رغم البيانات الرسمية والتقارير الإعلامية التي تسلط الضوء على قوة الإنفاق الاستهلاكي وسوق العمل في الولايات المتحدة، أو تروّج لارتفاع تقييمات سوق الأسهم، فإن أكثر من ثلاثة أرباع الأمريكيين ينظرون إلى الأوضاع الاقتصادية على أنها سيئة (36%) أو متوسطة (41%).
وهذا التناقض بين الأداء الاقتصادي العام والتصور الشعبي له قد تكون له تداعيات واسعة النطاق، وهو بالفعل أسهم في فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية.
وفي الاقتصادات المعقدة والمتخصصة، يعتمد الأفراد على «وسطاء معلومات» لسد الفجوات المعرفية، بما في ذلك الإعلام التقليدي، والحكومة، والخبراء مثل العلماء. ومع ذلك، فإن الثقة في هذه المؤسسات آخذة في الانخفاض بشكل حاد في الولايات المتحدة.
ووفقًا لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «غالوب» في عام 2023، فإن الثقة في المؤسسات الإعلامية مثل الصحف والتلفزيون الإخباري، وفي الحكومة، وصلت إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق:
* 18% فقط يثقون في الصحف.
* 14% يثقون في الأخبار التلفزيونية.
* 8% يثقون في الكونغرس.
ورغم أن العلماء يتمتعون بمستوى ثقة أعلى (76%)، فإن نسبة الأمريكيين المتشككين بشدة آخذة في النمو، لاسيما بين الجمهوريين.
وأحد أسباب عدم الثقة هو الفجوة بين الروايات الإعلامية المتفائلة حول أداء الاقتصاد والواقع المعيشي للكثيرين. تشير بيانات توزيع الدخل إلى التحديات التي تواجه الأسر الأمريكية:
* الأزمة المالية العالمية 2008 ألحقت ضرراً كبيراً بثروات النصف الأدنى من الأسر الأمريكية، حيث انخفضت حصتهم من صافي الثروة الإجمالية إلى 0.7% فقط في عام 2010.
* رغم بعض الانتعاش، فإن جائحة «كوفيد-19» والتضخم المتصاعد، وما تبعه من رفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، أدت إلى موجات جديدة من التحديات.
وبلغ إجمالي الثروة الأسرية في الولايات المتحدة حالياً 154 تريليون دولار، في حين أن النصف الأدنى من الأسر يمتلك فقط 2.5% من هذه الثروة، أي ما يعادل 58,000 دولار في المتوسط لكل أسرة من حوالي 66 مليون أسرة. وفي المقابل، تمتلك أعلى 10% من الأسر ثلثي الثروة الإجمالية.
وهذا التفاوت يجعل من السهل فهم سبب عدم ثقة الأمريكيين في السرديات الاقتصادية المتفائلة التي لا تعكس واقعهم.
وفي ظل تراجع الثقة في المؤسسات التقليدية، أصبحت وسائل الإعلام الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي مصادر رئيسية للمعلومات. ولكن هذه الوسائل، رغم تسهيلها الوصول إلى كم هائل من المعلومات، تعقد الأمور بسبب انتشار المصادر غير الموثوقة.
وتُظهر الأبحاث أن منصات مثل فيسبوك وتيك توك أصبحت آليات قوية لتشكيل المجموعات. وتؤدي هذه المجموعات إلى تعزيز التحيز التأكيدي، حيث يبحث الأفراد عن معلومات تتماشى مع معتقداتهم السابقة.
وهذا الانقسام في التصورات يجعل من الصعب تحقيق إجماع حول السياسات الاقتصادية. ستظل التحديات القائمة، بما في ذلك التفاوت الكبير في الثروة، وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية والتعليم، تعقد الأمور.
*حائز جائزة نوبل في الاقتصاد، وعميد سابق لكلية الدراسات العليا للأعمال في جامعة ستانفورد.
مايكل سبنس *
لطالما كان للسياسة الصناعية بُعد مثير للجدل في استراتيجيات النمو والتنمية للاقتصادات الناشئة. والآن، أدى طرح «قانون الرقائق الإلكترونية والعلوم 2022»، والمسمى خطأً «قانون خفض التضخم الأمريكي»، إلى إعادة إشعال نقاش مماثل في الاقتصادات المتقدمة. لكن، لسوء الحظ، غالباً ما يولّد هذا النقاش جعجعة دون فائدة تُذكر.
إن الهدف من السياسات الصناعية هو تغيير مخرجات السوق بطرق تجعلها تتماشى بشكل أفضل مع الأهداف الاقتصادية والاجتماعية الأوسع لأي بلد. وقد يشعر الأصوليون في السوق الحرة بالضيق، ولكن في العالم الحقيقي، هناك العديد من التدخلات الحكومية، المقبولة نسبياً والمدعومة على نطاق واسع، التي ترسم تلك المخرجات.
فعلى سبيل المثال، يعتبر استثمار القطاع العام في البنية التحتية والتعليم وقاعدة العلوم والتكنولوجيا في الاقتصاد مكملاً أساسياً للاستثمار الخاص، ويهدف لتخفيف المخاطر، وزيادة العائدات، وتعزيز الأداء الاقتصادي العام. وتشمل التدخلات الأخرى المقبولة على نطاق واسع والتي تغير نتائج السوق، سياسة مكافحة الاحتكار أو المنافسة، وتدابير للتغلب على فجوات المعلومات وعدم التناسق، والتنظيم لمعالجة العوامل الخارجية السلبية، وحماية بيانات المستخدم وضمان سلامة كل شيء من الطائرات إلى الغذاء.
لكن تبقى هذه ردود فعل على إخفاقات السوق المعروفة. إلا أن السياسات الصناعية، على الأقل الأكثر إثارة للانقسام، تسبق ذلك خطوة إلى الأمام، وتعيد تشكيل جانب العرض في الاقتصاد سعياً وراء أهداف أخرى غير الكفاءة في تخصيص الموارد.
ويقدم قانون الرقائق الإلكترونية والعلوم الأمريكي دراسة حالة مثيرة للاهتمام. ويتكون التشريع من ثلاثة مكونات رئيسية، الأول هو الاستثمار في العلوم والتكنولوجيا ورأس المال البشري المرتبط بهما. وفي حين أن الهدف الرئيسي قد يكون ضمان احتفاظ الولايات المتحدة بالسيطرة العليا في منافستها الاستراتيجية مع الصين، فإن مثل هذا الاستثمار لا يغير بشكل مباشر الهيكل الذي يحدده السوق للاقتصاد المحلي أو العالمي.
وعلى النقيض من ذلك، فإن المكون الثاني، وهو تحويل العديد من الروابط في سلاسل توريد أشباه الموصلات العالمية المعقدة إما إلى الولايات المتحدة أو إلى شركاء تجاريين ودودين أو موثوقين، يتخطى بشكل مباشر نتائج السوق في قطاع مهم كهذا. فهذا الهدف لم يوضع من أجل تحسين الكفاءة، بل لتعزيز الأمن القومي والمرونة الاقتصادية.
وسيكون للمكون الرئيسي الثالث، المتمثل بالقيود المفروضة على التجارة والاستثمار والتدفقات التكنولوجية إلى الصين، تأثير بعيد المدى مماثل على شركاء أمريكا التجاريين وهيكل الاقتصاد العالمي. ومرة أخرى، الكفاءة ليست الهدف. بدلاً من ذلك، تأمل الولايات المتحدة بعرقلة تقدم الصين في التقنيات المتقدمة، بما في ذلك أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي.
يبدو المُكونان الأول والثالث مقبولين نسبياً ولا يثيران الجدل، على الأقل محلياً، على الرغم من عواقبهما طويلة المدى على العلاقات الاقتصادية لأمريكا وتماسك النظام التجاري متعدد الأطراف. فالكراهية المتوارثة تجاه الصين، رغم كل شيء، هي واحدة من نقاط التوافق (القليلة للغاية) بين الحزبين في الولايات المتحدة.
ومع ذلك، ثبُت أن المكون الثاني مثير للانقسام حقاً. ويشير النقاد إلى أن الاستثمار العام الانتقائي في القدرة الإنتاجية لأي صناعة يرقى إلى اختيار الفائزين والخاسرين. ومن وجهة نظرهم، فإن الحكومات ليست مجهزة جيداً للقيام بهذه المهمة، لأسباب ليس أقلها أن المصالح الخاصة يمكن أن تسيطر على عملية صنع القرار.
وعلى الرغم من أن هذه الحجة المؤيدة للاعتماد على نتائج أو مخرجات السوق لا ينبغي استبعادها تماماً، إلا أنه ينبغي مواجهتها ببعض الشك، وذلك لأنها غالباً ما تكون متجذرة بالمنافسة غير المقيدة. وفي واقع الحال، يمكن أن تكون السياسة الصناعية ضرورية للبقاء الاقتصادي للولايات المتحدة على المدى الطويل، كما في حالة الدفاع، لا سيما في أوقات الحرب.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت السياسة الصناعية جديرة بالمتابعة، ولكن كيف ننجزها بشكل جيد؟ وهنا تبرز قدرة الحكومة لتكون أمراً حاسماً، فمن أجل العمل بفاعلية كمستثمر ومشترٍ رئيسي للمنتجات والخدمات، تحتاج الحكومة إلى أشخاص يتمتعون بالموهبة والخبرة، ويتلقون تعويضاً مناسباً، ومؤسسات جيدة التصميم. علاوة على ذلك، يجب أن تكون الأهداف دقيقة ومحدودة وواضحة، ويجب إقامة حواجز حماية للحماية من سيطرة القطاع الخاص. فالسياسة الصناعية ليست رفاهية للشركات.
إلى ذلك، تكثر الأمثلة على السياسات الصناعية الناجحة. ومنها وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية الأمريكية المتقدمة، التي تتمتع بسجل حافل في دفع التطور التكنولوجي للجيش الأمريكي من خلال الشراكات مع الجامعات والجهات الفاعلة في القطاع الخاص، مع ارتدادات إيجابية هائلة على الاقتصاد الأوسع.
يعمل النظام الأمريكي أيضاً على تخصيص الأموال للبحوث الأساسية في العلوم والهندسة بشكل جيد، فهو يختار بالتأكيد الفائزين والخاسرين، ولكن بطريقة موضوعية ومنهجية، وذلك بفضل مزيج من تقييم الخبراء من الأقران والمنافسة الحقيقية. وقد قدم النجاح المذهل لبرنامج تطوير لقاح كورونا العديد من الدروس لتصميم التدخلات الفعالة.
في وقت ترسم فيه اعتبارات الأمن القومي السياسة الاقتصادية للعالم، وتتصاعد التوترات الجيوسياسية وتتفتت صخرة سلسلة التوريد، فإن السياسة الصناعية أمرٌ لا مفر منه. وعلينا أن نتعلم من التجارب السابقة، ونحدد المخاطر التي يثيرها كل نهج، ونوظف أفضل المواهب وفق أدق معايير تقييم الأداء، فضلاً عن عدم الانغماس في المناقشات السطحية المشحونة أيديولوجياً التي لا تدرك حقيقة أن جميع الأهداف لا يمكن تتوافق بشكل جيد مع الكفاءة الاقتصادية.
* حائز جائزة نوبل في الاقتصاد، وأستاذ فخري في الاقتصاد وعميد سابق لكلية الدراسات العليا للأعمال في جامعة ستانفورد.* بروجيكت سينديكيت