صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
فيرنر هوير
رئيس بنك الاستثمار الأوروبي
أحدث مقالات فيرنر هوير
10 أكتوبر 2023
معادن أوروبا الحيوية

فيرنر هوير *

لعبت المواد الخام، على مدار التاريخ، ولا تزال، دوراً رئيسياً في التنمية الاقتصادية والعلاقات الدولية ومصائر الأمم والحضارات بأكملها، من المعادن الثمينة، كالفضة والذهب، إلى السلع الزراعية، كالسكر والمطاط والحرير والتوابل، مروراً بموارد الطاقة الحيوية على غرار النفط والغاز. وأدت تحولات الطلب الناجمة عن التطورات التكنولوجية إلى إعادة كتابة أنماط التجارة العالمية، وتعديل مفهوم الثروات، ما أجج في الأغلب الصراعات، وأشاع الاستغلال بين الجهات المستفيدة.

اليوم، يزداد الاعتماد على مجموعة جديدة من المواد الخام الحيوية، بما في ذلك العناصر الأرضية النادرة والمعادن، مثل الليثيوم والجاليوم والجرمانيوم. وأصبح استخدام هذه السلع أمراً ضرورياً في كل شيء تقريباً وحتمياً للتحولات الخضراء والرقمية التي سترسم مستقبلنا على هذا الكوكب، بدءاً من الألواح الشمسية والبطاريات ومزارع الرياح، وصولاً إلى رقائق الكمبيوتر والصناعات الدفاعية، وغيرها الكثير.

وبالحديث عن الطلب، من الواضح أن أوروبا لن تتمكن أبداً من تلبية احتياجاتها للعناصر الأرضية النادرة، أو الليثيوم، محلياً، لذا، عليها أن تضمن قدرتها على الوصول إلى المواد الخام بالغة الأهمية حتى لا تجد نفسها تحت رحمة من قد يستخدمونها كسلاح، كما فعل الكرملين حين قطع إمداد الهيدروكربونات عن القارة العجوز، قبل أكثر من عام. ويعد هذا الوصول لتلك العناصر مفصلياً لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، والحفاظ على القدرة التنافسية، وتلبية الطموحات المناخية.

ولتحقيق هذا الهدف، يتعين علينا تجنب أخطاء الماضي، وفي مقدمتها الاعتماد المفرط على مصدر توريد واحد. وقد أدت الأحداث الأخيرة، مثل جائحة فيروس كورونا، والحرب الأوكرانية، إلى تعظيم دور سلاسل التوريد الآمنة في جميع القطاعات الاقتصادية عالمياً، وسلطت الضوء على التأثير الكبير الذي تتمتع به أكبر الاقتصادات الناشئة في العالم، بما في ذلك مجموعة البريكس، التي تسيطر على العديد من سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك تلك المتعلقة بالمواد الخام الحيوية.

ومع سعينا المتواصل لإزالة الكربون واعتماد الكهرباء النظيفة، تزداد أهمية المعادن الأرضية النادرة أكثر من أي وقت مضى. ومن المتوقع أن يزداد الطلب العالمي عليها خمسة أضعاف بحلول عام 2030. ولكن على جانب العرض، هناك دولة واحدة تهيمن على السوق حالياً، وهي الصين، التي تعالج نحو 90% من العناصر الأرضية النادرة، و60% من الليثيوم عالمياً. وعلى هذا النحو، فإن الاتحاد الأوروبي يعتمد على الصين في توريد جميع العناصر الأرضية النادرة تقريباً.

وبما أن أوروبا تعي تماماً الخطورة التي قد تنضوي تحت هكذا تبعيات، فعليها أن تعمل على تنويع سلاسل التوريد الخاصة بها، والتخلص من المخاطر والفرضيات. ولكن حل المشكلة ليس بهذه البساطة، ولن يكون للاستثمار في التعدين الأوروبي وحده أي معنى، من الناحية الاقتصادية، إذا لم يتم التنسيق مع شركاء بظروف متشابهة في جميع أنحاء العالم للمساعدة في رفع مستوى القدرات في تقنيات الاستخراج والمعالجة.

وأيضاً، لا يزال يتعين على دول القارة النظر في بعض القرارات الصعبة والعالقة فيما بينها بخصوص مشاريع التعدين الضخمة والمستدامة، وأن تستثمر أكثر في مصافي التكرير ومصانع المعالجة الخاصة بها لتحقيق اقتصاد دائري خال من الكربون.

لقد أظهرت مبادرات سابقة، مثل تحالف البطاريات لعام 2017، أنه يمكننا النجاح عندما نجتمع معاً. فأوروبا الآن موطن لواحد من أكبر مصانع البطاريات العملاقة، وأكثرها تقدماً في العالم، شركة «نورثفولت» السويدية، التي تعتزم إنتاج ثلثي بطاريات السيارات الكهربائية التي تحتاجها القارة، بتمويل من بنك الاستثمار الأوروبي.

ولتكرار قصة النجاح هذه، يتعين علينا أن نتجنب النظر إلى التحدي المتمثل في المواد الخام بمعزل عن غيره من التحديات. فلا بد من دمج كل المبادرات المتعلقة بضمان الإمدادات الآمنة ضمن سياسة شاملة، كما فعلنا في قضايا مكافحة تغيّر المناخ. وإضافة إلى ذلك، يجب أن تستهدف السياسة الخارجية الأوروبية تطوير وتعميق الشراكات الاستراتيجية ذات الصلة، وتعزيز الاستثمارات في أوروبا والبلدان الشريكة.

ويجب أن تبذل أوروبا المزيد من الجهود لحماية الوصول الآمن إلى الإمدادات الحيوية، على غرار مشاركة بنك الاستثمار الأوروبي، الذي قدّم بالفعل 3 مليارات يورو لدعم سلاسل توريد المواد الخام، على مدى السنوات السبع الماضية، لضمان قدرتها على تحقيق هذه الأهداف. ولكننا في المقابل ندرك أن أدوات أوروبا الحالية غير كافية، ونحن نشجع الآخرين على التحرك، بدءاً من الإجراءات التنظيمية، وصولاً إلى مشاريع محددة وملموسة.

ولطالما كان الوصول إلى المواد الخام الحيوية عاملاً محدداً للثروة الاقتصادية والتنمية على مر التاريخ، ولتأمين مستقبل أفضل ومستقل، علينا أن نغتنم زمام المبادرة ونجعل حماية الوصول إلى السلع الحيوية الجديدة لهذا القرن أولوية قصوى.

* رئيس بنك الاستثمار الأوروبي

12 مارس 2023
ما يحتاجه الاقتصاد الأوروبي

فيرنر هوير*

في مواجهة فجوات الاستثمار المتزايدة، يعتقد معظم صناع السياسة الأوروبيين أن الوقت قد حان لحزمة تحفيز أخرى واسعة النطاق على الرغم من التضخم المرتفع ونمو الدين العام، لكني أخشى أنهم مخطئون.

فمن شأن التحفيز ببساطة أن يجبر البنك المركزي الأوروبي على زيادة أسعار الفائدة بشكل أكبر وأسرع. وما نحتاجه بدلاً من ذلك هو الدعم الموجه، وتعبئة الموارد اللازمة للقطاع الخاص في مشاريع التنمية المستدامة، وعلى رأسها الاستثمار في القطاعات الخضراء الذي من شأنه تعزيز المرونة والقدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي على نطاق واسع.

كان هناك الكثير من الخلافات في أوروبا حول التهديد الذي يمثله قانون خفض التضخم الأمريكي. ومع ذلك، وعلى الرغم من كل المخاوف التي أثارها، فإن القانون في النهاية عبارة عن خطوة في الاتجاه الصحيح، ويوفر دعماً هائلاً للقطاعات الخضراء، حيث هناك حاجة ماسة لمزيد من الاستثمارات، كما يُظهر أن الولايات المتحدة وأوروبا متوائمتان أخيراً في السعي لتحقيق تحول اقتصادي مستدام. وبالتالي على الأوروبيين أن يرحبوا برغبة الولايات المتحدة في توسيع قدرتها في مجال الطاقة المتجددة ووضع أموالها في المكان الصحيح.

إن هدف القانون الواضح المتمثل في تأسيس بنية تحتية حديثة منخفضة الكربون لا يمثل في حد ذاته مشكلة للاقتصاد الأوروبي. بل على العكس، في قطاعات مثل طاقة الرياح، حيث أوروبا رائدة في تقنياتها، يعتبر ارتفاع الطلب على الاستثمار والتأثير الإيجابي على المناخ تطوراً إيجابياً. ناهيك عن فرص العمل الجديدة للشركات الأوروبية التي ستوفرها المشاريع الأمريكية.

ومن المؤكد أن بعض مواد قانون خفض التضخم الأمريكي الجديد تطرح تحديات جوهرية. صحيح أن القانون يقدم دعماً كبيراً لتقنيات الألواح الشمسية وطاقة الرياح وتخزين الطاقة ومعدات الهيدروجين النظيف، لكن معظم هذه الفوائد تقتصر على المنتجين الذين يرفعون الصوت عالياً «صُنع في أمريكا»، ويستثنون بالطبع المصنعين الأوروبيين، الذين لا يتلقون نفس الإعانات من الاتحاد الأوروبي. وبالتالي قد يزداد خطر انتقال بعض مصانع المعدات وإنتاج الهيدروجين الأوروبية إلى الولايات المتحدة، ما يضاعف محنة قطاع الابتكار في الاتحاد الأوروبي الذي يعاني أساساً من نقص التمويل. لذا، فإن بعض أحكام القانون الجديد يمكن أن تكبح جماح سلسلة التوريد الناشئة للتكنولوجيا الخضراء، ما يعود بالفائدة لأمريكا على حساب أوروبا.

في المقابل، ومن خلال إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع شركائنا الأمريكيين، واستهداف استثماراتنا الخاصة للقطاعات الصحيحة، يمكن لأوروبا تحييد الأجزاء الإشكالية من قانون خفض التضخم والاستفادة من بنوده الجيدة. فحوارات كهذه بين جانبي الأطلسي تعتبر أمراً بالغ الأهمية، ونحن بحاجة حقيقية إلى إقناع الولايات المتحدة بإعادة النظر في بعض أحكام قانونها الجديد، خاصة تلك التي تتعارض مع المبادئ الراسخة للمنافسة المفتوحة والنزيهة.

ومع ذلك، من غير المقبول أن نقدم أنفسنا كضحايا لمجرد مواصلة المحادثات مع أمريكا، وعلى الأوروبيين قبول حقيقة أن العديد من فجوات الاستثمار الحالية تقع خارج نطاق قانون خفض التضخم. وهو ما أكده التقرير الرئيسي السنوي لبنك الاستثمار الأوروبي، بأنه على مدى السنوات العشر الماضية، استثمرت أوروبا 2% أقل سنوياً في تحسينات الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. لذلك، يجب أن يُنظر إلى القانون على أنه تنبيه شديد اللهجة لمعالجة النقص الحاصل في الاستثمار. فنحن بحاجة ماسة إلى توجيه المزيد من الأموال نحو الطاقة النظيفة الأوروبية، وتصنيع التكنولوجيا النظيفة والرقمنة، وكلها أساسات ضرورية للتحول الأخضر والقدرة التنافسية في المستقبل.

ربما تبدو مهمة عصيبة، ولكن في الحقيقة نحن نمتلك بالفعل معظم الأدوات التي نحتاجها للنجاح ومنها مجموعة الحلول الواسعة التي يقدمها بنك الاستثمار الأوروبي لتخفيف المخاطر والتمويل طويل الأجل، والتي يمكن أن تجعل الابتكارات الواعدة أكثر قبولاً من وجهة نظر المستثمرين في القطاع الخاص.

لقد سمحت سياسة تجميع رأس المال المتبعة في بنك الاستثمار الأوروبي باختراقات كبيرة في علوم الحياة، وقطاع الطاقة، والحوسبة الكمومية، وتقنيات الأقمار الصناعية. ويمكننا بهذا الصدد إرسال إشارة قوية إلى السوق مفادها أن مؤسسات وحكومات الاتحاد الأوروبي على استعداد لتعزيز التقنيات الحديثة من خلال الاستثمار المبكر والفعال. ونحن على استعداد أيضاً للعمل مع المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لإنشاء صندوق جديد لعموم الاتحاد يدعم المشاريع الكبيرة ذات الأهمية الاستراتيجية للاقتصاد الصافي صفر.

قد يتساءل البعض، لماذا نركز على المشاريع الكبيرة؟ لكن كلمة «مشاريع» نعني بها أيضاً الشركات الناشئة التي يطلقها رواد الأعمال من مرآبهم. ونحن نشهد في الواقع المزيد والمزيد من هذه المشاريع الضخمة الناشئة في طليعة الابتكار. منها على سبيل المثال منتج بطاريات الليثيوم أيون «Northvolt»، إنها شركة ناشئة بكل تأكيد، لكنها تحتاج إلى ألف «مرآب» لاستيعاب مصنعها العملاق الجديد شمال السويد.

إن مشاريع بهذا الحجم هي بالضبط ما تحتاجه أوروبا، لكنها تتطلب استثمارات بمليارات اليوروهات، وعادة ما تكون في شكل تمويل مسبق عن طريق بيع الأسهم. وبالتالي، يمكن لصندوق الأسهم في الاتحاد الأوروبي أن يضيف قيمة كبيرة من خلال مساعدة المزيد من الشركات المتطورة على البدء. وعلى الرغم من أن الاستثمارات التي أتحدث عنها ضخمة، إلا أنها ستكون مستهدفة وبدقة.

ستكون استجابة أوروبية جوهرية لقانون خفض التضخم الأمريكي وللتحديات الجيوسياسية الأوسع التي تواجهها أوروبا في آن واحد.

*رئيس بنك الاستثمار الأوروبي (بروجيكت سينديكت)