الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
أندرس آسلوند
أحدث مقالات أندرس آسلوند
10 نوفمبر 2013
أزمة أوكرانيا مع الاتحاد الأوروبي

إن أكثر قرارات الاتحاد الأوروبي أهمية هذا الخريف يتعلق باتخاذ القرار بشأن التوقيع على اتفاقية الشراكة مع أوكرانيا في إطار قمة الاتحاد الأوروبي في فيلنيوس في الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني . وسوف يتوقف الأمر على ما إذا كان الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش سوف يستوفي شرطاً بالغ الأهمية: العفو الكامل عن السجينة السياسية ورئيسة الوزراء السابقة يوليا تيموشينكو .

تقضي اتفاقية الشراكة التي تتألف من 1200 صفحة، بإلغاء كل التعريفات الجمركية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على السلع الأوكرانية، وتعزيز الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في الأمد البعيد بنسبة تقدر بنحو 12% . وسوف تؤسس الاتفاقية أيضاً خطة إصلاح سياسية واقتصادية وقانونية للبلاد، بدعم من نحو ستين من الهيئات الحكومية في بلدان الاتحاد الأوروبي .

وبرغم أن اتفاقية الشراكة لا تؤدي تلقائياً إلى الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، فإنها تشكل خطوة مهمة في ذلك الاتجاه . وبموجب معاهدة روما، فإن أوكرانيا مؤهلة باعتبارها دولة أوروبية كعضو محتمل في الاتحاد الأوروبي . ولكنها لابد أن تلبي معايير كوبنهاغن التي أقرها الاتحاد الأوروبي في عام ،1993 والتي تحدد المعايير الأساسية للدخول .

وتلبي الدولة المرشحة معايير كوبنهاغن عندما تحقق استقرار المؤسسات التي تضمن الديمقراطية، وسيادة القانون، وحقوق الإنسان، واحترام وحماية الأقليات؛ ويصبح بوسعها ضمان وجود اقتصاد السوق الفعّال والقدرة على التعامل مع المنافسة وقوى السوق؛ وتتمتع بالقدرة الإدارية والمؤسسية الكافية لتبني وتنفيذ قانون الاتحاد الأوروبي، التعهد باحترام التزامات العضوية . والطريق لا يزال طويلاً أمام أوكرانيا قبل أن تحقق كل هذا، ولكن التوقيع على اتفاقية الشراكة من شأنه أن يمهد الطريق إلى محادثات الانضمام، في حين يساعد أيضاً على خلق فرص اقتصادية هائلة .

والبديل بالنسبة لأوكرانيا هو الانضمام إلى الاتحاد الجمركي الذي تهيمن عليه روسيا والذي يضم بيلاروسيا وكازاخستان . وسوف تتطلب العضوية التزام أوكرانيا بمضاعفة التعريفات الجمركية على الواردات من الاتحاد الأوروبي، بتكاليف سنوية تعادل 4% من الناتج المحلي الإجمالي؛ ولن يضمن لها ذلك التجارة الحرة بين أعضاء الاتحاد (تطبق روسيا بالفعل عقوبات تجارية ضد بيلاروسيا وكازاخستان) . وبالتالي فإن الاتحاد الجمركي يبدو أكثر قليلاً من مغامرة إمبراطورية روسية جديدة .

ومن غير المستغرب أن يكرر يانوكوفيتش باستمرار الحديث عن تفضيله لاتفاقية الشراكة . فمستقبله السياسي قد يعتمد عليها . ويؤكد مستشاروه واستطلاعات الرأي الأخيرة أن فشله في التوقيع على الاتفاق يعني خسارته في الانتخابات الرئاسية في مارس/آذار 2015 .

والواقع أن الحسابات الانتخابية صارخة . ففي حين قد يفضل 40% من الأوكرانيين، المقيمين أساساً في معقل يانوكوفيتش الانتخابي في شرقي وجنوبي البلاد، الانضمام إلى الاتحاد الجمركي، فإن 60% من الناخبين يرون مستقبلهم مع أو داخل الاتحاد الأوروبي . وحتى إذا لجأ إلى التزوير الانتخابات على نطاق واسع (وهو ما لن يجعله شخصاً مقبولاً في بروكسل)، فإن يانوكوفيتش لن يفوز بأغلبية إلا بشق الأنفس .

ولا يحتاج يانوكوفيتش إلى استمالة الأصوات المتأرجحة فحسب . فالنخبة القوية من أنصار حكم القِلة تنظر أيضاً باتجاه الغرب وليس الشرق لتعزيز أعماله التجارية . وقد سئم كثيرون الفرض التعسفي للحواجز التجارية التي تؤثر في سلع تتراوح بين الشوكولاته والأنابيب الفولاذية في أسواقهم السوفييتية السابقة . أما أسواق الاتحاد الأوروبي فهي على النقيض من ذلك تعتبر أكبر حجماً، بل وأكثر أماناً .

ومن المؤكد أن التدخلات من قِبَل موسكو ساعدت على تركيز العقول في كييف . فقد كانت الحرب التجارية الوجيزة التي شنتها روسيا في أغسطس/آب سبباً في إفزاع يانوكوفيتش إلى الحد الذي دفعه إلى التعهد بتلبية أحد عشر من الشروط القانونية والسياسية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي . وهذا يتطلب أن تسارع أوكرانيا إلى إصلاح نظامها القضائي ومؤسسات إنفاذ القانون، وأن تضمن قدراً أعظم من الالتزام بالقواعد الديمقراطية . وحالياً، يدرس البرلمان خمسة عشر مشروع قانون لترسيخ هذه الأسس، وكل هذه المشاريع تحظى بالدعم الكامل من أحزاب المعارضة الرئيسية .

ولكن تلبية يانوكوفيتش لمطالبة الاتحاد الأوروبي له بإصدار قرار بالعفو عن تيموشينكو التي خسرت الانتخابات الرئاسية في عام 2010 بهامش ضئيل، قد تكون أشد صعوبة . فقد تم إلقاء القبض على تيموشينكو في أغسطس/آب ،2011 وبعد ما اعتُبِر على نطاق واسع محاكمة صورية، صدر الحكم ضدها بالسجن لمدة سبع سنوات بتهمة إساءة استغلال السلطة (ولو أنها لم تتهم بتحقيق استفادة شخصية) في إبرام صفقة للغاز الطبيعي مع روسيا في عام 2009 .

وقد تقدمت لجنة معينة من قِبَل الاتحاد الأوروبي وتضم الرئيس البولندي السابق ألكسندر كفاسنيفسكي ورئيس البرلمان الأوروبي السابق بات كوكس باقتراح بحل هذه المعضلة . فبطلب من اللجنة، يصدر يانوكوفيتش قراراً بالعفو عن تيموشينكو، والسماح لها بالسفر إلى ألمانيا لأسباب طبية .

وقد قبلت تيموشينكو الاتفاق؛ ولكن يانوكوفيتش رفضه . فهو يريد بدلاً من قرار العفو الحصول على موافقة البرلمان على قانون يسمح لتيموشينكو بالذهاب إلى ألمانيا للعلاج، ولكن شريطة أن تستكمل مدة عقوبتها بالسجن في حال عودتها إلى أوكرانيا .

ويقول الاتحاد الأوروبي إن هذه الشروط غير مقبولة . ذلك أن الإذعان لسجن تيموشينكو سياسياً ينافي أسس المعايير القانونية والديمقراطية التي يدعي الاتحاد الأوروبي أنه يمثلها . وأي إصلاح قانوني لاحق في أوكرانيا سوف يبدو فارغاً من مضمونه .

ويرى البعض أن الاتحاد الأوروبي لابد أن يخفف من شروطه: فلا ينبغي لمسألة تتعلق بشخص واحد، برغم أهميته، أن تحول دون تحقيق أوكرانيا لهدفها في مستقبل أفضل . ولكن بعيداً عن كون هذه القضية مسألة منفردة، فإن حالة تيموشينكو تكشف عن خلل أكثر عمقاً . فحتى الآن، يحاول تيموشينكو تعديل القواعد الضريبية من أجل تنحية فيتالي كليتشكو الذي يتمتع بشعبية كبيرة، والذي كان بطلاً في رياضة الملاكمة ومقيماً في ألمانيا سابقاً، ومنعه من التأهل للترشح لمنصب الرئيس . والواقع أن ما تتسم به أوكرانيا في عهد يانوكوفيتش من فساد وغياب القانون لابد أن يحفز الاتحاد الأوروبي على التمسك بنص وروح شروطها .

إن الوقت ليس في مصلحة يانوكوفيتش . فسوف يصدر مجلس الوزراء الأوروبي قراره النهائي في الثامن عشر من نوفمبر/تشرين الثاني . وإذا لم يكن يانوكوفيتش قد أصدر قراره بالعفو عن تيموشينكو حتى ذلك الوقت، فبوسع الاتحاد الأوروبي، كما اقترح عضو البرلمان الأوروبي عن بولندا جاسيك ساريوز ولسكي، أن ينتظر حتى يأتي رئيس أوكراني يعلي قيم الاتحاد الأوروبي . وبهذا يكون يانوكوفيتش هو الذي يحول دون أوكرانيا والطريق إلى مستقبل أفضل .

#183; كبير زملاء معهد بيترسون للاقتصاد الدولي

#183; والمقال ينشر بترتيب مع بروجيكت سنديكيت

1 سبتمبر 2012
عصا بوتين من دون جزرة

لقد أظهرت روسيا نفسها بمظهر المُفسِد الدولي بدعمها الحماسي للرئيس السوري بَشار الأسد . ويعكس التناقض الواضح بين هذا وسياستها الحميدة في التعامل مع مسألة ليبيا في العام 2011 مدى تغير السياسة الخارجية الروسية مع عودة فلاديمير بوتين إلى الكرملين . فعلى صعيد السياسة الخارجية على الأقل، كان الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف أكثر أهمية من المتصور بين عامة الناس . لقد استأنفت روسيا سياستها المعادية للولايات المتحدة التي انتهجتها أثناء الفترة 2007-،2008 والتي بلغت ذروتها في حرب خاضتها ضد جورجيا في أغسطس/ آب 2008 . ومن عجيب المفارقات أن روسيا هي المتضرر الأكبر من هذه النزعة القتالية، لأنها تنفّر الجميع باستثناء الدول المنبوذة دولياً مثل سوريا وفنزويلا وبيلاروسيا . وحتى في الاتحاد السوفييتي السابق، تسعى كل الدول تقريباً إلى التجارة والأمن مع أي جهة غير روسيا، لأن بوتين يستخدم كل العصي ولكن من دون تقديم أي جزرة . وتدور أدواته السياسية الرئيسة الثلاث في التعامل مع دول ما بعد العصر السوفييتي في الاتحاد الجمركي الذي ينطوي عليه الاتحاد الأوراسي الذي اقترحه، وشركة غازبروم، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي . وكل من هذه الأدوات الثلاث ترهب الدول المجاورة لروسيا، في حين لا تستفيد أي دولة منها، الأمر الذي يجعلها أمام القليل من الأسباب التي قد تحملها على التعاون مع روسيا .

والآن تتلخص أولى أولويات بوتين في إقناع أكبر عدد ممكن من البلدان بالانضمام إلى الاتحاد الجمركي، ولكن حتى الآن لم ينضم إليه غير بيلاروسيا وكازاخستان . وتحدد بيلاروسيا ثمناً باهظاً لانضمامها، فقد طالبت بعملية إنقاذ لا تقل عن 20 مليار دولار في العام الماضي، في حين تلزم الجغرافيا كازاخستان بالتعايش مع روسيا . ولكن دول ما بعد الاتحاد السوفييتي تقاوم، لأن الاتحاد الجمركي مع روسيا من شأنه أن يرغمها على رفع رسومها الجمركية، وهو ما من شأنه أن يعرقل تجارتها مع الدول الأخرى .

ولو كانت روسيا جادة بشأن التكامل الاقتصادي، فإنها كانت تعمل على تشجيع وتعزيز اتفاقيات التجارة الحرة لتسهيل التجارة في الاتجاهات كافة . والواقع أن روسيا أطلقت في أكتوبر/ تشرين الأول 2011 اتفاقية تجارة حرة جديدة متعددة الأطراف شبيهة بهذا في فضاء ما بعد الاتحاد السوفييتي، ولكن نظراً للمساعي الحثيثة التي يبذلها الكرملين لإنشاء الاتحاد الجمركي، فلم يوقع على الاتفاقية سوى بيلاروسيا وأوكرانيا، الأمر الذي يجعل قيمتها موضع شك .

وتعكس معارضة دول آسيا الوسطى للاتحاد الجمركي مع روسيا تنامي تجارتها مع الصين . وفي أوروبا، تفضل مولدوفا وأوكرانيا ودول القوقاز إبرام اتفاقات التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي، وهو ما يحاول الاتحاد الجمركي استباقه . فضلاً عن ذلك فإن الاتحاد الجمركي يكاد يجعل من المستحيل بالنسبة إلى روسيا أن تبرم أي اتفاقية للتجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي .

ومن ناحية أخرى، فإن غازبروم، وهي واحدة من أدوات السياسة الخارجية التي تستعين بها روسيا، ربما تكون الشركة الأسوأ إدارة على مستوى العالم . ففي العام الماضي، قيم مصرفيون استثماريون خسائر الشركة عبر إهدار المال والموارد والفساد بما لا يقل عن 40 مليار دولار، وهو المستوى من سوء السلوك الذي دفع أسعار أسهمها إلى الهبوط إلى أدنى المستويات . وتتلخص السياسة التي تنتهجها غازبروم في تهديد الدول المتعاملة معها بزيادة الأسعار ووقف التسليم إلى أن تفرض سيطرتها بالكامل على شبكات خطوط أنابيب الغاز لدى هذه الدول . لقد حكم بوتين الشركة بقبضة من حديد سواء بوصفه رئيساً للدولة أو رئيساً للوزراء . ولا يقتصر سوء الإدارة على النواحي المالية فقط، ففي أوائل عام ،2009 عندما عجزت غازبروم عن بيع كل إنتاجها من الغاز لأوروبا بسبب الركود، سعت إلى قطع إمداداتها من آسيا الوسطى . ولقد فعلت هذا بشكل مفاجئ ومن دون سابق إنذار، الأمر الذي أدى إلى انفجار خط الأنابيب القادم من تركمانستان .

وفي ظل هذه الظروف، لا يستطيع حتى يانوكوفيتش، الذي يحكم بطريقة بوتين، أن يكون موالياً لروسيا . ولأن بوتين لا يعرض على أوكرانيا أي شيء، فقد خفضت أوكرانيا مشترياتها من الغاز من روسيا إلى أدنى مستوى ممكن وخفضت مستوى جميع علاقاتها الثنائية الأخرى معها . وتمر مولدوفا بمأزق مماثل، فعلى الرغم من تخليها عن السيطرة على خطوط أنابيب الغاز لديها لمصلحة غازبروم، فإنها لا تزال تدفع ثمناً ربوياً في وجه المطالب الروسية بانضمامها هي أيضاً إلى الاتحاد الجمركي . وليس من المستغرب أن تكون مولدوفا، وهي واحدة من أكثر دول ما بعد العصر السوفييتي ديمقراطية، راغبة في إبرام اتفاقية تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي للهروب من تقلبات سياسة بوتين . منذ العام ،1992 تحاول روسيا بناء أداتها الأخرى الرئيسة في السياسة الخارجية، وهي منظمة معاهدة الأمن الجماعي، باعتبارها بديلاً لمنظمة حلف شمال الأطلسي، ولكن عضويتها ظلت لسنوات تتألف من ست دول فقط روسيا وأقرب حليفين إليها، بيلاروسيا وكازاخستان، إضافة إلى ثلاث دول فقيرة وغير آمنة (أرمينيا، وقيرغيزستان، وطاجيكستان) . وفي العام ،2006 أقنع الكرملين أوزباكستان بالانضمام، ولكن بعد قيام بوتين بزيارة طشقند في أوائل شهر يونيو/حزيران، علق الرئيس إسلام كريموف عضوية بلاده . وتظل منظمة معاهدة الأمن الجماعي مجرد تحالف على الورق لا يشكل أي أهمية عسكرية .

إن السياسة التي ينتهجها الكرملين في التعامل مع فضاء ما بعد الاتحاد السوفييتي لا معنى لها، لأن روسيا لا تكسب منها شيئاً . ويبدو أن بوتين يأمل في إثارة المشاعر القومية من أجل تعزيز قبضته الضعيفة على السلطة في الداخل . ولكن المشكلة بالنسبة إليه هي أن الروس لم يعد من السهل خداعهم .

* كبير زملاء معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، والمقال ينشر بترتيب مع بروجيكت سنديكيت