الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
د. عبدالله بلحيف النعيمي
رئيس المجلس الاستشاري في الشارقة
أحدث مقالات د. عبدالله بلحيف النعيمي
14 أبريل 2026
مضيق هرمز بين التفسيرات الإعلامية والقانون الدولي

د. عبدالله بلحيف النعيمي
شهد مضيق هرمز في الآونة الأخيرة كثرة في الطروحات الإعلامية وتعدد الاجتهادات التي تراوحت بين ما هو صائب وما هو بعيد عن الدقة، حتى غدا المضيق محوراً لتأويلات متسارعة لا تستند دائماً إلى الإطار القانوني الدولي أو إلى قراءة تاريخية راسخة. وزاد من هذا الالتباس أن بعض وسائل الإعلام عمدت إلى إجراء مقارنات بين مضيق هرمز ومضائق أخرى تختلف عنه جذرياً في طبيعتها القانونية، ولا سيما تلك التي تخضع لاتفاقية مونترو مثل البوسفور والدردنيل. 
ونظراً لانتشار هذه المقارنات، كان من الضروري توضيح الفوارق الجوهرية بينها، وبيان ما ينطبق وما لا ينطبق على كل مضيق، بما في ذلك حقيقة أن مضيق هرمز لا تنطبق عليه قاعدة الحدود الساحلية البالغة 12 ميلاً بحرياً؛ لأن الممرات الملاحية تقع بالكامل داخل المياه الإقليمية للدول الساحلية، ومع ذلك يخضع لحق المرور العابر الذي يتجاوز هذا القيد. 
ومن هذا المنطلق، رأيت من المهم تقديم قراءة تحليلية تستند إلى خبرتي كمسؤول إماراتي سابق كنت معنياً بملف النقل البحري، وإلى ما تطرحه المنظمة البحرية الدولية من مبادئ واضحة بشأن حرية الملاحة وحقوق العبور في المضائق الدولية.
وقد أكدت المنظمة البحرية الدولية في بيانها الصادر في 16 مارس/آذار، أن انتهاك حرية العبور في مضيق هرمز يمثل إخلالاً بالقانون البحري الدولي، مشددة على أن المضيق يخضع لنظام المرور العابر الذي لا يجوز تعطيله أو تقييده بإجراءات أحادية. كما دعت المنظمة إلى احترام قواعد الملاحة الدولية، وإلى حماية السفن التجارية والبحّارة، وإلى الامتناع عن أي ممارسات من شأنها تهديد سلامة النقل البحري أو استقرار التجارة العالمية. ويأتي هذا الموقف في سياق دولي يزداد فيه الاعتماد على الممرات البحرية الحيوية، ويزداد معه خطر التفسيرات غير الدقيقة التي قد تؤثر في فهم الرأي العام لطبيعة هذه المضائق.
يمثّــل مضيــق هرمـــز المنفـذ البحــري الرئيســي للخليج العربي نحو المحيط الهندي، ويمــر عبره مــا يقارب خمس تجارة النفط العالمية، ما يجعله شرياناً لا غنى عنه للاقتصاد العالمي. يبلغ عرضه عند أضيَق نقطة بين 33 و39 كيلومتراً، بينما لا تتجاوز الممرات الملاحية المنظمة ستة كيلومترات. ورغم أن هذه الممرات تقع داخل المياه الإقليمية لإيران وعُمان، فإن القانون الدولي يمنح السفن حق المرور العابر، وهو حق لا يمكن تعليقه حتى في أوقات التوتر، ما يجعل المضيق ممرّاً دولياً بحكم الاستخدام والضرورة، لا بحكم خروجه من السيادة الساحلية. لذلك فإن السيادة على المضيق هي مسؤولية دولية وحماية الحركة فيه دور أممي خالص.
وقد عرفت الجغرافيا العربية والإسلامية هذا المضيق بعدة تسميات تعكس دوره التجاري وصلته بالموانئ الكبرى في الخليج، من أبرزها باب السلام، باب البصرة، باب البحر، بحر مكران، وبحر فارس. وردت هذه الأسماء في مؤلفات الجغرافيين العرب مثل ابن خرداذبه، ابن حوقل، اليعقوبي، الإدريسي، وياقوت الحموي، في سياق وصف طرق الملاحة بين الهند وبلاد الرافدين. أما الاسم الحديث “هرمز” فيرتبط بمملكة هرمز التي ازدهرت بين القرنين العاشر والسادس عشر، وقد تبنّى البرتغاليون هذا الاسم المحلي خلال سيطرتهم على الجزيرة عام 1515، ما أسهم في نشره عالمياً عبر الخرائط الأوروبية دون أن يكونوا أول من أطلقه.
وعلى النقيض من ذلك، يمثّل مضيق البوسفور نموذجاً لمضيق تتحكم به دولة ساحلية ضمن إطار قانوني دولي محدد. فهو يربط البحر الأسود ببحر مرمرة وتتحكم فيه تركيا بالكامل، ويخضع لاتفاقية مونترو لعام 1936 التي تنظّم مرور السفن التجارية وتفرض قيوداً واضحة على السفن الحربية، وتمنح تركيا صلاحيات واسعة في زمن الحرب أو عند تعرضها لتهديد مباشر. وينطبق الأمر ذاته على مضيق الدردنيل، ما يجعل هذين المضيقين حالة قانونية مختلفة تماماً عن مضيق هرمز الذي لا يخضع لأي اتفاقية خاصة، بل لأحكام قانون البحار العامة.
أما مضيق ملقا، الواقع بين ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة، فيُعد أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم، ويمثل محوراً رئيسياً للتجارة الآسيوية. ورغم أهميته، لا يخضع لنظام المرور العابر، بل لإدارة مشتركة بين الدول الثلاث، مع تحديات أمنية أبرزها القرصنة. ويأتي باب المندب بوصفه بوابة البحر الأحمر نحو المحيط الهندي، ونقطة اختناق حيوية للتجارة بين أوروبا وآسيا، وتنبع حساسيته من الاستقرار الإقليمي أكثر من الإطار القانوني؛ إذ يخضع لمبادئ الملاحة الدولية العامة دون اتفاقية خاصة.
وتكشف المقارنة بين هذه المضائق أن مضيق هرمز يتميز بتركيبة فريدة تجمع بين الأهمية الاقتصادية العالمية، والضيق الجغرافي، ومرور السفن داخل مياه إقليمية، مع خضوعه لنظام قانوني يضمن حرية الملاحة. أما البوسفور والدردنيل وملقا وباب المندب، فلكل منها خصوصيته القانونية والسياسية التي تحدد طبيعة التحكم فيه ودوره في النظام البحري الدولي. وتبقى هذه المضائق، على اختلافها، نقاطاً حاكمة في توازنات الجغرافيا السياسية، ومؤشرات حساسة على استقرار النظام الاقتصادي العالمي، ما يجعل العودة إلى القانون والتاريخ ضرورة لفهم حاضرها ومستقبلها بعيداً عن ضجيج التفسيرات الإعلامية.

4 أبريل 2026
رؤية المثقف العربي في مستقبل العلاقة الخليجية الإيرانية

د. عبدالله بلحيف النعيمي

في لحظات التحوّل الكبرى، حين تتبدّل خرائط القوة وتُعاد صياغة موازين الإقليم، يجد المثقف العربي نفسه أمام مسؤولية مضاعفة: مسؤولية قراءة المشهد بعمق، وتجاوز الضجيج الآني، والبحث عن جذور العلاقة قبل فروعها، وعن مسارات المستقبل قبل أن تتضح معالمه. ولعلّ العلاقة الخليجية-الإيرانية، بعد الحرب التي عصفت بالمنطقة، تمثل أحد أهم الملفات التي تحتاج إلى قراءة هادئة، لا تنجرّ إلى الانفعال، ولا تستسلم لسطحية التحليل.
فالعلاقة بين الخليج وإيران ليست علاقة طارئة، ولا هي وليدة لحظة سياسية عابرة. إنها علاقة صنعتها الجغرافيا قبل السياسة، وشكّلتها المصالح قبل الشعارات، وأثقلتها التوترات قبل أن تُخفّفها محاولات التهدئة. ومن هنا، فإن النظر إلى مستقبلها يتطلب فهماً دقيقاً لماضيها، وإدراكاً واعياً لما أفرزته الحرب من حقائق جديدة.
منذ عقود طويلة، ظل الخليج وإيران يعيشان حالة من التوازن القلق. فالجغرافيا فرضت الجوار، لكن السياسة صنعت التنافس. وفي كل مرحلة تاريخية، كانت العلاقة تتأرجح بين الانفتاح الحذر والتوتر الصريح.
شهدت المنطقة محطات تقارب، لكنها لم تكن كافية لبناء ثقة مستدامة. وشهدت كذلك محطات صدام، لكنها لم تصل إلى حد القطيعة الكاملة. وبين هذا وذاك، ظل الخليج ينظر إلى إيران بوصفها قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها، بينما ظلت إيران تنظر إلى الخليج بوصفه ساحة نفوذ لا يمكن التنازل عنها.
ومع ذلك، فإن السنوات التي سبقت الحرب حملت محاولات جادة لخفض التوتر. فقد سعت دول الخليج إلى فتح قنوات حوار مع طهران، إدراكاً منها بأن الاستقرار الإقليمي لا يتحقق إلا عبر التفاهم. لكن الحرب الأخيرة كشفت هشاشة تلك التهدئة، وأظهرت أن الحوار، مهما كان ضرورياً، لا يكفي وحده لضمان الأمن.
لا يمكن لأي قراءة جادة للعلاقة الخليجية–الإيرانية أن تتجاوز ملف الجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى، طنب الصغرى، وأبو موسى. فهذا الملف ليس تفصيلاً جغرافياً، بل هو قضية سيادة تمسّ وجدان الإمارات والخليج كله.
ففي 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1971، وقبل يومين فقط من إعلان قيام دولة الإمارات، فرضت إيران سيطرتها على الجزر الثلاث. ومنذ ذلك التاريخ، ظلّت الإمارات ثابتة على منهج واضح: التمسك بالحق التاريخي والقانوني، والدعوة إلى حل سلمي عبر المفاوضات أو التحكيم الدولي، ورفض فرض الأمر الواقع بالقوة.
وتكتسب الجزر أهمية استراتيجية بالغة، إذ تمنح من يسيطر عليها قدرة على مراقبة حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب ثلث تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً.
إن هذا الملف، بما يحمله من رمزية وسيادة، سيظل عنصراً أساسياً في أي قراءة مستقبلية للعلاقة بين الجانبين.
ووفقاً لبيانات منشورة في تقارير خليجية ودولية، فقد شهدت دول الخليج 4,391 هجوماً منذ 28 فبراير 2026، كان نصيب الإمارات منها 2,156 هجوماً، أي ما يقارب نصف الهجمات المسجّلة، وشملت الهجمات صواريخ باليستية وصواريخ كروز وطائرات مسيّرة، واستهدفت موانئ حيوية ومنشآت نفطية ومطارات مدنية ومناطق سكنية.
هذه الأرقام لا تُستخدم لإدانة، بل لفهم حجم التحدي الذي واجهته دول الخليج، وإدراك أن مرحلة ما بعد الحرب لا يمكن أن تُبنى على افتراضات قديمة.
المثقف العربي، حين يتأمل مستقبل العلاقة الخليجية–الإيرانية، لا ينطلق من موقع الخصومة ولا من موقع التبرير، بل من موقع الفهم. والفهم هنا يعني إدراك أن المنطقة مقبلة على مرحلة إعادة تشكيل، وأن الحرب لم تكن نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة.
من المتوقع أن تتجه دول الخليج إلى سياسة أكثر براغماتية، لكنها براغماتية بلا أوهام. فلا قطيعة كاملة مع إيران، لأن القطيعة مستحيلة، ولا ثقة كاملة، لأن الثقة تحتاج إلى سنوات طويلة من السلوك المتزن.
ستبقى العلاقة محكومة بمبدأين: الردع حين يلزم، والتواصل حين يفيد. الحرب دفعت دول الخليج إلى إعادة تقييم منظومتها الأمنية، إذ من المتوقع أن نشهد: تعزيزاً للدفاعات الجوية والصاروخية، وتنويعاً لمصادر التسليح،
وتعاوناً خليجياً أعمق في المجال الدفاعي، وربما بناء منظومة ردع مشتركة تتجاوز التنسيق التقليدي.
إيران نفسها ستخرج من الحرب بواقع جديد. فقد تراجعت قدراتها الاقتصادية، وتعرضت بنيتها الداخلية لضغوط كبيرة، لكنها لا تزال تمتلك أدوات تأثير إقليمي. وهذا يعني أن الخليج سيواجه إيران مختلفة، لكنها ليست ضعيفة بما يكفي لتغيير سلوكها، ولا قوية بما يكفي لفرض رؤيتها.
دور المثقف العربي اليوم ليس أن يصفق لطرف أو يهاجم آخر، بل أن يقدم رؤية تساعد على بناء مستقبل أكثر استقراراً. وهذه الرؤية تقوم على ثلاثة مبادئ: إن الأمن الإقليمي لا يُبنى بالقطيعة، بل بالتوازن، وإن الحوار لا يُغني عن الردع، والردع لا يُغني عن الحوار، وإن الخليج يمتلك اليوم من القوة ما يجعله شريكاً لا تابعاً في صياغة مستقبل المنطقة.
إن العلاقة الخليجية–الإيرانية بعد الحرب ليست صفحة تُطوى، بل فصل جديد يُكتب. والمثقف العربي، حين ينظر إلى هذا الفصل، يدرك أن المنطقة أمام فرصة لإعادة صياغة معادلة الأمن والاستقرار، وأن الحكمة الخليجية التي جنّبت المنطقة حروباً كثيرة ستظل هي البوصلة التي تقود المرحلة المقبلة.
فالجغرافيا لا تتغير، لكن السياسات يمكن أن تتغير، والتوتر ليس قدراً، بل نتيجة. والمستقبل، مهما بدا معقداً، يمكن أن يكون أكثر استقراراً إذا اجتمعت الإرادة والرؤية والقدرة.

10 فبراير 2026
السلام حين يصبح ضرورة مناخية

لم تعد الحروب في عالم اليوم شأناً سياسياً فحسب، ولا حدثاً عابراً في جغرافيا متوترة، فالحرب الروسية‑الأوكرانية، التي دخلت عامها الثالث، كشفت أن النزاعات المسلحة باتت عبئاً مناخياً لا يقل خطورة عن آثارها الإنسانية والاقتصادية. وفي هذا السياق، تبرز استضافة دولة الإمارات المساعي الدولية الرامية إلى وقف الحرب بوصفها خطوة تتجاوز حدود الوساطة السياسية إلى أفق أوسع، حيث يصبح السعي إلى السلام عملاً بيئياً بامتياز.
فالتقديرات الحديثة تشير إلى أن الحرب أنتجت خلال ثلاث سنوات ما يقارب 230 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وهو رقم يعادل الانبعاثات السنوية لأربع دول أوروبية مجتمعة. أما بعد ثمانية عشر شهراً من اندلاعها، فقد بلغت الانبعاثات نحو 150 مليون طن، أي ما يعادل انبعاثات دولة صناعية متوسطة مثل بلجيكا. هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات بيئية، بل هي شهادة على حجم الدمار الذي يطال الإنسان والطبيعة معاً.
وتتوزع هذه الانبعاثات على مصادر متعددة: الوقود العسكري الذي يشكل النسبة الأكبر، تدمير البنية التحتية وما يرافقه من إطلاق للكربون المختزن في مواد البناء، حرائق الغابات والأراضي الزراعية، والنزوح السكاني الذي يضاعف استهلاك الطاقة والنقل. غير أن المفارقة الأشد وضوحاً تكمن في أن إعادة الإعمار نفسها-وهي فعل حياة- ستكون مصدراً كبيراً للانبعاثات، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو ثلث الانبعاثات المسجلة في الفترة الأولى من الحرب مرتبط بعمليات إعادة البناء. وهذا يعني أن أثر الحرب المناخي سيظل ممتداً حتى بعد توقف القتال.
*البعد التاريخي والجغرافي.. لفهم جذور الأزمة:
لا يمكن قراءة المشهد الراهن بمعزل عن البعد التاريخي الذي يربط روسيا وأوكرانيا. فالعلاقة بين البلدين تمتد لقرون، تعود جذورها إلى دولة كييفان روس في العصور الوسطى، حين كانت كييف مركزاً سياسياً وثقافياً للدولة السلافية الأولى. ورغم هذا الإرث المشترك، تطورت الهوية الأوكرانية عبر مسار مستقل، واحتفظ الشعب الأوكراني بخصوصيته الثقافية والسياسية رغم تعاقب الإمبراطوريات.
ومع قيام الاتحاد السوفييتي في القرن العشرين، أصبحت أوكرانيا إحدى الجمهوريات الخمس عشرة المكوّنة للمنظومة السوفييتية، لكنها بقيت كياناً جمهورياً له مؤسساته وحدوده، وإن كان خاضعاً لسلطة مركزية في موسكو. وبعد انهيار الاتحاد عام 1991، حصلت أوكرانيا على استقلالها الكامل، لتبدأ مرحلة جديدة من بناء الدولة وتعزيز الهوية الوطنية، غير أن هذا التحول ترك وراءه ملفات سياسية وجغرافية معقدة أسهمت في تشكيل التوترات الحالية.
وتكتسب هذه الخلفية أهمية إضافية عند النظر إلى الموقع الجغرافي لأوكرانيا، فهي دولة تقع في قلب أوروبا الشرقية، وتعد جسراً بين الشرق والغرب، وتبلغ مساحتها نحو 603 آلاف كيلومتر مربع، ما يجعلها أكبر دولة أوروبية من حيث المساحة بعد روسيا. ويبلغ عدد سكانها قرابة 43 مليون نسمة قبل الحرب، موزعين على مدن صناعية وزراعية تشكل جزءاً مهماً من الأمن الغذائي الأوروبي. هذا الموقع، وهذه الكثافة، وهذا الإرث التاريخي، كلها عوامل تجعل من الحرب أكثر تعقيداً، ومن آثارها البيئية أكثر اتساعاً.
*الإمارات... دبلوماسية تربط الأمن المناخي بالأمن الجيوسياسي:
في ضوء هذه المعطيات، تكتسب الجهود الإماراتية بعداً يتجاوز إطارها السياسي. فالإمارات، التي رسخت حضورها العالمي في العمل المناخي واستضافت مؤتمرات كبرى مثل COP28، تدرك أن السلام ليس خياراً أخلاقياً فحسب، بل هو ضرورة بيئية. فوقف الحرب يعني عملياً وقف أحد أكبر مصادر الانبعاثات المفاجئة في العالم، وتجنب انبعاثات إعادة الإعمار التي قد تمتد لعقود، وحماية النظم البيئية في أوروبا من حرائق وتلوث طويل الأمد.
إن الربط بين الأمن المناخي والأمن الجيوسياسي لم يعد ترفاً فكرياً، بل أصبح شرطاً لفهم طبيعة التحديات التي يواجهها العالم. فالدول لا تستطيع أن تتحدث عن خفض الانبعاثات بينما تستنزفها الحروب، ولا يمكن للمجتمع الدولي أن يحقق أهدافه المناخية بينما تشتعل الصراعات في قلب القارة الأوروبية. ومن هذا المنطلق، تتحول الوساطة الإماراتية إلى مساهمة مباشرة في حماية المناخ العالمي، وإلى نموذج لدبلوماسية ترى أن الاستدامة تبدأ من إطفاء نيران النزاعات قبل إطفاء نيران المصانع.
إن استضافة الإمارات جهود وقف الحرب الروسية‑الأوكرانية ليست مجرد خطوة دبلوماسية، بل هي خطوة تحمل في جوهرها رسالة بيئية واضحة: أن حماية الكوكب تبدأ من حماية الإنسان، وأن السلام هو الطريق الأقصر نحو مستقبل أقل انبعاثاً وأكثر استدامة.

27 يناير 2026
صافي الانبعاثات.. الصفقة الاستعمارية الجديدة للجنوب العالمي

د. عبدالله بلحيف النعيمي

أصبح مفهوم صافي الانبعاثات أحد أكثر المفاهيم تأثيراً في سياسات المناخ الحديثة. فبعد أن كان مصطلحاً علمياً يشير إلى تحقيق التوازن بين الانبعاثات وعمليات الإزالة، تحوّل اليوم إلى إطار سياسي وأخلاقي يحدد شكل الاستجابة العالمية لأزمة المناخ.
وبالنسبة لإفريقيا والدول النامية(الجنوب العالمي) لم يعد صافي الانبعاثات هدفاً بيئياً فحسب، بل أصبح مدخلاً لمناقشة العدالة المناخية والتعويض عن الأضرار الناتجة عن قرن ونصف القرن من التلوث الصناعي خلال الثورة الصناعية.
تتناول هذه المقالة كيف ارتبط مفهوم صافي الانبعاثات بفكرة تعويض الدول الإفريقية عن الأضرار المناخية، ثم تناقش الجدل الدائر حول جدوى هذا المفهوم.
1- المسؤولية التاريخية: من لوّث يدفع؟
تُسهم إفريقيا بأقل من 4% من الانبعاثات العالمية التاريخية، رغم أنها تضم 17% من سكان العالم. ومع ذلك، فهي من أكثر المناطق تعرضاً لآثار تغيّر المناخ وأقلها قدرة على التكيف معه والتخفيف من أخطاره، نتيجة لمجموعة من الظواهر:
* موجات جفاف طويلة } فيضانات مدمّرة } تراجع الإنتاج الزراعي } تهديد الأمن الغذائي، في المقابل، قامت الدول الصناعية ببناء ثرواتها على استخدام الفحم والنفط والغاز منذ الثورة الصناعية.
ومع انتشار مفهوم صافي الانبعاثات، برز سؤال جوهري: إذا كان العالم يحتاج للوصول إلى صافي انبعاثات صفرية، فمن يتحمل كلفة هذا التحول؟ ومن يعوّض من تضرر بالفعل؟
هذا السؤال يستند إلى مبدأ «المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة» في اتفاقية الأمم المتحدة للمناخ.
2-صافي الانبعاثات يكشف فجوة التمويل الإفريقية:
يتطلب الوصول إلى صافي الانبعاثات استثمارات ضخمة في الطاقة الجديدة والمتجددة  والبنية التحتية المقاومة للمناخ والزراعة الذكية مناخياً وأنظمة الإنذار المبكر ومعالجة الخسائر والأضرار.
لكن إفريقيا تواجه تحديات مالية كبيرةفي ارتفاع كلفة الاقتراض ومحدودية الحيز المالي وأولويات تنموية ملحّة، وعدم القدرة على الاستفاده القصوى من مصادرها الطبيعية.
ورغم ذلك، ارتفع التمويل المناخي لإفريقيا من 29.5 مليار دولار في 2019-2020 إلى 43.7 مليار دولار في 2021-2022، أي بزيادة 48%. لكن هذا الرقم لا يزال بعيداً جداً عن احتياجات القارة، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن إفريقيا تحتاج إلى أكثر من 250 مليار دولار سنوياً لتمويل التكيف وحده.
3 - صندوق الخسائر والأضرار: الجسر المؤسسي للتعويض
شكّل إنشاء صندوق الخسائر والأضرار في COP27 (مصر) نقطة تحول تاريخية بعد أن رفضت بعض دول الجنوب العالمي الموافقة على البيان الختامي للمؤتمر.
فقد اعترفت الدول الصناعية لأول مرة بشكل صريح بأن بعض الأضرار المناخية لا يمكن التكيف معها كما أن الدول الأقل تسبباً في الأزمة تتعرض لأكبر الخسائر، والتعويض ضرورة وليس خياراً.
أ. الحجج المؤيدة لصافي الانبعاثات:
1. هدف علمي واضح:
تؤكد النماذج المناخية أن تزايد الاحترار العالمي يتوقف فقط عندما تصل الانبعاثات إلى صافي صفر. هذا يمنح العالم هدفاً محدداً بدلاً من شعارات «خفض الانبعاثات».
2. إطار عالمي موحّد: أصبح صافي الانبعاثات لغة مشتركة بين الحكومات والشركات والمؤسسات المالية.
3- فرصة لإفريقيا لتجاوز النموذج الصناعي القديم. يمكن لصافي الانبعاثات أن يفتح الباب أمام:
* استثمارات ضخمة في الطاقة المتجددة، وخلق وظائف جديدة تتماشى مع متطلبات المستقبل، وتحسين الوصول إلى الطاقة، وتطوير البنية التحتية.
4- أداة ضغط للمطالبة بالتعويض. يسمح لإفريقيا بالقول: من تسبب في الأزمة يجب أن يموّل الحل.
ب. المنطق المعارض لصافي الانبعاثات
1. قد يتحول إلى أداة لتأجيل العمل
تستخدم بعض الدول والشركات صافي الانبعاثات لتبرير استمرار التلوث اليوم مقابل وعود مستقبلية بالإزالة.
2. الاعتماد المفرط على التعويضات الكربونية.
الكثير من خطط صافي الانبعاثات تعتمد على مشاريع تعويض في إفريقيا، ما يثير أسئلة حول: قدرة الغابات الافريقيه على البقاء كعامل مساعد من خلال امتصاص ثاني أكسيد الكربون.
* حقوق المجتمعات المحلية* فاعلية المشاريع* العدالة المناخية
- الاعتماد على تقنيات غير ناضجة.
* خطر «الاستعمار الأخضر»
إذا استُخدمت أراضي إفريقيا لتعويض انبعاثات الآخرين دون مقابل عادل، يتحول صافي الانبعاثات إلى شكل جديد من الاستغلال، وهو نمط تعودت عليه القارة السمراء وواجهت سلبياته وتأثيراته الوخيمة
5- فجوة التمويل:
رغم الزيادة الأخيرة، لا يزال التمويل المناخي بعيداً عن احتياجات إفريقيا، كما تشير تقارير الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي
يبقى التحدي الأكبر أمام إفريقيا هو ضمان أن يتحول صافي الانبعاثات إلى أداة للعدالة لا إلى وسيلة جديدة للاستغلال أو صفقة استعمارية حديثة باسم صافي الانبعاثات (Net Zero).

13 يناير 2026
مسارات هادفة لنظام بيئي مستدام

د. عبدالله بلحيف النعيمي*

إن الطريق نحو مستقبلٍ خالٍ من الانبعاثات الصافية حافل بالخيارات العديدة، والحكمة تكمن في اختيار المسار الصحيح.
قالت عالمة الأنثروبولوجيا الثقافية الأمريكية مارغريت ميد: «لا تشكّ أبداً في أن مجموعة صغيرة من المواطنين المفكرين الملتزمين يمكنها تغيير العالم، فهي في الحقيقة القوة الوحيدة التي غيّرته».
وما أصدق ذلك! ففي عصرٍ يتسم بتسارع التحضّر وتفاقم تغيّر المناخ، بدأت اليقظة البيئية من الأفراد الذين بادروا باستكشاف استراتيجيات لصياغة مستقبل التنقل. وسرعان ما تحوّل الموضوع إلى قضية عالمية تهدف إلى خفض انبعاثات الغازات الدفيئة، وتحسين الصحة العامة وجودة الحياة. وتشير النتائج إلى أن المدن تشهد تحولاً جذرياً لبناء مساحات قادرة على التكيّف مع المناخ.
ومع إدراك أن النقل المستدام والتنقل الذكي لم يعودا خياراً بل ضرورة، تستثمر الدول في أنظمة أنظف وأكثر أماناً وأشد ذكاءً. ومن خلال إعطاء الأولوية للإنسان على المركبة، يعزز النظام البيئي النمو الشامل ويمضي نحو مستقبل أكثر استدامة. غير أن هذا التحول يتطلب إعادة تفكير جريئة في تصميم المدن.
إن العمود الفقري للتنمية المستدامة هو تعدد الأبعاد، ويشمل الحوكمة، ودمج التكنولوجيا، والبنية التحتية، والتصميم، ومصادر الطاقة المتجددة، وجميعها عناصر متساوية في الأهمية لتحقيق الأثر. وكما يُقال: الاستدامة ليست فقط في إلى أين نذهب، بل كيف نصل إلى هناك.
تضمن الحوكمة الفعّالة تنفيذ المبادرات على مختلف المستويات. ومن خلال إشراك أصوات المجتمع، وتلبية الاحتياجات المحلية، وبناء الثقة العامة، ينبغي أن يكون الهدف هو تحقيق التوازن بين حماية البيئة والازدهار الاقتصادي. وبينما تُعزّز التعاون بين الجهات الحكومية والمواطنين وأصحاب المصلحة، تبرز تحديات رئيسية مثل إصلاح السياسات، والميزانيات السليمة، وخصوصية البيانات وأمنها.
وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، شكّل قطاع النقل في عامي 2023–2024 ربع إجمالي الانبعاثات الكربونية العالمية، وأكثر من 65% من استهلاك النفط، و27% من استخدام الطاقة. وفي الواقع، تتحمل المركبات على الطرق وحدها ثلاثة أرباع انبعاثات النقل، بما يشمل مركبات الركاب ومركبات الشحن.
لذلك، يبقى توسيع النقل العام في المدن الكبرى أحد أكثر البدائل فاعلية لتقليل الازدحام والتلوث والاعتماد على المركبات الخاصة. وإذا خُطِّط له بشكل بنّاء ونُفِّذ بعدالة، يمكن للتنقل المستدام أن يخفض الانبعاثات ويعزز صحة الناس. وبما أن النقل العام يُصدر ملوثات أقل بكثير لكل كيلومتر-راكب مقارنة بالمركبات الخاصة، فإن تعزيز الوصول إلى القطارات والترام والحافلات هو الحل.
وقد طبّقت عدة مدن حول العالم مسارات النقل السريع بالحافلات (BRT) التي تضاهي خدمات المترو في السرعة والكفاءة. وبالمثل، تعتمد بعض المناطق بالكامل على أسطول من الحافلات الكهربائية، مدعومة بمحطات تنقل ذكية ومراكز ربط.
إن إنشاء واحات قابلة للمشي وصديقة للدراجات في قلب المدن يُعدّ عنصراً أساسياً في الاستدامة. فمن خلال تصاميم هادفة، تشجع أنماط حياة صحية في المجتمعات، وتدعم الاقتصادات المحلية، وتقلل الانبعاثات. والنتيجة هي ظهور مدن تتمحور حول الإنسان.
المدن التي تستثمر في مسارات الدراجات تشهد زيادة في عدد المستخدمين تتراوح بين 20–50% خلال السنة الأولى. وفي كوبنهاغن، يتنقل 62% من السكان يومياً بالدراجات، مدعومين بشبكة تتجاوز 390 كيلومتراً من المسارات المخصصة.
كما يقلل تطوير الأحياء متعددة الاستخدامات من الحاجة إلى السفر لمسافات طويلة، بينما تتيح الأرصفة الواسعة والمسارات المظللة بيئات مشي آمنة وشاملة. وإضافة الأشجار والنوافير والفنون العامة يجعل المشي أكثر متعة.
نظراً لمسؤولية قطاع النقل عن الانبعاثات، فإن التحول إلى الوقود منخفض الكربون والتنقل الكهربائي أمر بالغ الأهمية. وقد أدت الحوافز الحكومية إلى تسريع اعتماد المركبات الكهربائية حول العالم. كما توفر القطارات والحافلات العاملة بالهيدروجين سفراً بلا انبعاثات وبمدى طويل. وأصبحت التطبيقات التي تدمج النقل العام والدراجات الكهربائية والسكوترات وخدمات النقل التشاركي خيارات سلسة ومستدامة.
وفي عام 2024، بلغت مبيعات المركبات الكهربائية عالمياً 17.1 مليون مركبة. ومن هنا، فإن توسيع شبكات الشحن ودمج مصادر الطاقة المتجددة—مثل المظلات الشمسية في محطات النقل—أصبح ضرورة. كما أسهم إنشاء مناطق الانبعاثات المنخفضة في تحسين جودة الهواء في أكثر من 250 مدينة أوروبية.
التحديات التي تواجه استدامة النقل الذكي:
ورغم التقدم الكبير، فإن استدامة النقل الذكي تواجه مجموعة من التحديات التي تتطلب حلولاً مبتكرة، من أبرزها: تحديات البنية التحتية، عدم جاهزية بعض المدن لاستيعاب شبكات النقل الذكي، الحاجة إلى تحديث الطرق، الإشارات، مراكز التحكم، ومحطات الشحن، ارتفاع كلفة إنشاء البنية التحتية المتقدمة وصيانتها.
التحديات السلوكية والثقافية
* مقاومة بعض المجتمعات للتغيير أو التخلي عن المركبات الخاصة.
* الحاجة إلى حملات توعية لتعزيز ثقافة النقل المستدام.
بينما نرسم الطريق نحو مستقبل خالٍ من الانبعاثات الصافية، ينبغي أن يكون هدفنا تعزيز تنمية المجتمعات وانسجامها. وكما قالت جينيفر نيني، رئيسة تحرير Eco Warrior Princess: «لسنا فوق الطبيعة، بل نحن جزء منها».
*أستاذ التنمية المستدامة - الجامعة الأمريكية بالشارقة، رئيس المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة

30 ديسمبر 2025
غابات إفريقيا.. تعويضات الكربون ومعضلة التلميع الأخضر

د. عبدالله بلحيف النعيمي *

ونحن نقترب من نهاية عام 2025، نشرت مجلة «سينتيفيك ريبورتس» دراسة مميزة، هزّت أسس السياسات المناخية العالمية، ومعايير فهمنا لعمليات التمثيل الضوئي. قاد هذه الدراسة باحثون من المركز الوطني لرصد الأرض في جامعات ليستر، وشيفيلد، وإدنبرة، وكشفت أن غابات إفريقيا – التي طالما اعتُبرت مصارف حيوية للكربون – قد تحولت إلى مصادر لانبعاثه. وبين عامَي 2010 و2017، أطلقت هذه النظم البيئية كميات من ثاني أوكسيد الكربون تفوق ما امتصته، بما يعادل نحو 200 مليون طن، سنوياً.
هذا التحول المقلق يبرز هشاشة دفاعات الكوكب الطبيعية ضد تغيّر المناخ، ويثير أسئلة، عاجلة ومهمة، حول مصداقية آليات تعويض الكربون، خصوصاً تلك التي تروّج لها شركات النفط والطاقة، وبعض المؤسسات والهيئات التي تعنى بالبيئة والمناخ. فإذا كانت الغابات لم تعُد تمتص الكربون كما كان يُفترض، فهل يمكن للشركات أن تبرّر موازنة انبعاثاتها عبر شرائها، أو حمايتها؟
تعمل الغابات كمصارف للكربون عبر امتصاص ثاني أوكسيد الكربون من خلال عملية التمثيل الضوئي، وتخزينه في الكتلة الحيوية والتربة. وتاريخياً، لعبت الغابات الاستوائية الإفريقية – بخاصة حوض الكونغو – دوراً محورياً في استقرار المناخ العالمي. لكن الدراسة الجديدة أظهرت أن هذا التوازن قد اختل لعدة أسباب:
* إزالة الغابات: قطع الأشجار وتحويل الأراضي إلى الزراعة يقللان من الغطاء النباتي.
* الحرائق: سواء كانت طبيعية أو زراعية، فهي تطلق الكربون المخزّن بسرعة هائلة.
* التعدين والزراعة المتنقلة: تدمّر النظم البيئية وتمنع إعادة النمو.
* تدهور التربة: فقدان الغطاء النباتي يسرّع تحلل المواد العضوية وإطلاق الكربون.
* حدودية المعارف: نقص الدراسات والأبحاث العلمية التي تعنى بمدى تأثير العناصر النادرة في كفاءة التمثيل الضوئي. النتيجة هي فقدان سنوي يقارب 106 مليارات كيلوجرام من الكتلة الحيوية، ما يجعل الغابات مصدراً مقلقاً للانبعاثات، بدلاً من أن تكون حاجزاً لها.
للمقارنة، بلغت الانبعاثات العالمية من الوقود الأحفوري نحو 37.4 مليار طن من ثاني أوكسيد الكربون، في عام 2024. تمثل انبعاثات غابات إفريقيا نحو 0.5% من هذا الإجمالي.
تلجأ شركات النفط العالمية إلى تبرير استمرار اعتمادها على الوقود الأحفوري، عبر شراء تعويضات كربونية من الغابات، وفق مفهوم صافي الانبعاث الصفري. ويقوم هذا المنطق على ثلاث ركائز:
1. امتصاص الكربون: الغابات تمتص ثاني أوكسيد الكربون وتوازن الانبعاثات.
2. التوازن العالمي: بما أن تغيّر المناخ قضية عالمية، يمكن أن يحدث الامتصاص في أيّ مكان.
3. تمويل الحماية: الاستثمارات تُقدَّم كوسيلة لدعم التنوع الحيوي، والتنمية المحلية. لكن الدراسة الأخيرة التي نشرتها جريدة «الخليج»، تكشف هشاشة هذا المنطق، وضعف الحوكمة.
وتُظهر النتائج أن الغابات أصبحت مصدراً للانبعاثات، وبالتالي لا يمكن استخدامها كتعويضات موثوقة.
* خطر التلميع الأخضر: التعويضات تمنح الشركات صورة صديقة للبيئة من دون خفض فعلي للانبعاثات.
والتلميع الأخضر هو تقديم صورة بيئية إيجابية من دون تغييرات جوهرية.
وركّز مؤتمر الأطراف الثلاثين (COP30) الذي انعقد في البرازيل، عام 2025، على حماية الغابات كأولوية عالمية. لكن المؤتمر أيضاً أبرز دور أسواق الكربون، حيث تعهدت دول وشركات بمليارات الدولارات لشراء أرصدة الغابات.
هنا يظهر التناقض: بينما العلم يثبت أن غابات إفريقيا أصبحت مصدراً للانبعاثات، ما زالت السياسات تشجع على استخدامها كتعويضات. هذا الانفصال بين العلم والسياسة، يهدّد بتحويل التعهدات المناخية إلى مجرد أدوات علاقات عامة تسيّرها المؤسسات الدولية.
إذا كانت التعويضات الموعودة غير موثوقة، فما البديل؟ الحل يكمن في الانتقال من الحيل المحاسبية إلى التخفيضات الفعلية. وتشمل الخطوات:
* خفض استخدام الوقود الأحفوري: يجب أن تكون الأولوية للشركات، وربما البدء بغاز الميثان، كما جاء ضمن إعلان مؤتمر الأطراف 28، وتوصياته.
* الاستثمار في الطاقة المتجددة: مثل الشمس والرياح والهيدروجين.
* دعم الحماية الحقيقية للغابات: لأجل التنوع الحيوي والمجتمعات، لا لأجل حسابات الشركات.
* تشديد قواعد التعويضات: لضمان أن تكون إضافية وقابلة للتحقق ودائمة.
إن اكتشاف أن غابات إفريقيا أصبحت مصدراً صافياً للكربون هو جرس إنذار عالمي. فهو يكشف هشاشة الاعتماد على النظم البيئية كتعويضات للشركات، ويبرز مخاطر التلميع الأخضر، وما يتبعه من مخاطر، بيئية وإنسانية.

* أستاذ التنمية المستدامة - الجامعة الأمريكية بالشارقة، رئيس المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة