صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
فاهم القاسمي
رئيس دائرة العلاقات الحكومية
أحدث مقالات فاهم القاسمي
7 أبريل 2021
الجذور الطيبة للبشرية

بعض المفاهيم السائدة تتناول موضوع التراث كأنه عودة للماضي، أو استذكار لمراحل معينة من تاريخ الشعوب كانت فيها علاقة الإنسان بمحيطه مباشرة، لا تتوسطها الآلات أو التقنيات الحديثة، حيث يبتكر أدواته بيديه العاريتين، أو بالاستعانة بوسائل بسيطة ومتاحة، ويعبّر عن مشاعره ومناسباته بأشكال تقليدية من الفنون المختلفة. والحقيقة أن هذا المفهوم عن التراث، وبرغم جماليته، لا يساعد في فهمه، أو تبيان علاقته بالحاضر، وبالتالي علاقته بالهوية والثقافة الخاصة بكل مجتمع.
إن التراث هو نتاج يومي ومتواصل للثقافة الجمعية، فأغلبية ما تنتجه الشعوب من أدوات وفنون وأفكار وآداب وحكايات مروية، يصبح تراثها وإرثها وبصمتها على صفحات التاريخ، لهذا يمكن القول إن التراث هو تجسيد وتخليد للثقافة العامة في استمراريتها وحركتها، ويكاد يكون هو الشكل الوحيد الذي تحفظ به الشعوب ثقافتها من الضياع، وبواسطته نفهم المتغيرات التي طرأت على الشعوب، وكيف تأثرت بالثقافات والحضارات المختلفة للشعوب الأخرى.
ومن خلال التراث أيضاً، نستدل على أنماط الحياة المختلفة للمجتمعات التي سادت في مراحل معينة، مثل أنماط الزراعة والصناعة والعلوم، وأنماط التفكير والممارسات اليومية والتقاليد والعادات، ما يجعل التراث مدخلاً مهماً ورئيسياً لفهم الهوية الخاصة لكل شعب، ولاستيعاب الاختلافات والتنوعات والجذور المتداخلة للبشرية التي تشكل الهوية الجميلة والمتكاملة للإنسانية.
هكذا نفهم التراث بشقيه المادي، واللاّمادي، وهكذا ننظر لمشروع الشارقة الثقافي بكل تجلياته وفعالياته، ومنها «أيام الشارقة التراثية 18» التي يحتضن فيها قلب الشارقة تراث 29 بلداً من مختلف القارات، والذي تشرفت بالمشاركة فيه، إذ رافقت سفير جمهورية مونتينيجرو (الجبل الأسود)، ضيف شرف الحدث، خلال جولته بين الأجنحة وأقسام البلدان المشاركة.
ما شعرت به خلال الجولة بين أجنحة التراث الثري والمتنوع في قلب الشارقة، يؤكد سبب اهتمامنا، في دائرة العلاقات الحكومية في الشارقة، بقضية التراث في سياق التواصل مع المجتمعات الأخرى، ويفسر أيضاً سبب رغبة زوّار أية دولة في التعرف إلى تراثها، ووضع زيارة المتاحف والمراكز والأسواق الشعبية على رأس أجندة جولاتهم. إنهم بذلك كأنهم أمام كتاب مفتوح ومجسد يروي تفاصيل حياة البلد المضيف، بماضيها وحاضرها ومستقبلها أيضاً.
ومتابعة التراث عملية تعلّم مستمر، فهو رسالة مهمة في التاريخ تشير إلى أن التشابه الكبير في تراث الشعوب والمجتمعات، والتقاطع في بعض أنماط العيش والعمل والتعبير الوجداني والإبداعي، لا يؤكدان عمق العلاقات بين الثقافات المختلفة فقط، بل إن هذه العلاقات قامت على أساس الاحترام المتبادل للعادات والتقاليد والانفتاح على التعلم من الآخر والاستفادة من تجربته.
والتراث كذلك رسالة قوية لأجيال الحاضر تحمل في مضامينها دعوة للعمل والانتماء، وتفهّم الجذور والعلاقات الاجتماعية واستيعاب التنوع والاختلاف وتعزيز قيم الاحترام المتبادل بين الشعوب، لأن التراث بما يمثله من فهم للذات، ينسف بالمقابل كل الجذور التي تأسست عليها أفكار الانغلاق والتعصب، ويبرهن أن جذورنا واحدة، مهما اختلفت الفروع.
والتراث أيضاً رسالة ملهمة لأجيال المستقبل تطالبهم بحماية المكتسبات وتحقيق المزيد منها، وتبرهن لهم حقيقة أن الهوية التي تستدعي الفخر، هي تلك التي تعرف بما ينتجه أصحابها من خيرات مادية ومعنوية يصل تأثيرها للعالم أجمع.
التراث صفات الأمم وعناوينها، وهي عناوين ليست ثابتة، بل متطورة، في كل يوم يضاف إليها معنى جديد، لهذا نرى أن احتفاء الشارقة بتراث العالم هو في الحقيقة احتفاء بالجذور الطيبة للبشرية، وتذكير بكل ما هو جميل فيها، وتعبير عن احترام الجهد الذي قدمته الشعوب من أجل أن نكون كما نحن الآن، وبصيغة أخرى، إنه احتفاء الشارقة بالتاريخ والحاضر، واستعداد للمستقبل في الوقت ذاته.
رئيس دائرة العلاقات الحكومية في الشارقة

4 مارس 2021
تحول نوعي وليس تكيفاً شكلياً

فاهم القاسمي *

لم يكن مجرد عام إغلاق وتوقف للنشاطات، ولا عام وباء وبؤس وضيق، على الرغم من أن هذه الصفات تكاد تلتصق به للوهلة الأولى، إلا أن نظرتنا إليه وقراءتنا لمجرياته تذهب أبعد من ذلك، إنه عام التحديات غير التقليدية، والتجارب الفريدة، عام توسعت فيه آفاق التفكير والتخيل بسبب ضيق مساحات الفعل والتحرك، وحفرت أحداثه عميقاً في وعينا، وتركت بصمات متشابهة على هوية الأفراد والمجتمعات في العالم، عززت المشترك بين الشعوب، ووحدت طموحاتهم ومصائرهم أكثر من أي وقت مضى.
هكذا نرى بمنظور الشارقة عام 2020، هذا المنظور الذي أسقط من قاموسه، ومنذ البدايات، مفردات اليأس والتراجع والمستحيل، فتحولت به الصحراء إلى مركز إشعاع حضاري، وأرض خصبة متعطشة للأفكار والابتكارات في العلوم والفنون والاقتصاد والقيم النبيلة، ووجهةً للراغبين بتجربة حياة ثرية بجميع الخيارات.
لقد دفعتنا الأسئلة الجوهرية التي أثارتها التطورات النوعية خلال العام الماضي في دائرة العلاقات الحكومية في الشارقة للتعرف أكثر إلى التجارب المختلفة لشعوب العالم في التعامل مع الحظر والوباء، وكيفية إدارة شؤون حياتهم، وماذا فعلوا حتى تستمر عمليات التعليم وإدارة الأعمال، وفي المقابل سنضع أمامهم تجربتنا التي نثق بتميزها حتى تتعاظم فائدتها بزيادة عدد المستفيدين منها، فالشارقة، كما دولة الإمارات العربية المتحدة، كانت سباقةً في ابتكار الأساليب والطرق العملية والفعالة لضمان استمرار الخدمات المقدمة للجمهور وفي مقدمتها التعليم والرعاية الصحية وتوفير الاحتياجات الأساسية.
لكن النتيجة الأهم التي أفرزتها تجربتنا في الشارقة مجتمعاً ومؤسسات، أن التغيير المنشود لا يجب أن يكون في الأدوات فقط، لكن في الجوهر أيضاً، بل يجب أن يكون الجوهر هو مركزيته وعنوانه، ولو تناولنا التعليم على سبيل المثال، سيبقى أي تغيير في أدواته وطرقه دون الطموحات والتوقعات إذا لم تكن هناك إضافات نوعية على المناهج ومواد التدريس وأخلاقياته. لقد مر العالم باختبار قوي وضع مكتسباته وقيمه على المحك، ولأول مرة خلال العصر الحديث تخوض المجتمعات في العالم التجربة ذاتها في الوقت ذاته وبأحداث تكاد تكون متطابقة، ولأول مرة تصبح أمنياتهم وأحلامهم وطموحاتهم واحدة، وهذا هو الدرس الذي يجب أن يتحول إلى منهج موحد أيضاً نعلمه لأبنائنا ليؤكد وحدة هذه البشرية ومصيرها.
الأمر ذاته ينطبق على الأعمال، فلا معنى للحديث عن أساليب وأدوات العمل عن بعد أو منصات التبادل الإلكتروني أو آليات الإنتاج الحديث القادرة على الاستمرار بكل الظروف، والشبكات اللوجستية الذكية، إذا لم يسبقه حديث عن نتاج هذا العمل وأبعاده وآثاره على المجتمع.
آن الآوان للتغيير الجوهري، إنه زمن التحولات النوعية وليس التكيف الشكلي مع إفرازات وظروف جديدة، وآن الأوان لندرك أن التجارب مهما اختلفت في خصوصياتها، وضعتها الأزمة في إطار واحد، بل حولتها إلى تجربة واحدة.

* رئيس دائرة العلاقات الحكومية في الشارقة