نحارب بالحبِّ هذي الحروب، نحاربها بالثقافة والعلم والمعرفة، ونثبت أنَّ التواصل بالحرف أسمى وأعلى، وأنَّ بناء العقول بحبِّ التراب يزعزع أعتى الجيوش، فلا وطنٌ يتطلع للمجد من دون علمٍ، ولا وطنٌ يمتطي الغيم من دون فكرٍ، ولا وطنٌ يحرس الطير والحقل من دون حبٍّ، ولا وطنٌ يقطف النجم أو يعتلي فوق هام الثريا بلا هممٍ عالية، فللسيف علمٌ ومعرفةٌ ودراية، وللحزم عند اشتداد المتاعب فكرٌ وراية، وللعقل عند احتدام الكروب مواقف تنبع من حكمة وافية، ومن أنفسٍ صافية، وللبذل والجود في كلِّ نازلةٍ أصفياء.
ونحن بفضل العطاء، وخير القيادة نغفو على فرشٍ ووسائدَ من راحةٍ وأمان، ونمشي على الطرقات بلا قلقٍ من متاعب هذا الزمان، فللحرب أبناؤها المخلصون، وللحرف أبناؤه المبدعون، وليس لنا غيرُ ماء الثقافة حتى نرد به عن حمانا المكائد والمعتدين، سنكسر كلَّ الجرار التي تحمل الحقدَ بالصبرِ حتى تكلَّ الرماح، وتكسر همتنا بالتعقّل ما يحسب البعض أن الشجاعة ليست سوى بالسلاح، وليس بنا مع هذا التعقل ضعفٌ، ولكننا نضع الحزم في موضع الحزم، والعزم في موضع العزم، والحلم في موضع الحلم، والعلم في موضع العلم، حتى تسير الحياة.
ثقافتنا أن نعدَّ لكل الأمور، فما أجمل الأرض حين ترى للثقافة فيها حضور، وما أجمل الأرض حين ترى راحة في الصدور، لذلك نبذر في كل فعل الثقافة بذرة ورد، ونزرع أشجار جودٍ مسوّرةً بالوصال، ونرسم للناس فوق المنابر أجنحةً للجمال، فنحن ورثنا من العلم حقلاً نردُّ بخيراته كل من يقذفون بأحجار نكرانهم ثمر الآمنين، ونحن على مسرح الشعر نقتحم البارجات، ومن قصب العزف نصنع ناياً يسوق المعاني إلى الأغنيات، كذلك بالفن والمسرحيات والرسم نقضي على كل خوفٍ تسببه ضجة الحائمات، نرمّم ما هدمته العقول العقيمة عن رؤية الخير بالكلمات، ونبنى جسوراً لكل الذين يتوقون شوقاً وعشقاً لطوق النجاة.
فما غير أظفارنا كي نحك بها جلد آلامنا، فهي تحنو على الجلد كالأمّهات، ثقافتنا أنّ نكون جنوداً بأفكارنا، ونحارب كل متاعبنا بالحياة.
[email protected]
أشار صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، إلى السّفن في معرض حديثه عن الكتاب؛ فسموّه يعرف هذه الأهمية العظيمة، ويدرك أثر الكتاب في الإنسان، مصدراً من مصادر اتّزان الروح، وتهذيب النفس، وتربيتها على السموّ والأخلاق الرفيعة، لذلك عاش على تزويد المكتبة بنور رؤاه، وسعة اطلاعه، وعمق معرفته، وحكمة تجاربه. وأصدر مؤلفاتٍ معرفية تعدّ كنوزاً تاريخية تنتفع منها الأجيال، وتنهل من معينها العذب، وتنير بها طريق البحث والتزوّد بالمعارف.
وكما تشقُّ السّفن عُباب البحر، في سفرٍ تتعدد غاياته، وتتنوّع اتجاهاته، تسافر الأرواح عبر الكتب في رحلةٍ لا نهاية لها، تزور خلالها مدناً كثيرة، وتتوقف عند محطاتٍ تزوّدها بطاقات روحية ومعرفية وإبداعية، فالروح التي لا تقرأ، لا تتجدّد فيها خلايا التأمل، ولا تتنوّع لديها المشارب المعرفية، وتصبح قدراتها عاجزة عن الوقوف أمام جيوش التحاور والنقاش.
من هنا تأتي أهمية القراءة رافداً من روافد مد الفكر، الذي يمدّها بماء الثقافة لينعش الروح ويحييها، ولترى الشمس كل صباح بنور مختلف، وأمل جديد، وحيوية لا تعرف الوهن ولا التراخي عن بلوغ الغايات الكبرى.
وحين نتحدث عن الكتاب، فإننا لا يمكن أن نغفل الحديث عن معرض الشارقة الدولي للكتاب، هذا المعرض الذي يعدّ ذاكرةً ثقافيةً راسخةً، هو البذرة التي تربت على رؤية صاحب السموّ حاكم الشارقة، فنمت ونضجت ثمارها، واشتد عودها؛ وها هو المعرض يواصل حصد الجوائز وتحقيق الإنجازات بفضل هذه الرؤية والمتابعة من سموّه؛ فتعدد الأنشطة فيه من ندوات وورش وأمسيات، ولقاءات بالكتّاب والاحتفاء بهم، وفتح مساحات من الضوء والحضور لدور النشر، وتهيئة مناخ الاحتفال بعرس الكتاب، جعل منه مناسبة سنوية يحرص عشاق القراءة على حضوره، وحضور الفعاليات؛ فهو إلى جانب أنه مناسبة معرفية، أصبح كذلك مناسبة اجتماعية، تلتقي فيه الأجيال، ويجتمع فيه الأصدقاء والأهل، وتوقّع فيه الكتب.
وعبر السنوات الماضية التي حفرت على أصابعي ذكريات الكتابة عن هذا المعرض، كنت أراه في كل مرة بصورة مغايرة، ففي كل دورة نلمح جديداً تحمله أرفف دور النشر، ونرى وجوهاً تتغيّر بهيئتها وبأسلوبها، لكنها لا تتخلّى عن ثوابتها، بل تدرك الحاجات وتتعاطى معها بإيجابية، من أجل أن تكون الثقافة هي الملاذ الأخير؛ ولعل مكانة الشارقة الثقافية في العالم، منحت هذا المعرض قيمةً عاليةً، وجعلت المشاركين يحرصون على تقديم عناوين ترقى إلى ما وصلت إليه الشارقة من مكانة، كونها تلتزم بأخلاق الثقافة وأدب المعرفة، ليبقى معرض الشارقة الدولي للكتاب حدثاً بارزاً، يضاف إلى رصيد الشارقة الثقافي، ضمن رؤية صاحب السموّ حاكم الشارقة الثاقبة للثقافة والأدب والمعرفة والفنون.
[email protected]
محمد عبدالله البريكي
فتح الشعر في «خيمة المتنبي» بالأحساء، باباً للدخول إلى إمارة الشارقة، فحضرت بمنجزاتها الإبداعية، وترددت أصداء مبادرات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، في لقاء كان مدخله الشعر، فقد احتشدت في خيمة المتنبي قامات فكرية وإبداعية، استمعت لرنين الحرف والمشاعر، لكنها كانت في شوق كبير للتعرف عن قرب إلى الضوء الساطع الذي أشرق من إمارة الشارقة، ليصل مساحات شاسعة تسكنها العربية، وتنمو فيها أشجار القصائد، أعاد ذاكرتنا إلى خيمة النابغة، التي لم تكن لقراءة الشعر، بل لتأمله ونقده، ولمحاورة قائله، فكانت القصيدة وسيلة لغاية أكبر، خلدت النابغة وخيمته، مثلما خلدت القصيدة وشاعرها.
كان دخولي خيمة المتنبي، بدعوة من الشاعر الأحسائي جاسم الصحيّح، دخولاً احتفى بالقصيدة والشارقة في آن، فالشارقة التي أجزم أنني، أُربّي حبَّها في بيت شعري، فتكبرُ فيه أدعيةٌ ووعدا، هي ذاتها التي كانت ولا تزال، منابعُ عِزَّةٍ وديارُ فخرٍ، بها نبضُ الإمارةِ صانَ عهداً، لأن حاكمها أعطاها قلبه، ووهبها عمره، فالشارقة «بها قلبٌ يرشُّ الطيبَ فيها، فيرتجُّ الثرى ألقاً وسعدا»، ولذلك حضرت على خارطة التلقي، في حوارٍ فكري كشف عن جوانب كثيرة، تطلع الحضور إلى معرفتها، فاقتربوا من دائرتها الثقافية، وتعرفوا إلى منجزاتها التي تسافر فوق الغيم، ودخلوا بيت شعرها الساكن قلب الشارقة، فاطلعوا على نبضه الذي لا يهدأ، وتعرفوا إلى مهرجان الشارقة للشعر العربي، الذي يفتتح الفعاليات الإبداعية في بداية كل عام، وحضرت مجلة القوافي في الحوار مثلما حضرت بطبعتها الأنيقة، وسافروا معي إلى المدن التي احتفت بمبادرة بيوت الشعر في المفرق الأردنية، ونواكشوط الموريتانية، والأقصر المصرية، والقيروان التونسية، وتطوان ومراكش في المغرب، والخرطوم السودانية، كما سافروا إلى الملتقيات الإفريقية، وإلى جائزة الشارقة لنقد الشعر العربي، وجائزة القوافي الذهبية، وجائزة الإبداع العربي.
كل ذلك وأنا أتحدث مع الأحساء وأهلها، وأقول لهم بكل محبة: تعلّقتُ بالصحراءِ مُنذُ «قِفا» كما، تعلَّقَتِ الأحْساءُ بالنَّخْلِ والرَّمْلِ، ِوجاء هذا الدخول إلى الخيمة، بعد أن افتتَحتُ القصة بالدمام، ببحرها وشواطئها وإنسانها، الذين احتفوا بمشروع الشارقة، فهم الذين صافحتُهم بأنشودة البحّار: لأنَّ للحَرْفِ أبْناءً إذا ابْتَعَدوا، عَنِ القَصيدةِ، مِنْ وُجْدانِها وُلِدوا، وكان الحوار ًمع القصيدة.
وها أنذا أعود محملاً بأنشودة البحّار، وذاكرة النخيل، ودفء الرمل المعطاء، وقلوب تنبض إنسانية، زرعت فيها قلباً أثق بأنه سيُسقى وصلاً ومحبة، وسيردد أهل الأحساء بعد لقاء خيمة المتنبي ما أقوله عن صاحب السمو حاكم الشارقة: «وهبْتَ منابعَ الشعراءِ مجْدًا/ فرفْرَفَ شِعْرُنا العربيُّ طَيْرا».
[email protected]
محمد عبدالله البريكي
كشفت رؤية صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، عن كنوزٍ شعرية في إفريقيا تطير باللغة والشعر في سماوات التجلّي والإبداع، فسموّه يرى أن حقول اللغة والشعر فيها، تثمر ما لذّ وطاب من الدهشة والجمال وأن تربتها خصبة تغري بالاكتشاف، فاللغة العربية في إفريقيا وجدت قلوباً تنبض بها، وأرواحاً تحيا بجمالها وكان للشعر دور بارز، قاد كثيراً من الشباب إلى دخول مضارب الأسلاف واقتناء جواهر الكتب التي تضيء رؤاهم وتدلّهم على الطرق التي سلكها شعراء العربية، حتى استطاعوا بما ورّثوه للأجيال من بقاء جذوة القصيدة مشتعلة، فكتبوا الخلود لها في سجلّات الزمن.
تشرَّب أبناء إفريقيا الشعر العربي وحفظوا ما به من قصائد نُظمت في أغراضٍ كثيرة، لامست الهمّ الذاتي، وامتدّت برؤاها لتشترك في الهمّ مع الآخر وتشتبك بالرؤى مع قضايا الإنسان وهمومه ولذلك تجد رئات شعراء إفريقيا تتنفّس ديوان العرب وتمعن في النظر طويلاً في قصائده ومعلّقاته، وتعيش على جماليات أبياته، وتعتني بما فيه من معانٍ تحفر في أرض الأناقة، لتستخرج من ترابها ذهباً صاغه الشعراء قلائد زيّنوا بها جيد القصائد، كما استوعب شعراء إفريقيا أوزان الشعر العربي وألحانه وتفعيلاته، عبر عصوره المختلفة، فحضر امرؤ القيس وعنترة والأعشى وحسّان والمتنبّي وأبو تمّام وغيرهم في صورهم وتناصّهم مع أشعارهم الخالدة ولوّنوا المعاني وفق رؤاهم الفلسفية التي تستلهم الماضي بروح الحاضر وأثّثوها، كذلك، وفق معزوفات التفاعيل التي حفظت للشعر العربي حضوره وأناقته وتراثه العريق وأثبت حضور هؤلاء الشعراء بالقصيدة العربية انتماءهم إلى اللغة، خصوصاً أن اللغة العربية في هذه الدول تحظى بمكانة رفيعة، بل وبعضها اعتمد العربيةَ لغةً رسميةً مثل دولة تشاد.
ولذلك فقد وجه صاحب السموّ حاكم الشارقة، بتنظيم ملتقيات شعرية في إفريقيا تشجيعاً للعطاء الشعري، وفق رؤية سموّه، في استقطاب المبدعين كافة في الشعر، فهذا التوجّه نحو إفريقيا دعم حقيقي للغة العربية المنتشرة في هذه القارة التي توهّجت فيها الإبداعات الشعرية، كذلك فإن حضور هؤلاء الشعراء لا ينقطع عن فعاليات بيت الشعر بدائرة الثقافة في الشارقة، فهم حاضرون في الأمسيات الدورية وفي مهرجان الشارقة للشعر العربي ولم ينقطع التواصل مع هذه الطاقات الإبداعية، فقد منحتهم مجلة «القوافي»، مساحة ضوئية واحتفت بنصوصهم الشعرية، وتواصلت الشارقة معهم، لتكون القصيدة في إفريقيا حاضرة بسحر البلاغة، ومتعة الأناقة، وجمال الألق.
[email protected]
في ظل دخول العالم الرقمي حياة الأطفال، جاء مهرجان الشارقة القرائي للطفل ليؤكد أنه احتفالية الخيال والبحث عن هُوية الصغار، ففي عيونهم يمكن أن نقرأ ما لا يخطر على البال، وهكذا الشارقة تصنع التاريخ وتؤرّخ للإبداع؛ لأن الطفولة هي العتبة الأولى التي على ضوئها ينبت شجر النموّ والكمال.
وفي قطار مهرجان الشارقة القرائي، لا تتوقف قطارات الأطفال في محطة؛ لأن الوهج الذي يسكنهم أكبر بكثير مما نتخيل. وقد فتحت الشارقة كل ركن لكي تنطلق الطفولة في الاتجاه الصحيح. إننا نعيش في حديقة مزهرة اسمها الشارقة.. توزّع زهورها في كل مكان، فنشمّ من دون أن ندري أجمل العطور؛ فتربية الطفل على ثقافة الاطلاع تخلق منه إنساناً واعياً، ومثقّفاً بدرجةٍ ما في السنوات الأولى من العمر. كما أن الدراسات العلمية أثبتت أن الطفل الذي يرتبط بالكتاب منذ البداية، يكون لديه وعي أكبر من أقرانه، ومستويات الخيال بالنسبة له ترتفع بصورة كبيرة، وتكون لديه القدرة على التعبير، وهو ما نحتاج إليه في عالمنا العربي؛ إذ إننا نريد أطفالنا في أعلى درجات الخيال والإبداع، حتى يكون لدينا في المستقبل جيل من العلماء والمفكرين. والقراءة قادرة على أن تحوّل الطفل من شخص عادي إلى مبدع حقيقي له أهمية في محيطه، ولا يمكن أن نجني ثماراً من دون أن نزرع شجرة؛ وما تفعله الشارقة عبر هذا المهرجان، في ظل التحوّل الرقمي الذي فرض على الأبناء عزلة غريبة، أتاح للأطفال أن ينطلقوا في رحابه إلى القمة، ويخرجوا من الألواح الرقميّة إلى فضاءاتٍ مفتوحة تستثمر قدراتهم، وتجعلهم يحملون رؤيتهم إلى العالم الخارجي وهم يؤلفون القصص والشعر، ويتابعون ما ينتجه الآخر من فكر في الكتب التي يجدونها في متناول أيديهم، فضلاً عن المسابقات الفكرية التي تؤكد مدى قدرتهم على التجاوب مع تقلبات الحياة.
ولا بدّ من الاعتراف بالدور الكبير والرسالة التنويرية التي يحملها هذا المهرجان برعايةٍ كريمةٍ من صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي عهدناه يوجّه بإقامة المهرجانات التي تعبّر عن الطفل وترتقي به، وقد لمسنا هذه الرؤية الكريمة من سموّه بإقامة هذا المهرجان في مثل هذه الأحوال، وهو ما يؤكد أن الشارقة دائماً تبثّ رسالة الحب والسلام وتغرسها في نفوس الأطفال، فسلامٌ على كلِّ طفلٍ شارك في هذا المهرجان، وتحيةً للجهة المنظّمة أيضاً، كما أن جميع المثقفين يشعرون بالفخر لإقامة هذا المهرجان الذي سيظل، بدوره التنويري، علامةً فارقةً في مسيرة الطفل وسبل تثقيفه والارتقاء به.
[email protected]
محمد عبد الله البريكي
كان لصاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، دورٌ مفصلي في إحياء الشعر واللغة في حياتنا الثقافية والأدبية والمسرحية، فاستعادت القصيدة رونقها، فقد آمن سموّه بالشعر لا كلمةً فقط، بل رسالةً وقيمةً ورؤيةً، فأنشأ المهرجانات، واحتضن الأدباء وجعل من الشارقة منارةً يقصدها الشعراء من أقطار الأرض ليُلقوا قصائدهم على خشبات المسارح وفي قاعات تليق بالشاعر والقصيدة، فيمتزج الشعر بالأداء والقصيدة بالمشهد والكلمة بالضوء. وأسهم بيت الشعر في الشارقة وبيوت الشعر التي أطلقها سموه في الوطن العربي في تأسيس فضاء جديد للقصيدة، حيث لا تكون القصيدة نصّاً للقراءة فقط، بل فعلاً للعرض والحضور، فصرنا نشهد الأمسيات الشعرية المسرحية، التي تتداخل فيها فنون الإلقاء بالحركة والموسيقى وتُصبح القصيدة مشهداً يُرى كما يُسمع، وتُحسّ كما تُفهم.
وحين نتحدث عن الشعر والإلقاء، فإننا نتحدث عن العربي الذي عرف الكلمة، وهو يجلّ الصوت ويراه حاملاً للمعنى وظلّ الإلقاء في وعيه الجمعي أكثر من مجرد أداء، بل هو فنّ ينهض بالكلمة إلى الحياة، ويمنحها من روحه وقسماته ما يجعلها تعيش في المخيّلة كما لو كانت مشهَداً مجسّداً لا قولاً عابراً، فارتبط الشعر بالإلقاء منذ الجاهلية، حين كان الشاعر يُسمع قومه في السوق أو على مشارف الحرب، فتخفُت الأصوات لتُصغي إلى صوت القصيدة.
لكن الإلقاء لم يبقَ على حاله، فقد تحوّل فنّاً له أساليبه وقواعده ولم يعد مجرد ترتيل، بل صار بناءً سمعيّاً بصريّاً يشترك فيه النَفَس والنَبرة والحركة والنظر وأصبح الشاعر أو المؤدي مطالباً بأن يكون صوتاً وجسداً في آن، يُفعّل النص وينقله من صفحته الجامدة إلى فضائه المسرحي، لا ليقرأه فقط، بل ليعيشه على المسرح وبين الناس، حتى أصبح الإلقاء بوابةً كبرى لعودة الشعر إلى صميم الحياة.
إن مسرحة القصيدة لم تأتِ من فراغ، بل كانت استجابةً لتحوّلات التلقّي وسعياً إلى تجديد العلاقة بين النص والجمهور، فالمسرح بوصفه فضاءً حيّاً والقصيدة بوصفها طاقةً جماليّةً، اجتمعا في ما يُعرف اليوم ب«مسرحة القصيدة»، حيث لا تُقرأ القصيدة من الورق، بل تُنطق بروح الممثل وتُقدّم بأداء يعانق الضوء والصوت والحركة.
وفن الإلقاء هنا لا ينفصل عن القواعد الفنية التي تشكّله، فهو يرتكز على علم الأصوات والنبر والتنغيم والوقف والتلوين الصوتي، فأصبحت القصيدة تتقمّص ذاتها وتُعيد إنتاج نفسها عبر الجسد الحيّ، فتكتب وهي تُفكّر في خشبة المسرح، فيصير الشاعر مؤدياً، والمؤدي شاعراً والقصيدة مشهداً.
ومن ثم فإن الإلقاء ليس فنّاً شكليّاً، بل إعادة بعثٍ لروح الشعر ومتى اجتمع الشعر مع المسرح، خرجت القصيدة من عزلتها ولذلك أقول: لا بد من هزة شعرية توقظ المتلقي من نعاس الرتابة.
[email protected]