كريستالينا جورجيفا *
يواجه محافظو البنوك المركزية العديد من التحديات العالمية المتعلقة بضرورة خفض أسعار الفائدة هذا العام، مع تزايد مخاطر التدخل السياسي في عمليات صنع القرار، وعلى الحكومات والمحافظين مقاومة هذه الضغوط.
تنبع أهمية هذه التحديات مما حققته البنوك المركزية المستقلة في السنوات الأخيرة، حيث نجح محافظوها في إدارة الأزمة بفعالية وأطلقوا العنان للتيسير النقدي القوي الذي ساعد على منع الانهيار المالي العالمي وتسريع التعافي.
ومع تحول التركيز نحو استعادة استقرار الأسعار، شدد المحافظون سياسات مؤسساتهم النقدية، وإن كان ذلك على جداول زمنية مختلفة. وساعدت استجابتهم تلك في الحفاظ على توقعات التضخم ثابتة في أغلب البلدان، حتى مع وصول زيادات الأسعار إلى أعلى مستوياتها منذ عدة عقود. وكانت الأسواق الناشئة في طليعة من ركبوا موجة التشديد وبقوة، الأمر الذي أدى إلى تعزيز مصداقيتها.
وقد ساهمت هذه الإجراءات التي اتخذتها البنوك المركزية بخفض التضخم إلى مستويات أكثر قابلية للإدارة، وتلاشت معه مخاطر الهبوط الحاد. ورغم أن المعركة لم تنته بعد، فإن نجاحها حتى الآن يرجع إلى حد كبير إلى الاستقلال والمصداقية التي اكتسبتها العديد من البنوك المركزية في العقود الأخيرة.
ويتناقض هذا النجاح في خفض التضخم بشكل حاد مع عدم الاستقرار الاقتصادي الذي ساد خلال فترة التضخم المرتفعة في السبعينات. في ذلك الوقت، لم يكن لدى البنوك المركزية تفويضات ولا قوانين واضحة لإعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار، وحماية استقلالها. ولذا، كثيراً ما تعرضت لضغوط من جانب السياسيين لحملهم على خفض أسعار الفائدة.
لقد تضرر الجميع من ارتفاع معدلات التضخم والازدهار والكساد على حد سواء، وخاصة الأشخاص الذين يعيشون على دخل ثابت وشهدوا تآكل مدخراتهم الحقيقية. ولم يتحقق النجاح الفعلي في خفض التضخم إلا في منتصف الثمانينات عندما حصلت البنوك المركزية على الدعم السياسي لمحاربته بقوة.
وبناء على ما سبق، لطالما أظهرت الأبحاث المستفيضة لصندوق النقد الدولي الأهمية الحاسمة لاستقلال البنوك المركزية. وفي إحداها، التي نظرت في العشرات من البنوك المركزية في الفترة من 2007 إلى 2021، حصلت تلك المؤسسات على درجات استقلالية قوية كانت أكثر نجاحاً في السيطرة على توقعات التضخم لدى الناس، مما ساعد على إبقائه منخفضاً.
وتتناول دراسة أخرى، تتبعت 17 بنكاً مركزياً في أمريكا اللاتينية على مدار مئة عام الماضية، عوامل عدة من بينها: استقلالية صنع القرار، ووضوح التفويض، وما إذا كان من الممكن إجبار هذه البنوك على إقراض الحكومة. ووجدت أيضاً أن قدراً أكبر من الاستقلال كان مرتبطاً بنتائج تضخم أفضل بكثير. والخلاصة واضحة: استقلال البنك المركزي مهم لتحقيق استقرار أسعار الفائدة، والنمو الثابت طويل الأجل.
ولكن من أجل ممارسة سلطة هائلة في المجتمعات الديمقراطية، فإن الثقة أمر أساسي. وعلى البنوك المركزية محاولة اكتسابها كل يوم من خلال الحوكمة القوية، والشفافية، والمساءلة، والوفاء بالمسؤوليات. كما تساعد الإدارة القوية على ضمان إمكانية التنبؤ بالسياسة النقدية الرامية إلى تحقيق الأهداف الطويلة الأجل، ويبدأ الأمر بتفويض تشريعي واضح يحدد استقرار الأسعار كهدف رئيسي.
كما أن الحكم القوي والاستقلال يعني أن محافظي البنوك المركزية يجب أن يسيطروا على ميزانياتهم، وألا يتعرض موظفوهم للفصل بسهولة بناءً على آرائهم السياسية أو الإجراءات المتخذة ضمن التفويض القانوني. في المقابل، يجب أن يخضع الموظفون للمساءلة، وأن يتحلوا بالشفافية. وعليهم أن يثبتوا بانتظام سعيهم إلى تعزيز الأهداف المنصوص عليها تشريعياً، سواء في تقارير مفصلة أو من خلال الشهادة أمام المشرعين.
ويساعد سن سياسات مالية حكيمة تحافظ على استدامة الديون على الحد من مخاطر «الهيمنة المالية»، أي الضغط على البنك المركزي لتقديم تمويل منخفض التكلفة للحكومة، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تأجيج التضخم. كما توفر الحصافة المالية مساحة أكبر في الميزانية لدعم الاقتصاد عند الحاجة، ما يعزز الاستقرار الاقتصادي.
ومن المسؤوليات الحكومية الأخرى التي غالباً ما يتم تقاسمها مع البنوك المركزية، الحفاظ على نظام مالي قوي وجيد التنظيم. إذ يفيد الاستقرار المالي الاقتصاد بأكمله ويقلل من خطر تردد البنك المركزي في رفع أسعار الفائدة خوفاً من التسبب في انهيار مالي.
عندما تلعب كل من البنوك المركزية والحكومات أدوارها بالشكل المطلوب، نشهد سيطرة أفضل على التضخم، ونتائج واضحة في النمو وتشغيل العمالة، وانخفاض المخاطر على الاستقرار المالي. وصندوق النقد الدولي موجود هنا لمساعدة صناع السياسات على مواجهة هذه التحديات. فنحن ندعم بقوة استقلال البنوك المركزية، ونقدم المساعدة الفنية المخصصة للأعضاء الذين يعملون على تحسين الحوكمة والأطر القانونية.
لقد جعلنا الاستقلالية ركيزة واضحة في بعض برامج التمويل التي يدعمها الصندوق، ونتفق مع الأعضاء على الإجراءات اللازمة لقياسها وتحقيقها. ولتعزيز هذا العمل، قدمنا طريقة جديدة لقياس الاستقلال استناداً إلى الجوانب الأكثر أهمية. ولزيادة المساءلة، طورنا قانوناً للشفافية يساعد البنوك المركزية على تقييم ممارساتها وتحسينها.
ومن خلال العمل معاً، محافظو البنوك المركزية وقادة الحكومة والمجالس التشريعية والشعب، يمكننا دعم هذه البنوك في معركتها اليوم ضد التضخم وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنمو لسنوات قادمة. وهذا سيفيد الجميع، المتقاعد الذي يعيش على دخل ثابت؛ ورائدة الأعمال الصغيرة التي تحاول بناء مشروعها التجاري؛ وكل مجتمع يمكن أن يواجه اضطرابات عندما يخرج التضخم عن السيطرة.
* مدير عام صندوق النقد الدولي
كريستالينا غورغييفا *
شهدت العقود المتعاقبة تطوراً في نظام القواعد والآليات والمؤسسات التي تحكم الترتيبات النقدية وتدفقات رأس المال بين البلدان. ولمواصلة تعزيز الاستقرار المالي والتنمية الاقتصادية في كل مكان، يجب أن يستمر في التطور والتكيف في عالم سريع التغير.
وإذ نتطلع إلى تحقيق مستقبل رقمي، ينبغي أن يكون النظام قادراً أيضاً على الصمود في مواجهة عوامل التشتت المتنامية.
وقد زادت قوة هذه العوامل من جراء الحرب في أوكرانيا. ولم تقتصر العواقب على المعاناة الإنسانية، بل امتدت أيضاً إلى إحداث صدمة اقتصادية عالمية وزيادة حادة في مخاطر نشوب «حرب باردة جديدة». عالم يمكن أن يتفتت إلى «تكتلات اقتصادية» متفرقة، مما يخلق عقبات أمام تدفق رأس المال والسلع والخدمات والأفكار والتكنولوجيات عبر الحدود.
وتلك هي نفسها محركات التكامل التي عززت الإنتاجية ورفعت مستويات المعيشة، مما زاد حجم الاقتصاد العالمي ثلاثة أضعاف وانتشل 1,3 مليار نسمة من الفقر المدقع على مدار الثلاثة عقود الماضية. وبالتالي، فإن تكلفة التشتت ستكون باهظة - وسيلحق أكبر الضرر بأضعف فئات المجتمع وأكثر البلدان هشاشة.
وإزاء هذه المخاطر، يمكننا الاستسلام للاتجاهات السائدة التي تجعل العالم أفقر وأقل استقراراً، أو العمل بمزيد من الجد سعياً للوصول إلى مسارات تحول دون تشتت النظام النقدي الدولي - تماماً كما يجب أن نعمل معاً لمواجهة التهديدات العالمية مثل تغير المناخ.
ويتعين علينا أن نصمم وننشئ البنية التحتية التي من شأنها تيسير المزيد من التكامل. ويتضمن هذا تكثيف عملنا بشأن المدفوعات العابرة للحدود.
وعلى وجه التحديد، أود التركيز على مسألة إنشاء بنية تحتية عامة جديدة تربط بين نظم المدفوعات المختلفة وتنظمها، بغية التصدي لتشتت النظام النقدي الدولي.
ومن شأن ذلك أن يكون وسيلة جديدة للربط بين الأفراد والأسواق والاقتصادات في العالم الرقمي.
يجب علينا النظر إلى ما يرتكز عليه النظام النقدي الدولي - إلى أسس هذا النظام - ما أسميه نظام المدفوعات الدولية. تلك هي «الطرق والسكك الحديدية والجسور والأنفاق» المالية التي تسمح بتبادل العملات وتدفق رأس المال بين البلدان.
ويتضمن هذا النظام الروابط بين البنوك المراسلة؛ ونظم التراسل على غرار «سويفت»؛ وخدمات تحويل الأموال وشبكات بطاقات الائتمان؛ وكذلك أسواق الصرف الأجنبي، والترتيبات بين البنوك المركزية.
ومن الواضح أن نظام المدفوعات الدولية هذا ليس خالياً من العيوب.
فأداء المدفوعات عبر الحدود مكلف وبطيء ويفتقر إلى الشفافية وغير متاح لكثير ممن هم الأشد احتياجاً إليه. لماذا؟ لأن كثيراً من «الطرق» آخرها مسدود و«السكك الحديدية» تعمل على مسارات متباينة الاتساع، و«الأنفاق» غير مضاءة بالقدر الكافي. وحيثما يتعذر التشغيل المتوافق بين هذه الشبكات، يدخل الوسطاء ويبنون الروابط المطلوبة ويستقطعون مبلغاً لهم.
ومن الأمثلة الجيدة في هذا الصدد تحويلات العاملين في الخارج. فالتحويل الواحد تبلغ تكلفته المتوسطة 6,3%، أي أن حوالي 45 مليار دولار سنوياً تذهب إلى الوسطاء بعيداً عن المستفيدين النهائيين - بمن فيهم ملايين الأسر محدودة الدخل.
غير أن هناك تحدياً أكبر من ذلك، وهو أن نظام المدفوعات الدولية يواجه مخاطر متنامية من جراء التشتت. رسالتي الأساسية هي أن البلدان ينبغي أن تعمل معاً لبناء «طرق وسكك حديدية وجسور وأنفاق» جديدة - باستخدام منصات رقمية عامة لربط نظم المدفوعات.
ومن شأن هذا أن يجعل المدفوعات الدولية أكثر كفاءة وأماناً وشمولاً للجميع. ومن المهم أيضاً أن من شأنه الحد من مخاطر التشتت.
يتعين علينا استخدام أحدث المعدات، ولا سيما التكنولوجيات المتطورة.
إن إرسال الأموال عبر الحدود يمكن أن يتم بصورة شبه فورية ومجانية. ويمثل ذلك نتاجاً مهماً لعدة مشروعات تجريبية نفذها مجمع الابتكار في بنك التسويات الدولية بالشراكة مع عدد كبير من البنوك المركزية.
وتعد البنية التحتية العامة مكوناً أساسياً في هذه المشروعات التجريبية، وتتضمن المنصات الرقمية التي تساهم في تسهيل الاتصالات، والامتثال التنظيمي، والمنافسة بين مقدمي خدمات المدفوعات، وصولاً إلى تسوية المعاملات عبر الحدود - في نهاية المطاف.
وينطبق الأمر نفسه على فكرة إنشاء منصة تربط بين مختلف أشكال النقود التي ستستخدمها البلدان وتدعمها بشكل قانوني. ويتضمن ذلك الودائع في البنوك التجارية، وربما العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية أيضاً، وحتى بعض ترتيبات العملات الرقمية المستقرة (stablecoin) - إذا كانت جيدة التصميم والتنظيم.
ولكننا في حاجة إلى أكثر من مجرد معدات ذات إمكانات هائلة.
ويؤثر نظام المدفوعات الدولية بصورة مباشرة على النظام النقدي الدولي. لذلك فإن زيادة كفاءة المدفوعات ستؤدي إلى تغيرات مستمرة أيضاً في طبيعة التدفقات الرأسمالية.
وقد نشهد ارتفاعاً في التدفقات بوجه عام. ويمكن أن يساعد ذلك على إعطاء دفعة للاستثمارات المنتجة وعلى تكامل الأسواق - وربما نشهد المزيد من التدفقات إلى البلدان منخفضة الدخل، أو القطاعات التي كانت أقل استفادة من التدفقات في الماضي.
وفي الوقت نفسه، يمكن أن تنشأ عدة مخاطر نتيجة زيادة الكفاءة، بداية من زيادة خطر العدوى وتفاقم آثار التقييم في الأسواق المالية.
* مقتطفات من كلمة مدير عام صندوق النقد الدولي أمام مؤتمر صندوق النقد الدولي وبنك سويسرا المركزي في زيوريخ مايو 2022