتفاعاً في عدد القضايا المنظورة أمام محاكمها، سواء من ناحية القضايا المدنية أو التجارية أو حتى الجزائية، حيث رصدت وزارة العدل زيادة ملحوظة بنسبة 22% فى إجمالي عدد القضايا المقيدة أمام المحاكم الاتحادية في إمارات الدولة، وذلك في العام القضائي 2020/ 2021. ومردّ ذلك إلى عدة أسباب، منها سهولة رفع الدعاوى وسرعة الفصل فيها من ناحية، ومن ناحية أخرى نمو الحركة الاقتصادية والتجارية في الدولة، مما استتبع زيادة في النزاعات الناشئة عن تلك المعاملات التجارية. ومن ناحية أخرى انتشرت ثقافة الاحتكام إلى القضاء حتى في بعض الأمور التي كان يمكن في السابق حلها ودياً. ولا شك أن سرعة الفصل في القضايا تعدّ إنجازاً للدولة، وإثباتاً أن القضاء في الإمارات قد اكتسب ثقة المتعاملين من مختلف المشارب والجنسيات.

إلا أن تلك المرونة والسهولة والسرعة في التقاضي قد نتجت عنها زيادة هائلة في عدد القضايا وبعضها كيدية، وأدت إلى ضغط على الهيكل القضائي وازدحام أروقة المحاكم بالعديد من القضايا، الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى البطء في الفصل فيها وتأخر استحصال المتقاضين على حقوقهم. ويستسهل البعض رفع الدعاوى الكيدية التي ليس لها أساس قانوني متين، وذلك بغرض التهديد أو ممارسة الضغط على الطرف الآخر. وكذلك يلجأ المدعى عليهم إلى تقديم دفوع قانونية غير جدية، وذلك بغرض إطالة أمد التقاضي والمماطلة. وفي كلتا الحالتين يطمئن الطرف الخاسر مدعياً كان أم مدعى عليه أن خسارته للدعوى لن تكلفه سوى رسوم رفع الدعوى ومقابل رمزي لأتعاب محامي الخصم. بينما يكون الطرف الآخر حسن النية قد تكبد مبالغ باهظة من رسوم وأتعاب محاماة وأتعاب خبرة، وغير ذلك من مصاريف التقاضي نتيجة لهذه الدعاوى الكيدية.

وعلى الرغم من أن المادة (133) من قانون الإجراءات المدنية تنص على أنه:

«1. يجب على المحكمة عند إصدار الحكم أو القرار الذي تنتهي به الخصومة أمامها أن تحكم من تلقاء نفسها في مصروفات الدعوى.

2. يحكم بمصروفات الدعوى على الخصم المحكوم عليه فيها، ويدخل في حساب المصروفات أتعاب المحاماة التي تقدرها المحكمة وفق الضوابط والمعايير المحددة في قانون تنظيم مهنة المحاماة وتكلفة ترجمة الإعلان، وإذا تعدد المحكوم عليهم جاز الحكم بتقسيم المصروفات بالتساوي أو بنسبة مصلحة كل منهم في الدعوى على حسب ما تقدره المحكمة، ولا يلزمون بالتضامن إلا إذا كانوا متضامنين في التزامهم المقضيّ به، ولا يتعدد مقابل أتعاب المحاماة بتعدد المحكوم لهم أو المحكوم عليهم أو بتعدد الوكلاء....»

إلا أن تقدير المحاكم لأتعاب المحاماة دائماً ما يكون مبلغاً رمزياً لا يتجاوز ألفي درهم إماراتي. ولم يتغير تقدير المحاكم لأتعاب المحاماة طوال هذه السنين على الرغم من عوامل التضخم وارتفاع كلفة المعيشة والتغيرات التي طرأت على الحياة الاقتصادية. وهذا التقدير الرمزي من قبل المحاكم لأتعاب المحاماة لا يشكل رادعاً حقيقياً من لجوء الأطراف إلى رفع الدعاوي الكيدية أو التقدم بدفوع كيدية لإطالة أمد التقاضي.

ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد، أن النظام القانوني الإنجلوسكسوني في بعض الدول وكذلك التحكيم المؤسسي قد عالجا هذه المسالة؛ حيث يقوم أطراف الدعوى في نهاية المحاكمة بتقديم مطالبات بقيمة التكلفة التي تكبدوها من دون حاجة إلى رفع دعوى مستقلة في هذا الشأن. وتكون طلبات التكلفة هي التكلفة الفعلية لأتعاب المحامين أو الخبراء أو المستشارين التي تكبدها المتقاضون خلال مراحل سير الدعوى. ويتم إثبات ذلك من خلال تقديم اتفاقيات الأتعاب أو الفواتير التي تمّ سدادها بالفعل للخبراء أو المحامين. ولا تخضع هذه الأتعاب لاستنساب هيئة التحكيم أو القضاء لموازنة الأتعاب على معايير كالجهد المبذول أو الوقت المقضي أو خبرة المحامي. ويتحمل الطرف الخاسر تكاليف التحكيم الحقيقية وفقاً لتقدير هيئة التحكيم أو المحكمة في النظام الأنجلوسكسوني. كما يجوز لهيئة التحكيم تقسيم هذه التكاليف بين الطرفين إذا قررت أن التقسيم معقول، مع مراعاة ظروف القضية.

لذلك، فإن ميزات التحكيم وكذلك النظام القضائي الأنجلوسكسوني أنها تجبر الأطراف على التفكير ملياً قبل رفع الدعوى، بحيث يبحث المدعي جلياً عما إذا كانت دعواه قائمة على سند قوي من القانون أم لا، منعاً لتكبد تكاليف باهظة يمكن تجنبها بأخذ الاستشارة القانونية الصحيحة. إن طبقت المحاكم نفس هذا النظام، فقد يؤدي ذلك إلى ردع البعض عن رفع دعاوى كيدية أو تقديم دفوع واهية، مما سيخفف الضغط على الهيكل القضائي، وقد يلجأ الكثير من الأطراف إلى الاستفادة الصحيحة من مكاتب المحاماة وأخذ الاستشارة القانونية بالشكل الصحيح، ومن ثم اتخاذ القرار في رفع الدعوى من عدمه.

* محامية أولى في مجموعة ممارسات تسوية المنازعات. (حبيب الملا ومشاركوه)