صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
فريدريك كيمبي
الرئيس التنفيذي للمجلس الأطلسي
أحدث مقالات فريدريك كيمبي
6 مارس 2021
سباق «العملة الرقمية».. أمريكا «تتشاور» والصين «تنفذ»

فريدريك كيمبي * 

لم يُخف المسؤولون الصينيون نيتهم بأن الجهود المتسارعة في تطبيق ونشر «اليوان الرقمي» ما هي إلا خطوة افتتاحية في طريق استراتيجيتهم طويلة الأجل لتقويض تفوق الدولار العالمي وتوسيع النفوذ.

وعلى الرغم من ذلك، لا يزال كبار المسؤولين الماليين الأمريكيين يشيحون النظر عن أي دلالات تنذر بوجود مخاطر أكبر على الدولار، وبالتالي على الأمن القومي للولايات المتحدة في سباق العملات الرقمية العالمي. وحتى مع تقدم الصين للأمام ووصول قيمة «بيتكوين» إلى تريليون دولار، فالاحتياطي الفيدرالي ليس في عجلة من أمره لدخول سباق المنافسة!

كانت الخطابات الماضية بمثابة نقطة تحول حكومية ومفترق طرق نحو تبني طرح «الدولار الرقمي» بين أهم المسؤولين الأمريكيين المشاركين في التمويل الدولي، مثل وزيرة الخزانة جانيت يلين، ورئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، وجوش ليبسكي، مدير المركز الجغرافي الاقتصادي التابع للمجلس الأطلسي.

وألمحت جانيت يلين في مقتطف تاريخي على سناب شات بأنه من المنطقي أن تنظر البنوك المركزية في الأمر. مضيفة: «يعمل المسؤولون في بنك الاحتياطي الفيدرالي في بوسطن مع باحثين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لدراسة خصائص الدولار الرقمي». وصرحت يلين بوجود مشكلة في الشمول المالي وبأن هناك عدداً كبيراً من الأمريكيين ليس لديهم حق الوصول إلى أنظمة الدفع السهلة والحسابات المصرفية. مشيرة إلى أن الدولار الرقمي يمكن أن يؤدي إلى مدفوعات أسرع وأكثر أماناً وأرخص.

وفي شهادته أمام الكونجرس في اليوم التالي، رسم رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي باول أفقاً جديداً بهذا الخصوص، واصفاً الدولار الرقمي بأنه «مشروع ذو أولوية كبيرة بالنسبة لنا». وأضاف: «نحن ملتزمون بحل مشاكل التكنولوجيا، والتشاور على نطاق واسع مع الجمهور وبشفافية شديدة مع جميع الفئات المعنية إذا لزم الأمر». ومع ذلك، وبينما «يتشاور» بنك الاحتياطي الفيدرالي، الصين «تنفذ».

لم تذكر يلين ولا باول الريادة الصينية المتزايدة في تطوير العملات الرقمية. وتتزامن أقوالهم ودعوتهم إلى العمل مع إعلان الصين في وقت سابق من هذا الشهر عن شراكة مهمة مع نظام الدفع عبر الحدود «سويفت» SWIFT، وهذا يحول الشك إلى يقين بأن بكين تعتزم تدويل اليوان الرقمي ونشره على مستوى العالم.

في الوقت نفسه، أبرمت الصين اتفاقية تجارة حرة مع موريشيوس، وهي أول اتفاقية لها مع دولة إفريقية، في صفقة مصممة لإنشاء أرضية اختبار مالي رقمي. وعليه كتب الخبيران لورين جونستون ومارك لانتيجن للمنتدى الاقتصادي العالمي:«بينما تطور الصين خطط عملتها الرقمية، قد تكون موريشيوس في نهاية المطاف هي رائدة إفريقيا في هذا المجال».

يأتي كل هذا في الوقت الذي استغلت فيه سلطات بكين احتفالات رأس السنة الصينية في 12 فبراير/شباط لنشر ثلاثة مشاريع تجريبية واسعة النطاق لتوزيع يوان رقمي بقيمة 1.5 مليون دولار تقريباً في شكل «حزم حمراء» بقيمة 30 دولاراً لكل منها. بعد ذلك، قامت الصين بتوسيع برنامج اختبار منح العملة الرقمية إلى مدينة تشنجدو، عاصمة مقاطعة سيتشوان وخامس أكبر مدينة من حيث عدد السكان في البلاد، ووزعت حوالي 6 ملايين دولار باليوان الرقمي.

يبدو أن طموح الصين يتمثل في وضع حجر الأساس الآن لإطلاق مشروع «اليوان الرقمي» الكامل في عام 2022 وبالتزامن مع انطلاق الدورة الرابعة والعشرين للألعاب الأولمبية الشتوية التي تستضيفها بكين. إذ تشير التكهنات إلى أن المنظمين الصينيين قد يطلبون من جميع الحاضرين والرياضيين تحميل تطبيق يضمن إجراء عملياتهم المالية من ألعاب وفنادق وتذاكر وطعام وهدايا تذكارية باستخدام العملة الرقمية الجديدة.

من الصعب عدم مقارنة الريادة الصينية الحالية في تطوير العملة الرقمية، التي تجاهلها المسؤولون الأمريكيون حتى الآن، بريادتها العالمية المبكرة في تطوير معايير تقنية «النطاق العريض» لشبكات الجيل الخامس. ولا يمكن لأحد أن ينافس مزودي خدمات «5 جي» ومصنعي المعدات الصينيين على مستوى العالم، وخصوصاً السيطرة الكبيرة لشركة «هواوي».

يؤكد إعطاء الصين الأولوية المتسقة للتقدم التكنولوجي اعترافها بأن الدولة التي اتخذت لنفسها مكانة تقنية عالية في هذا الزمن كانت في أغلب الأحيان اللاعب الدولي المهيمن أيضاً.

وإذا خسرت الولايات المتحدة الأرضية الخصبة للابتكار التكنولوجي المالي، إلى جانب إضعاف الهيمنة العالمية للدولار، فإن الفوائد التي ستعود على بكين ستكون كبيرة جداً.

يوفر نهج الصين المختلف في التعامل مع قضايا الخصوصية ميزة تنافسية لعملتها الرقمية. فبينما ستؤدي حاجة الولايات المتحدة وأوروبا لتلبية مخاوف الخصوصية إلى تعقيد تطوير العملة الرقمية للبنك المركزي، ترى بكين أن اليوان الرقمي وسيلة لتعزيز دور المراقبة والتتبع الهائل لديها بالفعل، وتحسين قدرتها أيضاً على مكافحة غسل الأموال والفساد وتمويل الإرهاب.

يشعر بنك الاحتياطي الفيدرالي بالقلق إزاء التسرع في إدخال الدولار الرقمي، نظراً للمخاطر التي يمثلها كعملة احتياطية في العالم، لكن الخطر الجيوسياسي الأكبر يتمثل في مدى سرعة تراجعه.

لا يزال الطريق طويلاً وبإمكان الولايات المتحدة الفوز في السباق شريطة أن تبدأ بتطوير دولار رقمي بسرعة، وتتعاون أيضاً في إنشاء «يورو رقمي»، و«جنيه رقمي»، و «ين رقمي». ستعمل القوة الضاربة الإجمالية لهذه العملات على سد فجوة الابتكار بسرعة مع الصين. كما أن ذلك يظهر قيمة العمل مع الحلفاء، وهو محور سياسة بايدن الخارجية.

* الرئيس التنفيذي للمجلس الأطلسي

10 فبراير 2021
هل يمكن صياغة نهج أمريكي ــ صيني؟

فريدريك كيمبي *

أثارت ورقة بحثية جديدة حول استراتيجية الولايات المتحدة تجاه الصين نقاشاً عالمياً، وكشفت عن ثلاث قضايا رئيسية يجب على واشنطن التركيز عليها للمضي قدماً، وأكد النقاش العالمي العنيف الذي اندلع هذا الأسبوع عبر المجلس الأطلسي أهمية وصعوبة صياغة نهج أمريكي دائم وقابل للتنفيذ تجاه الصين مع تزايد قوة الصين وثقتها بنفسها وحزمها على الصعيد العالمي.

 كانت الورقة البحثية بمثابة اختبار لمجتمع الخبراء في الصين، و تباينت ردود الفعل بين النقاد الذين اعتبروا الأمر استفزازياً للغاية.

 واتهم المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية الكاتب المجهول بالجبن وبأن لديه دوافع سوداء، ويهدف إلى التحريض على «حرب باردة جديدة».

 اتفق مارتن وولف كاتب عمود في «فاينانشال تايمز» مع كاتب الورقة البحثية الأخيرة المجهول على أن الصين تتصرف بشكل متزايد كقوة عظمى صاعدة، لكنه انتقد حديث المؤلف عن الأهداف العديدة التي لا يمكن تحقيقها بسبب أداء الصين الاقتصادي الكبير و إمكاناتها الضخمة. كما أشاد السيناتور الجمهوري دان سوليفان عن ولاية ألاسكا بالورقة خلال خطاب غير عادي في قاعة مجلس الشيوخ.

 تنبع مصداقية سوليفان من تاريخه كمحارب مخضرم في البحرية، ونائب عام سابق في ألاسكا، ومسؤول سابق في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية.

 جادل سوليفان بأن ورقة «ذا لونجر تيليجرام» البحثية، رغم أنها ليست مثالية، إلا أنها بالتأكيد أحد أفضل الاستراتيجيات التي قرأها حتى الآن حول كيفية مواجهة الولايات المتحدة لهذا التحدي الكبير، والمتمثل في الصين، خلال عقود.

 وتتحدث العناصر الثلاثة لاستراتيجية للولايات المتحدة التي ذكرها الكاتب ونشرها المجلس الأطلسي عن الحاجة الملحة لفهم السياسة الداخلية الصينية والديناميكيات السياسية بشكل أفضل لتحقيق النجاح. وحقيقة أن الولايات المتحدة المتراجعة لن تكون قادرة على التحكم في قوة الصين الصاعدة، إضافة إلى التركيز على تنشيط وإعادة صوغ تحالفات جديدة، ليس من باب الشعور بالحنين إلى الماضي، ولكن لأنه لن تنجح أي سياسة من دون تحفيز الشركاء بطرق إبداعية جديدة.

 دعونا نناقش هذه الأولويات. أولاً، الفكرة الأكثر إبداعاً وإثارة للجدل التي قدمتها وثيقة «ذا لونجر تيليجرام» هي تركيزها على زعيم الصين وسلوكه. حيث تجادل بأن الاستراتيجية يجب أن تركز على الزعيم الصيني شي جين بينج ودائرته الضيقة والسياق السياسي الصيني الذي يحكمون فيه. وسيتطلب التحكم بطريقة اتخاذهم للقرار فهم نموذجهم السياسي والاستراتيجي والعمل على تغييره.

 واتفق أكثر نقاد الورقة ضراوة على نقطة التركيز على الزعيم الصيني، وجادل بعضهم بأن المؤلف بالغ في تقدير دور «شي»، واختلف آخرون مع فكرة أن الصين ستصبح شريكاً أكثر تعاوناً في ظل قيادة أكثر اعتدالاً إذا تم استبدال «شي» بمرور الوقت.

 وحذر آخرون من أن الصين ستعتبر أي سياسة أمريكية تركز على شي محاولة تصعيدية خطيرة لتغيير النظام.

 ومع ذلك، فإن هذه النقاط تفتقد إلى الفكرة الأكثر أهمية والتي لا يمكن دحضها، وهي أنه لا يمكن لأي استراتيجية أمريكية تجاه بكين أن تنجح دون فهم أفضل لكيفية تطور عملية صنع القرار في الصين.

 قال كاتب الوثيقة المجهول: «كانت الحكمة الأساسية لتحليل جورج ف.كينان، صائغ السياسة الأمريكية للحرب الباردة عام 1946 تعتمد على تقييمه من خلال وثيقتيه الأساسيتين لاستراتيجية عمل الاتحاد السوفييتي الداخلية وتطوير استراتيجية مقابلة رسمت المعالم السياسية للولايات المتحدة مع الروس وفقاً للواقع السياسي المعقد، ونحن في حاجة للقيام بالاستراتيجيات نفسها لمخاطبة الصين اليوم».

 سواء كنت توافق وجهة نظر المؤلف أم لا بأن الصين لم تعترف بالشقوق السياسية والهشاشة، فإن النقطة الحقيقية هي أن الولايات المتحدة يجب أن تستثمر أكثر في فهم هذه الديناميكيات، إذ أن إحدى مزايا بكين في المنافسة تتمثل في رؤيتها للانقسامات السياسية ونقاط الضعف المؤلمة في أمريكا.

 في ما يتعلق بالنقطة الثانية، أكد خطاب السياسة الخارجية الأول للرئيس الأمريكي جو بايدن توافقه معها، إذ يجب أن تبدأ استراتيجية الولايات المتحدة بالتعامل مع نقاط الضعف الاقتصادية والمؤسسية المحلية. وكما قال الرئيس بايدن: «سوف ننافس من موقع قوة عبر إعادة البناء بشكل أفضل في الوطن».

 أخيراً، يجادل المؤلف، وكان هذا في قلب خطاب بايدن أيضاً بأن الولايات المتحدة في حاجة إلى تحفيز الحلفاء وراء نهج أكثر تماسكاً ووحدة، لكن سيكون من الصعب تحقيق ذلك في ظل أن العديد من حلفاء الولايات المتحدة يعتبرون الصين شريكاً تجارياً ورئيسياً مهماً لهم.

 إن صياغة قضية مشتركة بين شركاء وحلفاء الولايات المتحدة التقليديين ستتخذ مستوى غير مسبوق من المشاركة العالمية والأخذ والرد، والأهم قبول واقع التأثير الاقتصادي الحالي للصين.

* الرئيس التنفيذي للمجلس الأطلسي