شيخة علي النقبي*
قال صاحب السمو الوالد الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، خلال افتتاح مزرعة الألبان في مليحة: «لو أُهين المواطن انكسرت التركيبة عندي».
وهي مقولة تختصر فلسفة قيادية عميقة، تؤكد أن كرامة المواطن ليست مسألة هامشية، بل ركيزة أساسية في استقرار المجتمع وتماسكه.
تحمل هذه الكلمات رسالة واضحة لكل من يتولى مسؤولية عامة أو إدارية، مفادها أن أي تجاوز لكرامة الإنسان لا يُعد خطأً فردياً معزولاً، بل خلل مؤسسي ينعكس على الثقة، والانتماء، والولاء الوطني. فالإهانة، مهما كانت بسيطة أو غير مقصودة، تترك أثراً يتجاوز الفرد إلى النسيج الاجتماعي بأكمله.
لقد رسّخ صاحب السمو حاكم الشارقة، الذي عرف بكونه ضمير الأمة العربية، نهجاً إنسانياً يضع المواطن في قلب السياسات العامة، ويؤكد أن التنمية الحقيقية تبدأ من احترام الإنسان وصون كرامته. ومن هذا المنطلق، يصبح السؤال مُلحاً:
هل تعكس ممارساتنا المؤسسية اليومية هذه الرؤية؟ وهل نترجمها سلوكاً وإجراءات، لا شعارات فقط؟
إن حفظ الكرامة لا يتحقق بالمجاملات أو الخطاب اللطيف وحده، بل يتجسد في العدالة في القرار، والشفافية في الإجراءات، والإنصاف في التقييم، والاحترام في أسلوب التعامل. كما يتجلى في القدرة على معالجة الأخطاء دون المساس بإنسانية الفرد، وفي الفصل بين المحاسبة والإهانة.
المؤسسات التي تنجح في أداء رسالتها هي تلك التي تُوازن بين النظام والإنسان، وبين اللوائح والرحمة، وتدرك أن السلطة تكليف ومسؤولية قبل أن تكون صلاحية. فالقائد الحقيقي لا يُقاس بصرامة قراراته، بل بعدالته، ولا بقوة نفوذه، بل بحكمته.
إن مقولة صاحب السمو حاكم الشارقة يجب أن تكون معياراً أخلاقياً نحتكم إليه في تقييم أدائنا المؤسسي، ودعوة صريحة لإعادة النظر في ثقافة العمل، وفي طريقة تعاملنا مع المواطن والموظف على حد سواء. فكرامة الإنسان ليست تفضّلاً، بل حق أصيل، وحمايتها واجب وطني.
وحين نضع كرامة المواطن في صميم ممارساتنا، فإننا لا نحفظ الفرد فقط، بل نصون الوطن، ونُرسّخ أسس الثقة، ونبني مؤسسات أكثر عدلاً وإنسانية واستدامة.
* عضو المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة
شيخة علي النقبي *
ليس كل طفل يتعلم بالطريقة ذاتها، وليس كل تعثر دراسي دليل ضعف أو تقصير. فهناك أطفال أذكياء، مبدعون، يملكون عوالم داخلية غنية، لكنهم يواجهون صعوبة في القراءة أو الكتابة أو التركيز أو التعبير. هؤلاء هم أطفال صعوبات التعلم، الذين لا يحتاجون إلى أحكام مسبقة، بل إلى فهــــم، واحتواء، وفرصة عادلة.
المؤلم في كثير من الحالات ليس وجود صعوبة التعلم، بل تأخر اكتشافها. فطفل لا يُفهم، قد يفقد ثقته بنفسه، وقد يتحول تفوقه الكامن إلى إحباط صامت. وهنا تصبح المسؤولية جماعية؛ تبدأ من الأسرة التي تلتقط الإشارات الأولى، وتنتقل إلى المدرسة التي تملك أدوات الرصد والتدخل، وتكتمل بالمجتمع الذي يجب أن يوفر بيئة داعمة لا تقصي ولا تُصنّف.
في خضم هذه الرحلة، يبرز الدور الإنساني العميق الذي يقوم به مركز الشارقة لصعوبات التعلم، حيث لا يُنظر إلى الطفل من زاوية العجز، بل من زاوية الإمكان. هناك تُمنح الأسر الطمأنينة، ويُمنح الأطفال الأمل، من خلال تشخيص علمي، وبرامج متخصصة، وأيدٍ مؤمنة بأن لكل طفل طريقته الخاصة في التعلم والنجاح.
ورغم هذه الجهود المضيئة، إلا أن الحاجة ما زالت أكبر من المتاح. فمراكز صعوبات التعلم المتخصصة لا تزال محدودة في عددها وانتشارها، وهو ما يضـــــع على عاتقنا جميعاً مسؤولية دعمهــا وتوسيع نطاقها، حتى لا يُترك أي طفل دون مساندة، أو أسرة دون إرشاد.
إن الاهتمام بأطفال صعوبات التعلم ليس شفقة، بل إيمان بالإنسان. هو إيمان بأن الاختلاف لا يعني النقص، وبأن الاستثمار الحقيقي يبدأ حين نمنح أبناءنا الفهم قبل التقييم، والاحتواء قبل المقارنة. فهؤلاء الأطفال، إذا ما وجدوا من يؤمن بهم، قد يكونون روّاد فكر، ومبدعين، وقادة الغد... وهم، بلا شك، جزء أصيل من مستقبل هذا الوطن.
* رئيسة لجنة شؤون التربية والتعليم والثقافة والإعلام بالمجلس الاستشاري لإمارة الشارقة
في زمن تتسارع فيه القرارات وتُقاس فيه النجاحات بالأرقام السريعة، يبرز سؤال جوهري: هل ما نحققه اليوم قابل للاستمرار غداً؟ الواقع أن كثيراً من المؤسسات تنجح مرحلياً، لكنها تتعثر لاحقاً لأنها بُنيت على أشخاص لا على أنظمة، وعلى ردّات فعل لا على رؤية. وهنا يظهر جوهر القيادة المستدامة كمعيار حقيقي لقياس نضج القيادات، لا كخيار إداري إضافي.
القيادة المستدامة لا تعني إدارة الأزمة فقط، ولا الاكتفاء بتحقيق نتائج مرحلية ترضي التقارير، بل تعني اتخاذ قرارات قد لا تكون شعبية على المدى القصير، لكنها ضرورية لضمان الاستقرار المؤسسي على المدى البعيد. وهي قيادة تفكر في ما بعد المنصب، وتدرك أن أعظم إنجاز للقائد ليس ما يحققه أثناء وجوده، بل ما يستمر بعده.
في هذا السياق، تبرز تجربة دولة الإمارات كنموذج واضح في تبني مفهوم الاستدامة كمنهج شامل، لا كشعار. فرؤية الإمارات للمستقبل تؤكد بوضوح أن التنمية الحقيقية هي تلك التي تراعي الإنسان، وتبني اقتصاداً معرفياً، وتعزز كفاءة المؤسسات، وتضمن استدامة الموارد. غير أن ترجمة هذه الرؤية على أرض الواقع تظل مرتبطة بمدى تبني القيادات لنهج مستدام في الإدارة واتخاذ القرار.
القيادة المستدامة تتطلب شجاعة في مراجعة السياسات، وجرأة في كسر الاعتماد على الأشخاص، واستعداداً حقيقياً لبناء الصف الثاني من القيادات. كما تتطلب التخلي عن ثقافة الإنجاز السريع لصالح ثقافة الأثر طويل المدى، حيث تُقاس النجاحات بقدرة المؤسسة على الصمود، والتطور، ونقل المعرفة، لا فقط بكمّ المشاريع المنجزة.
ومن المهم الإشارة إلى أن القيادة المستدامة لا تتعارض مع الحزم أو المساءلة، بل على العكس، فهي تقوم على حوكمة واضحة، ومعايير أداء دقيقة، ومساءلة عادلة. غير أنها ترفض الإدارة بالاستنزاف، سواء كان استنزافًا للموارد البشرية أو المالية أو المعرفية؛ لأن هذا النوع من الإدارة قد يحقق نتائج آنية، لكنه يضعف المؤسسة على المدى الطويل.
في المشهد الإماراتي، تمثل القيادة المستدامة مسؤولية وطنية قبل أن تكون ممارسة إدارية. فالمؤسسات القوية هي العمود الفقري للتنمية، واستدامتها تعني استدامة جودة الحياة، واستمرارية الخدمات، وثقة المجتمع. ومن هنا، يصبح السؤال الذي يجب أن يطرحه كل قائد على نفسه: هل أُدير مؤسستي لتنجح اليوم فقط، أم لتبقى قوية لعقود قادمة؟
في ظل رؤية الإمارات الطموحة، لم يعد مقبولاً الاكتفاء بإدارة الحاضر بمعزل عن المستقبل. فالمرحلة المقبلة تتطلب قيادات تفكر بعمق، وتقرر بشجاعة، وتبني بأنظمة لا بأسماء. وهنا تحديداً، تُختبر القيادة المستدامة، وتُفرز القيادات القادرة على صناعة الأثر من تلك التي تكتفي بإدارة اللحظة.
«ضعوا الرحمة في قلوبكم قبل أن تتفوّهوا بكلمة، واعلموا أنّه كما يوجد قانون، توجد روحٌ للقانون»، صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.
في كلِّ مؤسسةٍ ناجحةٍ، تقف وراء الخطط والأرقام والتقارير شخصيةٌ قياديةٌ تُوقظ المعنى قبل أن تُصدر القرار. فالقائد الملهم لا يكتفي بإدارة العمل، بل يحمي روح الفريق من قرارات قد تبدو «صحيحة» على الورق لكنها تُطفئ جذوة الشغف والالتزام والإبداع. فكم من موظفٍ منتج متقد الحماس والشغف — بسبب قرارٍ جامد لم يضع الإنسانية في الحسبان — تحول إلى شخصٍ أقصى غايته انتظار وقت نهاية الدوام والراتب فحسب.
وتأتي توجيهات صاحب السمو حاكم الشارقة لتؤكّد هذه الحقيقة العميقة: فالرحمة ليست ترفاً إدارياً، بل بوصلة أخلاقية تجعل القانون أكثر عدلاً، والقرار أكثر حكمة وإنسانية. فحين يُحسن القائد قراءة روح القانون قبل نصّه، ويستحضر أثر الكلمة قبل النطق بها، تُصان كرامة الموظف وتتجدد ثقة الفريق، ويتحوّل الالتزام من واجبٍ ثقيل إلى دافعٍ ذاتي نابع من الإيمان بالرسالة. فجوهر القضية واضح: قبل أي قرار، يجب أن يضع القائد الملهم نفسه مكان الآخرين. يسأل نفسه: كيف سيشعر الموظف؟ ما الذي قد يخسره هذا الفريق؟ هل أملك رؤية مكتملة للواقع والظروف؟ هذه الأسئلة ليست عاطفة منفلتة، بل هي «نظام إنساني أخلاقي وإنذار مبكر».
ليست القيادة الملهمة خطاباً مُنمّقاً أو شعارات معلقة على الجدران. بل مواقف صغيرة متكرّرة تترجم القيم إلى ممارسة: أن يوضح القائد سبب القرار قبل تطبيقه، وأن يصغي بإخلاص للاعتراضات، وأن يغير المسار حين تظهر معطيات جديدة، وأن يمتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ عند وقوعه.
وتكمن خطورة القرارات غير المتّزنة حين تُعامِل الجميع بالقاعدة نفسها دون اعتبار للاختلافات المشروعة بين الأدوار والظروف. ففرض آلية حضور جامدة على فرقٍ تعمل بالإبداع، أو تقييم الأداء بمعايير لا ترى العمل غير المرئي، أو تعميم العقوبة بسبب خطأ فردي— كلها أمثلة لقرارات «إدارية» تُنتج أثراً عكسياً؛ تقلّل من المبادرات الإيجابية، وتزداد عندها البيروقراطية، وتتحول القيادة من صناعة المعنى إلى «مُشغّل نظام».
هنا تحديداً يُثبت القائد الملهم تفوّق القيادة الحقيقية على القرار والقانون والتكنولوجيا؛ فهو يستخدمها جميعاً كأدوات، لكن البوصلة تبقى إنسانية.
الرحمة أولاً، ثم القرار.
تعيش دولة الإمارات العربية المتحدة مرحلة نوعية في تطوير منظومتها التعليمية، عنوانها الابتكار والاستدامة والتحول الرقمي الذكي. فمنذ قيام الاتحاد، ارتبط التعليم بمشروع الدولة لبناء الإنسان واقتصاد المعرفة، ومع رؤية «نحن الإمارات 2031» تتعزز هذه المسيرة بإرادة واضحة لإعداد أجيال قادرة على المنافسة عالمياً والتكيّف مع المتغيرات التقنية والاقتصادية المتسارعة.
لم يعد التحول الرقمي خياراً إضافياً أو مشروعاً تجميلياً، بل أصبح خط الدفاع الأول عن استمرارية العملية التعليمية وجودتها، وبالتالي ركيزتها.
قدّمت السنوات الأخيرة دليلاً عملياً على صواب الرهان الإماراتي المبكر على البنية التحتية الرقمية والتعليم الذكي. فقد مكّنت المنصّات التعليمية والخدمات السحابية وشبكات الاتصال المتقدمة من حماية التعلّم من الانقطاع، وأثبتت أن المدرسة والجامعة يمكن أن تكونا «مرنتين» و«ممتدتين» خارج الجدران، وأن الطالب يستطيع أن يتنقّل بين صيغ تعلم متعددة دون أن يفقد المسار أو الجودة. هذه التجربة لا تُقرأ كاستجابة ظرفية فحسب، بل كمنظومة قيد البناء المستمر.
التحول الرقمي الناجح في التعليم يبدأ من الرؤية وينتهي بالنتائج القابلة للقياس. وهذا يقتضي حوكمة بيانات تعليمية دقيقة وآمنة، تتكامل فيها قواعد المعلومات بين المدارس والجامعات والجهات التنظيمية، مع سياسات واضحة للخصوصية والأمن السيبراني.المعلم هو قلب العملية، وأي تحوّل لا يضعه في المركز يظل قاصراً. المطلوب اليوم تمكين المعلم رقمياً عبر التدريب المستمر على تصميم التعلم المدمج، وتقييم الأداء باستخدام أدوات تحليل التعلم، وتبني أساليب تدريس تراعي الفروق الفردية وتستخدم الذكاء الاصطناعي لتخصيص المسارات.
على مستوى المحتوى، يفرض الاقتصاد الجديد أولوية المهارات العملية والقابلة للنقل: التفكير النقدي، حلّ المشكلات، العمل التعاوني، الثقافة الرقمية، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي. ويبرز هنا دور «الشهادات المصغّرة» و«الاعتماد المعياري للمهارات» التي تسمح للطالب والموظف بإضافة لبنات تعلم قصيرة معترف بها إلى مساره الأكاديمي والمهني. كما أن فتح الموارد التعليمية وإثراء المحتوى العربي الرقمي يربط الهوية الثقافية بآفاق التكنولوجيا.
الشراكات عنصر حاسم في تسريع التحوّل: تعاون وثيق بين وزارات التعليم والجهات التنظيمية والجامعات والقطاع الخاص ومراكز البحوث، ونوافذ دائمة للتجريب والابتكار المشترك. وحين تتكامل بيئات الابتكار مع خطط التوظيف الوطنية ينعكس ذلك مباشرة على مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات السوق، ويخفّض كلفة التعلّم الخاطئ ويعزّز تنافسية الكوادر الوطنية.
ولكي تستمر المكاسب المتحققة، ثمة متطلبات عمليـــة يجـــب الالتزام بهـــا ومنها أطر حوكمة واضحة تحدد المسؤوليات وتضمن استدامـــة الأنظمة بعد إطلاقها؛ خرائط طريق زمنية واقعية تربط المبـــادرات بالميزانيات؛ معايير وطنية للتعلّم الرقمي تعكس أفضل الممارسات العالمية وتراعي الخصوصية الإماراتية؛ منظومة جودة تقيس أثر التكنولوجيا في نواتج التعلّم لا في معدلات الاستخدام فقط؛ وبنية سيبرانية متينة تُحدّث باستمرار.
الرسالة إلى قادة التعليم اليوم واضحة: حافظوا على زخم التحول، اجعلوا البيانات مرجعكم الأول، استثمروا في المعلّم، وقيّموا كل مبادرة بميزان الأثر الحقيقي في تعلّم الطالب. عندها فقط يصبح التحول الرقمي ضمانة لاستدامة التعليم، لا شعاراً عابراً.