عندما اندلعت الازمة المالية عامي 1997 و،1998 في الدول الصناعية الجديدة (النمور الآسيوية)، قال الكاذبون إنها ازمة بلدان ليست متطورة بعد، ولم تتوصل كفاية الى الاصول الغربية في ادارة الاقتصاد، فما زال فيها شيء من البربرية التي أدّت الى سوء الإدارة .
وقتها طمأن الخبراء الاجلاء أن مثل هذه الازمة لن تحدث في الدول المتقدمة حضارياً . لكن جرس الانذار دقّ عامي 2002 و2003 في قلعة الحضارة الاقتصادية حين أفلست شركتي أنرون ووورلد كوم، وقالوا حينذاك إنهم اتخذوا كل الاجراءات الكفيلة بالشفافية والمراقبة والضوابط . وللمزيد من الطمأنينة صدر في الولايات المتحدة قانون 2002 سابرينس أوكسلي للتشديد في مراقبة المحاسبات وصدر في فرنسا تقرير أعدّه دانيال بوتون بتكليف من حكومة رافاران، وتبنّى الاتحاد الاوروبي التوصيات التي يفترض أن تعزز الشفافية والمراقبة والضوابط وسار كل شيء على ما يرام .
فهذا الشيء ما زال يسير على ما يرام إنما مثل ما كان، لصالح حرية الرأسمال وحرية الاسواق، فانهيار كبرى الشركات مثل بيل سترن وميريل لينش، وأهمها ليمان براذرز، لن يغير كثيراً، في ما كانت عليه سياسات الحكومات الصناعية حول ما تسميه شفافية ومراقبة وضوابط الى غير ذلك . فالامر أعمق من ذلك، وهو تحديداً في أزمة النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وليس فقط في ازمة في الادارة المالية وضوابطها .
حتى نهاية السبعينات، كانت تلك النظم في الدول الصناعية ترتكز على دور الدولة في اعاقة حرية الرأسمال الكبير، لصالح القطاع الخاص الصغير وحقوق العاملين والاجراء، فكانت بنوك الادخار هي الموكلة في تأمين قروض العقار والسكن (على سبيل المثال) . لكن هذه الركيزة في داخل البلدان الصناعية (الوفاق الاجتماعي)، دفعت الدولة للتعويض عن اعاقة حرية الرأسمال الكبير في مجتمعاتها، الى اطلاق حريته في الاسواق الخارجية، والى دعمه وحمايته بالسياسة والاقتصاد والحرب والثقافة . . فكانت الدول الصناعية تمشي على قدمين واحدة داخلية واخرى خارجية مناقضة لمنهج الوفاق الاجتماعي والديمقراطية في الداخل . لكن هذه الآلية لا تعمّر الى ابد الآبدين . نهض بعض المنافسين الجدد في الاسواق الخارجية، والأهم أن تراكم الرأسمال انتج كتلة مالية هائلة، لا يتوفر لها اسواق طبيعية، وكادت في العام 1982 أن تهدد بتضخم مفرط، بل خطر، قبل أن تأتي النيوليبرالية وتكشف اللثام عن اعادة توظيف الكتلة المالية في ثلاثة مستويات:
توظيف المال بالمال النقدي (البورصات والاسهم) لجني الربح الاقصى، وتوظيفه بالخدمات الاجتماعية التي كان يقوم عليها دور الدولة، إنما بعد تحريرها وتوفير كل السبل أمام الرأسمال الكبير للربح الاقصى (الخصخصة الشاملة، تحويل الخدمات الى سلعة في السوق . . .)، وتوظيفه في العدّة التي تمهّد له الاستثمار المربح (اعلام، اعلان، اتصالات، مراكز ابحاث . . . إنما أيضاً الحرب والعسكرة) .
نجخ النيوليبراليون بتوظيف فائض الكتلة المالية، في البورصات والاسهم (كازينو المقامرة)، لكن نجاحهم أدّى كما كان متوقعاً، الى انفجار الازمة . وبحمد الله لم ينجحوا كفاية في السيطرة على الخدمات الاجتماعية، عدا بعض الخروق المؤثرة في البلدان الصناعية والعالم الثالث . كما أنهم لم ينجحوا، حمداً لله، في استثمار عائدات توظيف الرأسمال المالي في الحروب، بل انقلب عليهم . ولو نجح النيوليبراليون في هذين المستويين لكانت الكوارث الاجتماعية والبشرية والبيئية أشدّ هولاً وأعظم . فالكرة عادت اليوم اليهم ومن الممكن أن ينجح المنقذون الجدد في تسييل الديون الملوّثة، على حساب الثروة العامة والمداخيل الحقيقية للأجراء والمنتجين . ولا ريب في أن الفاسدين نجحوا في تحويل فسادهم الى أزمة عامة عادت عليهم بالفائدة . وقد ينجح المسؤولون والسياسيون في زرع وهم التغيير بعبارات الشفافية والمراقبة، الى حين . لكن النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية المولّدة للازمات ما زالت كاملة، تنذر بانفجارات اخرى في الجسم الحي للاقتصاد والناس والطبيعة .
ويسعى المنقذون الجدد الى اغراق بقية العالم وصب الثروات الكونية في جيوبهم، كما سعى الفاسدون الى اغراق الثروات العامة والاقتصاد الحقيقي، في تسييل شركاتهم الملوثة . يقولون إن هذا الخيار ذو فائدة عامة تعود بالخير على الجميع، وقد أخذوا العبرة من هول الازمة . انهم يكذبون!
فهذا الخيار ليس قدراً، والبدائل، خصوصاً أمام العالم العربي، متوفرة ومتاحة، وهي في اختيار نموذج من اثنين: إما النموذج الآسيوي بالشراكة بين الدولة والرأسمال الكبير والقطاع الخاص الصغير، وإما النموذج الجديد في امريكا الجنوبية بالاندماج الاقليمي . ولّت المراهنة على الفقاعات المالية والمقامرة بتبديد الثروات، وحبل الكذب، قصير .
* باحث في البدائل
عندما اندلعت الازمة المالية عامي 1997 و،1998 في الدول الصناعية الجديدة (النمور الآسيوية)، قال الكاذبون إنها ازمة بلدان ليست متطورة بعد، ولم تتوصل كفاية الى الاصول الغربية في ادارة الاقتصاد، فما زال فيها شيء من البربرية التي أدّت الى سوء الإدارة .
وقتها طمأن الخبراء الاجلاء أن مثل هذه الازمة لن تحدث في الدول المتقدمة حضارياً . لكن جرس الانذار دقّ عامي 2002 و2003 في قلعة الحضارة الاقتصادية حين أفلست شركتي أنرون ووورلد كوم، وقالوا حينذاك إنهم اتخذوا كل الاجراءات الكفيلة بالشفافية والمراقبة والضوابط . وللمزيد من الطمأنينة صدر في الولايات المتحدة قانون 2002 سابرينس أوكسلي للتشديد في مراقبة المحاسبات وصدر في فرنسا تقرير أعدّه دانيال بوتون بتكليف من حكومة رافاران، وتبنّى الاتحاد الاوروبي التوصيات التي يفترض أن تعزز الشفافية والمراقبة والضوابط وسار كل شيء على ما يرام .
فهذا الشيء ما زال يسير على ما يرام إنما مثل ما كان، لصالح حرية الرأسمال وحرية الاسواق، فانهيار كبرى الشركات مثل بيل سترن وميريل لينش، وأهمها ليمان براذرز، لن يغير كثيراً، في ما كانت عليه سياسات الحكومات الصناعية حول ما تسميه شفافية ومراقبة وضوابط الى غير ذلك . فالامر أعمق من ذلك، وهو تحديداً في أزمة النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وليس فقط في ازمة في الادارة المالية وضوابطها .
حتى نهاية السبعينات، كانت تلك النظم في الدول الصناعية ترتكز على دور الدولة في اعاقة حرية الرأسمال الكبير، لصالح القطاع الخاص الصغير وحقوق العاملين والاجراء، فكانت بنوك الادخار هي الموكلة في تأمين قروض العقار والسكن (على سبيل المثال) . لكن هذه الركيزة في داخل البلدان الصناعية (الوفاق الاجتماعي)، دفعت الدولة للتعويض عن اعاقة حرية الرأسمال الكبير في مجتمعاتها، الى اطلاق حريته في الاسواق الخارجية، والى دعمه وحمايته بالسياسة والاقتصاد والحرب والثقافة . . فكانت الدول الصناعية تمشي على قدمين واحدة داخلية واخرى خارجية مناقضة لمنهج الوفاق الاجتماعي والديمقراطية في الداخل . لكن هذه الآلية لا تعمّر الى ابد الآبدين . نهض بعض المنافسين الجدد في الاسواق الخارجية، والأهم أن تراكم الرأسمال انتج كتلة مالية هائلة، لا يتوفر لها اسواق طبيعية، وكادت في العام 1982 أن تهدد بتضخم مفرط، بل خطر، قبل أن تأتي النيوليبرالية وتكشف اللثام عن اعادة توظيف الكتلة المالية في ثلاثة مستويات:
توظيف المال بالمال النقدي (البورصات والاسهم) لجني الربح الاقصى، وتوظيفه بالخدمات الاجتماعية التي كان يقوم عليها دور الدولة، إنما بعد تحريرها وتوفير كل السبل أمام الرأسمال الكبير للربح الاقصى (الخصخصة الشاملة، تحويل الخدمات الى سلعة في السوق . . .)، وتوظيفه في العدّة التي تمهّد له الاستثمار المربح (اعلام، اعلان، اتصالات، مراكز ابحاث . . . إنما أيضاً الحرب والعسكرة) .
نجخ النيوليبراليون بتوظيف فائض الكتلة المالية، في البورصات والاسهم (كازينو المقامرة)، لكن نجاحهم أدّى كما كان متوقعاً، الى انفجار الازمة . وبحمد الله لم ينجحوا كفاية في السيطرة على الخدمات الاجتماعية، عدا بعض الخروق المؤثرة في البلدان الصناعية والعالم الثالث . كما أنهم لم ينجحوا، حمداً لله، في استثمار عائدات توظيف الرأسمال المالي في الحروب، بل انقلب عليهم . ولو نجح النيوليبراليون في هذين المستويين لكانت الكوارث الاجتماعية والبشرية والبيئية أشدّ هولاً وأعظم . فالكرة عادت اليوم اليهم ومن الممكن أن ينجح المنقذون الجدد في تسييل الديون الملوّثة، على حساب الثروة العامة والمداخيل الحقيقية للأجراء والمنتجين . ولا ريب في أن الفاسدين نجحوا في تحويل فسادهم الى أزمة عامة عادت عليهم بالفائدة . وقد ينجح المسؤولون والسياسيون في زرع وهم التغيير بعبارات الشفافية والمراقبة، الى حين . لكن النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية المولّدة للازمات ما زالت كاملة، تنذر بانفجارات اخرى في الجسم الحي للاقتصاد والناس والطبيعة .
ويسعى المنقذون الجدد الى اغراق بقية العالم وصب الثروات الكونية في جيوبهم، كما سعى الفاسدون الى اغراق الثروات العامة والاقتصاد الحقيقي، في تسييل شركاتهم الملوثة . يقولون إن هذا الخيار ذو فائدة عامة تعود بالخير على الجميع، وقد أخذوا العبرة من هول الازمة . انهم يكذبون!
فهذا الخيار ليس قدراً، والبدائل، خصوصاً أمام العالم العربي، متوفرة ومتاحة، وهي في اختيار نموذج من اثنين: إما النموذج الآسيوي بالشراكة بين الدولة والرأسمال الكبير والقطاع الخاص الصغير، وإما النموذج الجديد في امريكا الجنوبية بالاندماج الاقليمي . ولّت المراهنة على الفقاعات المالية والمقامرة بتبديد الثروات، وحبل الكذب، قصير .
* باحث في البدائل
لم يعد حجم الخسائر المالية والاقتصادية رقماً كبيراً أو صغيراً، إنما بات طعماً لاصطياد الرعب والقلق العام، ولعلّ تقصّد هذا الامر، لإضفاء صبغة عجائبية، على المنقذين الجدد حين ينجحون بإعادة الأمور إلى نصابها. فالارقام المتداولة بين الخبراء الغاطسين في الأزمة تتراوح بين 50 تريليون دولار أمريكي و450 تريليوناً، بحسب وظيفة كل منهم في الشركات والبنوك والاجهزة الحكومية.
ولا ريب أن كتلة مالية ضخمة تبخّرت في الأزمة، وخسرتها شركات الاستثمار والبنوك والتأمين التي أفلست. لكن هذا الافلاس لا معنى له بحد ذاته، فهي اساساً أموال قرصنة، لا أصول لها، كافية، أتاحت لها سياسة أكدت السرقة القانونية، عبر تشريعات حرية الرساميل، وحمتها عبر السماح لها بتحويل المشتقات، وما زالت تحميها، بإفلاسها، بالتعويض على الشركات والبنوك بدل محاسبة المسؤولين عن الفساد والأزمة.
بلغ حجم الأسهم الدولية في نهاية عام 2007 حوالي 9.60 تريليون دولار، بينما بلغ حجم سوق المشتقات المالية 480 تريليوناً، والفارق بين الرقمين، معظمه ورق لا أصول له، ربحته الشركات والبنوك المفلسة، وللمقارنة بين حجم الاقتصاد الحقيقي المفترض، وحجم الاقتصاد الوهمي، الذي كان السنة الماضية حقيقة، ينبغي وزنهما بحجم الناتج المحلي الأمريكي وهو 7.13 تريليون دولار، وحجم الناتج المحلي الأوروبي وهو 14 تريليون دولار أما حجم الناتج العالمي فلا يتجاوز 60 تريليون دولار، وإذا أضفنا اليها حجم السندات السيادية في العالم وهي 45 تريليون دولار، منها 25 تريليوناً في الولايات المتحدة، تظل الهوّة شاسعة بين الحجم الحقيقي المفترض (105 تريليونات) وحجم سوق المشتقات الوهمية (480 تريليوناً)، وتبقى أرباح الفساد أكثر من خيالية، بل تفوق الخيال.
إذاً، لماذا كل هذا التهويل بالرعب، والسبب بسيط مفاده أن السياسة الاقتصادية، التي أقرّتها الحكومات الصناعية أولاً، ذهبت بعيداً في تشابك الاقتصاد الوهمي، بالاقتصاد الحقيقي المفترض، وعولمته على اساس حرية الاسواق والرساميل، وهو خيار ارادي وليس قدراً كما يشاع، بل هو خيار ارادي لصالح فئات قليلة العدد، عظيمة التأثير والنفوذ، وهي غالباً متشابكة المصالح والنفوذ في السلطة والاقتصاد والمعتقدات الدينية والنيوليبرالية. وأفضت هذه الآليات إلى انفجار الأزمة، إنما أدّت ايضاً إلى ترابط الحلول وتشابكها. وبمعنى آخر، تضع الشركات المعرّضة للافلاس والبنوك وشركات التأمين الحكومات أمام خيار من اثنين:
- إما التراجع جذرياً عن تشريع ادارة الكازينو ودوران دواليب المقامرة، وهذا يفترض تفكيك النظم والتشريعات النيوليبرالية، والعودة إلى الوراء بإعاقة حرية الرساميل لصالح الاقتصاد الحقيقي والقطاع الخاص الصغير ودور الدولة.
- وإما أن تعمل الخكومات على إعادة تسييل الشركات المفلسة والعمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه فيها، خوف اندلاع الحريق وتعميمه في البنوك التجارية العادية والاقتصاد الحقيقي والقطاعات الانتاجية. وبهذا الصدد هوّلت الشركات المعرّضة للافلاس، من خوفها على الاقتصاد الحقيقي أكثر من خوفها على نفسها، وضخّم خبراؤها الارقام والتداعيات، لأنها تدرك أن هذا التهويل يدفع الحكومات لانقاذها بضغط شعبي وقلق عام، مثل بيت يتعرّض للحريق، تزداد حظوظ نجاته كلما هدّد الحريق بالتوسّع. وهذا ما وقع عليه المنقذون الجدد، وهم من المدرسة النيوليبرالية نفسها.
والحال، وبينما يشير المسؤولون السياسيون في الدول الصناعية وخبراء البنوك المركزية والمؤسسات الدولية، إلى مسؤولية الشركات وبنوك الاستثمار وشركات التأمين، عن الجشع اللاأخلاقي، فإنهم يتغافلون عمداً عن مسؤوليتهم السياسية والاخلاقية، في دفع الفاسدين إلى الفساد. وهم يتغافلون لاضفاء صبغة عجائبية على ما يقومون به، في حين أنه استمرار قديم جديد، من شأنه اعادة الطمأنينة لدافعي الضرائب وأصحاب الثروة الحقيقية، ثم العود على بدء. ويبدو أن العبارات التي يشيعها المسؤولون السياسيون، توحي أن تغييراً نحو الكينزية، يسير ببطء، لكن النهج الاقتصادي الانقاذي، يكذب، ما يقولون. فالقول هو في اتجاه اعادة دور الدولة أو المراقبة ووضع الضوابط والشفافية، وذهب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى القول بإعادة تأسيس الرأسمالية... لكن الواقع المنهجي الانقاذي هو بعكس ذلك، بل هو في الاتجاه نفسه، الذي أدّى إلى انفجار الأزمة الراهنة. فالحكومات والبنوك المركزية والمؤسسات الدولية، اتخذت سابقاً إجراءات ما يسمى بالشفافية والضوابط والمراقبة، وفوق ذلك، قامت الدولة بدور، إنما لصالح حرية الرساميل، وهي ما زالت مستمرة بهذا الدور وإن بكلام مغاير.
ولنبدأ من النقطة الاخيرة، وهي النقطة التي يثار حولها غبار العودة إلى تدخل الدولة وتأميم الشركات بل اشتراكية الاغنياء، وكأنهم يتلاعبون بأعصاب البسطاء لإعادة الثقة. لكن الدولة تلجأ عادة إلى تأميم الشركات والقطاعات المقررة للارباح، أو لأسباب استراتيجية وذلك في سبيل تحصين دور الدولة واعادة توزيع الثروة العامة وتحقيق ما أمكن من عدالة التوزيع. أما تأميم الشركات والقطاعات الفاسدة، فهو منحى بالاتجاه المعاكس للتأميم. فهو تعويض على الفاسدين، من الثروة العامة المتراكمة في صناديق التقاعد والضمان الاجتماعي والصحي، أو من الثروة التي ستتراكم في سندات الخزينة والصناديق السيادية ومداخيل الانتاج.
أما حكاية الشفافية والضوابط والمراقبة، فتلك حكاية مضحكة أو مبكية. فالسؤال الجدّي هو من يراقب ويضبط ويقيم الشفافية وكيف، هل بمراقبة الرأسمال على الرأسمال أم بشفافية دواوين المحاسبة التي وافقت حتى العام الماضي على كل ميزانيات الديون الملوّنة، أم في الضوابط التي وضعتها القوانين والتشريعات لحماية حرية الرأسمال واخضاعه فقط لضوابط الربح الاقصى؟
فكل هذه الآليات لم تتغير بل على العكس، تزداد اليوم رسوخاً ويعيد المنقذون الجدد اليها الصافية. فالصادقون كانوا يعرفون أن الأزمة مقبلة على انفجار ومنهم من انشق على المؤسسات الحكومية والدولية (جوزيف ستيغلتز على سبيل المثال) والكاذبون ما زالوا يكذبون.
* باحث في البدائل
لم يعد حجم الخسائر المالية والاقتصادية رقماً كبيراً أو صغيراً، إنما بات طعماً لاصطياد الرعب والقلق العام، ولعلّ تقصّد هذا الامر، لإضفاء صبغة عجائبية، على المنقذين الجدد حين ينجحون بإعادة الأمور إلى نصابها. فالارقام المتداولة بين الخبراء الغاطسين في الأزمة تتراوح بين 50 تريليون دولار أمريكي و450 تريليوناً، بحسب وظيفة كل منهم في الشركات والبنوك والاجهزة الحكومية.
ولا ريب أن كتلة مالية ضخمة تبخّرت في الأزمة، وخسرتها شركات الاستثمار والبنوك والتأمين التي أفلست. لكن هذا الافلاس لا معنى له بحد ذاته، فهي اساساً أموال قرصنة، لا أصول لها، كافية، أتاحت لها سياسة أكدت السرقة القانونية، عبر تشريعات حرية الرساميل، وحمتها عبر السماح لها بتحويل المشتقات، وما زالت تحميها، بإفلاسها، بالتعويض على الشركات والبنوك بدل محاسبة المسؤولين عن الفساد والأزمة.
بلغ حجم الأسهم الدولية في نهاية عام 2007 حوالي 9.60 تريليون دولار، بينما بلغ حجم سوق المشتقات المالية 480 تريليوناً، والفارق بين الرقمين، معظمه ورق لا أصول له، ربحته الشركات والبنوك المفلسة، وللمقارنة بين حجم الاقتصاد الحقيقي المفترض، وحجم الاقتصاد الوهمي، الذي كان السنة الماضية حقيقة، ينبغي وزنهما بحجم الناتج المحلي الأمريكي وهو 7.13 تريليون دولار، وحجم الناتج المحلي الأوروبي وهو 14 تريليون دولار أما حجم الناتج العالمي فلا يتجاوز 60 تريليون دولار، وإذا أضفنا اليها حجم السندات السيادية في العالم وهي 45 تريليون دولار، منها 25 تريليوناً في الولايات المتحدة، تظل الهوّة شاسعة بين الحجم الحقيقي المفترض (105 تريليونات) وحجم سوق المشتقات الوهمية (480 تريليوناً)، وتبقى أرباح الفساد أكثر من خيالية، بل تفوق الخيال.
إذاً، لماذا كل هذا التهويل بالرعب، والسبب بسيط مفاده أن السياسة الاقتصادية، التي أقرّتها الحكومات الصناعية أولاً، ذهبت بعيداً في تشابك الاقتصاد الوهمي، بالاقتصاد الحقيقي المفترض، وعولمته على اساس حرية الاسواق والرساميل، وهو خيار ارادي وليس قدراً كما يشاع، بل هو خيار ارادي لصالح فئات قليلة العدد، عظيمة التأثير والنفوذ، وهي غالباً متشابكة المصالح والنفوذ في السلطة والاقتصاد والمعتقدات الدينية والنيوليبرالية. وأفضت هذه الآليات إلى انفجار الأزمة، إنما أدّت ايضاً إلى ترابط الحلول وتشابكها. وبمعنى آخر، تضع الشركات المعرّضة للافلاس والبنوك وشركات التأمين الحكومات أمام خيار من اثنين:
- إما التراجع جذرياً عن تشريع ادارة الكازينو ودوران دواليب المقامرة، وهذا يفترض تفكيك النظم والتشريعات النيوليبرالية، والعودة إلى الوراء بإعاقة حرية الرساميل لصالح الاقتصاد الحقيقي والقطاع الخاص الصغير ودور الدولة.
- وإما أن تعمل الخكومات على إعادة تسييل الشركات المفلسة والعمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه فيها، خوف اندلاع الحريق وتعميمه في البنوك التجارية العادية والاقتصاد الحقيقي والقطاعات الانتاجية. وبهذا الصدد هوّلت الشركات المعرّضة للافلاس، من خوفها على الاقتصاد الحقيقي أكثر من خوفها على نفسها، وضخّم خبراؤها الارقام والتداعيات، لأنها تدرك أن هذا التهويل يدفع الحكومات لانقاذها بضغط شعبي وقلق عام، مثل بيت يتعرّض للحريق، تزداد حظوظ نجاته كلما هدّد الحريق بالتوسّع. وهذا ما وقع عليه المنقذون الجدد، وهم من المدرسة النيوليبرالية نفسها.
والحال، وبينما يشير المسؤولون السياسيون في الدول الصناعية وخبراء البنوك المركزية والمؤسسات الدولية، إلى مسؤولية الشركات وبنوك الاستثمار وشركات التأمين، عن الجشع اللاأخلاقي، فإنهم يتغافلون عمداً عن مسؤوليتهم السياسية والاخلاقية، في دفع الفاسدين إلى الفساد. وهم يتغافلون لاضفاء صبغة عجائبية على ما يقومون به، في حين أنه استمرار قديم جديد، من شأنه اعادة الطمأنينة لدافعي الضرائب وأصحاب الثروة الحقيقية، ثم العود على بدء. ويبدو أن العبارات التي يشيعها المسؤولون السياسيون، توحي أن تغييراً نحو الكينزية، يسير ببطء، لكن النهج الاقتصادي الانقاذي، يكذب، ما يقولون. فالقول هو في اتجاه اعادة دور الدولة أو المراقبة ووضع الضوابط والشفافية، وذهب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى القول بإعادة تأسيس الرأسمالية... لكن الواقع المنهجي الانقاذي هو بعكس ذلك، بل هو في الاتجاه نفسه، الذي أدّى إلى انفجار الأزمة الراهنة. فالحكومات والبنوك المركزية والمؤسسات الدولية، اتخذت سابقاً إجراءات ما يسمى بالشفافية والضوابط والمراقبة، وفوق ذلك، قامت الدولة بدور، إنما لصالح حرية الرساميل، وهي ما زالت مستمرة بهذا الدور وإن بكلام مغاير.
ولنبدأ من النقطة الاخيرة، وهي النقطة التي يثار حولها غبار العودة إلى تدخل الدولة وتأميم الشركات بل اشتراكية الاغنياء، وكأنهم يتلاعبون بأعصاب البسطاء لإعادة الثقة. لكن الدولة تلجأ عادة إلى تأميم الشركات والقطاعات المقررة للارباح، أو لأسباب استراتيجية وذلك في سبيل تحصين دور الدولة واعادة توزيع الثروة العامة وتحقيق ما أمكن من عدالة التوزيع. أما تأميم الشركات والقطاعات الفاسدة، فهو منحى بالاتجاه المعاكس للتأميم. فهو تعويض على الفاسدين، من الثروة العامة المتراكمة في صناديق التقاعد والضمان الاجتماعي والصحي، أو من الثروة التي ستتراكم في سندات الخزينة والصناديق السيادية ومداخيل الانتاج.
أما حكاية الشفافية والضوابط والمراقبة، فتلك حكاية مضحكة أو مبكية. فالسؤال الجدّي هو من يراقب ويضبط ويقيم الشفافية وكيف، هل بمراقبة الرأسمال على الرأسمال أم بشفافية دواوين المحاسبة التي وافقت حتى العام الماضي على كل ميزانيات الديون الملوّنة، أم في الضوابط التي وضعتها القوانين والتشريعات لحماية حرية الرأسمال واخضاعه فقط لضوابط الربح الاقصى؟
فكل هذه الآليات لم تتغير بل على العكس، تزداد اليوم رسوخاً ويعيد المنقذون الجدد اليها الصافية. فالصادقون كانوا يعرفون أن الأزمة مقبلة على انفجار ومنهم من انشق على المؤسسات الحكومية والدولية (جوزيف ستيغلتز على سبيل المثال) والكاذبون ما زالوا يكذبون.
* باحث في البدائل
يصل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى العاصمة السورية، بناء على اتفاق مسبق لتبادل الزيارات، جرى أثناء التحضير لقمة الاتحاد من أجل المتوسط في باريس، قبل شهرين. ويبدو أن سوريا لم تؤثر في حليفها الإيراني، في الملف النووي، كما راهن الرئيس الفرنسي، بل وطدت تحالفها مع إيران، وعقدت صفقة سلاح، كما فتحت موانئها للأسطول الروسي بعد أحداث جورجيا، وفي الملفات الأخرى، لم تتغير سياساتها كما تشتهي باريس، إذن ما الذي يدفع ساركوزي إلى العجلة في فك عزلة سوريا، على ما يتهمه خصومه وحلفاؤه، وما مراهناته في دمشق؟
إثر انتخابه رئيساً، جمع ساركوزي في مؤتمر السفراء، الدبلوماسية الفرنسية، وفاجأها بتصعيد الخطاب الفرنسي ضد سوريا، وضد روسيا، على حين غرّة. وكان من المفترض، على ما جرت العادة في أول مؤتمر للسفراء إثر انتخاب رئيس جديد، أن تستمر هذه السياسة التصعيدية، طيلة حكم ساركوزي. تبنّى الرئيس الشروط الأمريكية تجاه سوريا، وصعّدها بشرح أحجمت عنه الإدارة الأمريكية، حفاظاً على البروتوكول في الخطاب السياسي. ولم يطلب ساركوزي تغيير سلوك النظام السوري، كما درجت الإدارة الأمريكية، إنما طلب مشاركة سوريا في محاربة الإرهاب وكذلك الانضمام إلى عملية السلام، ثم الضغط على حلفائها في لبنان، وفي هذه الطلبات المباشرة، لهجة أكثر حدَّة من الشروط الأمريكية، التي كانت تكتفي بطلب عدم التدخل في الشؤون اللبنانية وكادت ان تُشعل حرباً لإسقاط النظام في سوريا.
كان الرئيس الفرنسي واثقاً من نفسه، فهو يتباهى على الدوام بجرأته وحدّة خطابه، في الوصول إلى تقدّم ملموس على الأرض، ويعتبر هذا الأسلوب فلسفة ناجحة في مخاطبة الجاحدين، ولم يغيّر خطابه، خلال الأشهر الأولى من ممارسة صلاحياته، إنما غيّر سلوكه، وأظهر عدم خوفه من قول الحقيقة في وجه خصومه، فأرسل مبعوثيه إلى سوريا لحل الأزمة اللبنانية، ولم ينجح كبير المبعوثين، كوسران، في دمشق، في بناء جسور، كان خطاب وزير الخارجية الفرنسية، برنار كوشنير، يهدّمها في بيروت.
تذكّر هنري غينو، وهو يحاول تقليد أندريه مارلو في التفلسف، قول شارل ديغول: إذا أردت ان تنجح في الشرق المعقد، عليك أن تذهب إليه بأفكار بسيطة. تذكّر، فأسرّ في أذن صديقه ساركوزي، كما أسرّ مارلو في أذن ديغول، فإذا بهاجس النجاح يأخذ في خاطر الرئيس كل مأخذ، إنما النجاح، عبر المشرق العربي، في فرنسا والاتحاد الأوروبي، وليس النجاح في تلبية سوريا للمطالب الفرنسية.
والحال، أن الرئيس الفرنسي مسكون بوعد سماه القطيعة مع الشلل الفرنسي في السياسة الفرنسية الخارجية والداخلية. وهي قطيعة ينبغي أن تظهر جليّة في الحراك بكل الاتجاهات، إن لم يكن بوسعها تغيير الأمور على الأرض، وأفضل الحراك الذي يثير غباراً ويترك أثراً، هو الحراك في المواقع الساخنة، التي تترك فيها الإدارة الأمريكية بعض هوامش الحركة، وتنعكس إعلامياً على دينامية الرئيس وعلى شخصيته الاقتحامية في فرنسا وأوروبا.
لذا حرص ساركوزي، على توطيد التحالف الأمريكي - الفرنسي، وحرص أكثر على توطيد الشراكة الفرنسية - الإسرائيلية، وذهب للانفتاح على دمشق، مرتاحاً، إنما بعد أن حصَّن تحالفه وشراكته مع الإدارة الأمريكية وإسرائيل، بالتشدّد حيال إيران، وبالتقارب مع السلطة الفلسطينية والحكومة اللبنانية، هو انفتاح يساعد بفك عزلة سوريا، إنما يؤمّن لفرنسا حراكاً في المشرق العربي، وفي الشرق الأوسط، يعوّض قليلاً ما خسرته في العراق. والأهم أن هذا الحراك يساعد على إعادة التوازن بين المانيا الممتدة إلى أوروبا الشرقية، وبين فرنسا التي أقعدها الشلل في امتداداتها الطبيعية (المشرق والمغرب) عن إدارة المحرّك الثنائي للاتحاد الأوروبي، وهو محرّك يتألف من المانيا وفرنسا.
أدرك ساركوزي أن لا ولادة لمشروع الاتحاد من أجل المتوسط بغير المشرق العربي، الذي تؤثر فيه سوريا، بإعاقة الولادة إن لم يكن بالقضاء عليها. وهي تؤثر أيضاً في المغرب العربي، ويبدو أنها وفّرت غطاء لحضور الرئيس الجزائري، قمة باريس، على الرغم من اعتراضه على المشروع، حتى اللحظة الأخيرة.
لم يغيّر الرئيس الفرنسي سلوكه حيال سوريا، فحسب، إنما غيّر تالياً خطابه، بل غيّره رأساً على عقب. ففي أثناء تحضير زيارة دمشق، عرّج وزير الخارجية الفرنسية برنار كوشنير على بيروت، فقال رداً على سؤال من الصحافيين: إن فرنسا لا تقدّم دروساً ولا تضع شروطاً على العلاقة مع سوريا. وفي دمشق ذهب أبعد من ذلك فقال: إن زيارة ساركوزي إلى سوريا تفتح عصراً جديداً بين دمشق وباريس. ومن على منبر مؤتمر السفراء الأخير، في 27 أغسطس/آب، أعاد ساركوزي النظر في خطابه السابق، ولم يجد غير الإعلان عن إقامة علاقات دبلوماسية بين لبنان وسوريا، إنجازاً للسياسة الفرنسية، واعتبره حدثاً تاريخياً في استقلال لبنان وسيادته، أقرّ ساركوزي، في هذا المؤتمر، سياسة الحراك في الأفكار البسيطة، على الرغم من تضخيم نتائجها غير المنظورة.
قال إن الانفتاح على سوريا، يتيح لفرنسا المشاركة برعاية المفاوضات الإسرائيلية - السورية، في الوقت المناسب. والحقيقة أن هذه المفاوضات لا تبشّر بوقت مناسب على الرغم من كثرة التفاؤل الذي يرافقها. فالإسرائيليون يستفيدون منها، لإشاعة مناخ سلمي، بانتظار ساعة الحسم في الملف الإيراني. والسوريون يستفيدون منها لتأكيد مقولة الرجوع إلى دمشق في بحث أزمة الشرق الأوسط. وفي هذا الوقت، يمكن ترويج حضور دبلوماسية الحراك الفرنسي، بعدّة اتجاهات.
أما قوله برعاية اتفاق السلام والترتيبات الأمنية بين سوريا وإسرائيل، فهو قول سابق لأوانه ومازال في علم الغيب. وهو أمر، في أحسن الأحوال، سيكون شبيهاً بالدور الفرنسي والاتحاد الأوروبي، في الرباعية، دوراً فولكلورياً، مرهوناً برغبة إسرائيل والإدارة الأمريكية، وليس مرهوناً برغبة دمشق، وهي بدورها تجهر برغبتها في الرعاية الأمريكية، بيت القصيد ودرّة العقد.
إذن لماذا يساعد ساركوزي، بفك عزلة سوريا؟ الحقيقة أن الحراك الفرنسي يتم بالتفاهم مع الإدارة الأمريكية وإسرائيل، فالعزلة أصابت شظاياها الطرفين. وهو حراك أفكار بسيطة إنما كبيرة تبعاتها، فالرئيس الفرنسي، وهو نيوليبرالي محارب، يؤمن بالفرز بين المدنية والبربرية، عبر اليد الخفية في السوق. يذهب اليوم إلى دمشق لتوقيع اتفاقيات تجارية، منها شراء سوريا 50 طائرة إيرباص حتى عام ،2028 ويفتتح ثانوية شارل ديغول، لكنها بداية، فالأوهام التي أقرّها حزب البعث حول السوق الاجتماعية، سرعان ما كشفت عن نشوء طبقة في السوق، فبدأت بتغيير سياسات الدولة حول تحرير الأسعار والأجور ورفع الدعم عن المواد الغذائية وأسعار المحروقات وحول التعاقد الوظيفي والقيمة المضافة.
يراهن ساركوزي على التفكك الاجتماعي الداخلي، في تعقّل النظام والانضمام إلى عملية السلام، وحتى تلك الساعة يكون الحراك الفرنسي قد وجد جواباً عن سؤال يطرح اليوم في دمشق وهو من يحكم سوريا؟ وهو سؤال لا يطرحه المراقبون والمهتمون بمصير النظام فقط، إنما تطرحه الغالبية الساحقة من السوريين المكتوين بنار الغلاء وضيق العيش.
* كاتب وباحث لبناني