تأتي الذكرى السنوية لليوم العالمي للعمل الإنساني، لتشكل تذكيراً عالمياً بأهمية التعاون الدولي في مواجهة الأزمات الإنسانية وضرورة تعزيز جهود العمل الدبلوماسي حول العالم، وهنا يبرز دور دولة الإمارات العربية المتحدة، كلاعب محوري على الساحة الإنسانية العالمية، من خلال دبلوماسيتها الفاعلة واستراتيجياتها المبتكرة في مجال العمل الإنساني عبر مد أيادي الدولة البيضاء لكل إنسان حول العالم يقع تحت وطأة الحرب، أوالجوع والفقر والشتاء دون تفرقة باعتبار أن الجميع أخوة في الإنسانية.
ركيزة العمل الإنساني لدولة الإمارات ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لمبادئ العطاء المتجذرة في تاريخ وثقافة الدولة، التي أرساها الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه. فقد شكلت رؤيته الإنسانية حجر الزاوية في جعل الإمارات دولة رائدة في العمل الخيري ومساعي السلام الدولي.
وما زالت القيادة الرشيدة لدولة الإمارات تسير على هذا النهج، مستندة في ذلك إلى رؤية حكيمة من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، «حفظه الله»، في بناء عالمٍ أكثر أمناً وسلاماً واستدامة، وهو ما عزز من مكانة الدولة كقوة دبلوماسية، وإنسانية في المنطقة والعالم.
وينعكس هذا النهج بوضوح في رؤية أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية وبرامجها، خصوصاً في برنامج ماجستير الآداب في الأعمال الإنسانية والتنموية، الذي يسهم في تعزيز قدرات الأجيال القادمة من الدبلوماسيين، وتزويدهم بالمهارات اللازمة لقيادة دبلوماسية العمل الإنساني لدولة الإمارات بحياد واستقلالية.
تعتمد دولة الإمارات في عملها الإنساني على استراتيجيات شاملة تهدف إلى تحقيق تأثير دائم في حياة الأفراد والمجتمعات، وذلك عبر العديد من المؤسسات الوطنية ذات الدور الفاعل، مثل «الهلال الأحمر الإماراتي» و«مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية»، وغيرها الكثير. حيث تسهم هذه المؤسسات في تقديم الدعم في مجالات حيوية كالصحّة والتعليم والإغاثة الطارئة، ما يعكس التزام الدولة تطبيق استراتيجيات إنسانية مبتكرة ومستدامة تعزز من مكانتها الإقليمية والدولية في مجل العمل الإنساني.
وقد برز دور دولة الإمارات كواحدة من أكثر الدول كفاءة في الاستجابة للأزمات الإنسانية العالمية؛ كمواجهة تداعيات النزاعات والكوارث الطبيعية، حيث قامت دولة الإمارات بإرسال طائرات محملة بعشرات الأطنان من الإمدادات الطبية والغذائية إلى أفغانستان، وشحنة مساعدات لمتضرري الجفاف في الصومال.
كما كانت الإمارات من أوّل المساهمين في تقديم المساعدات الإنسانية إلى تركيا وسوريا لمواجهة آثار الزلزال المدمر في 6 فبراير العام الماضي، إذ وجهّت ما يزيد على 150 مليون دولار لدعم المتضررين من الشعبين، إضافة إلى توجيه جسر إنساني عبر عملية «الفارس الشهم» تم خلاله تسيير 243 طائرة، وسفينتي شحن تحملان 10 آلاف طن مساعدات، كما وجهت طائرة مساعدات تحمل 14 طناً من المساعدات للمتضررين من الشتاء في أوكرانيا. كما كان للوساطة الدبلوماسية الإماراتية دور استراتيجي في تخفيف حدة التوترات بين كل من روسيا وأوكرانيا.
كما لا يمكننا أن ننسى جهود دولة الإمارات في تقديم المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، حيث تصدرت الإمارات دول العالم عبر تقديم الإغاثات إلى الشعب الفلسطيني، كما وتواصل الدولة العمل مع الشركاء الدوليين لتكثيف الجهود لضمان وصول وتوزيع المساعدات عبر كل الطرق المتاحة براً وبحراً وجواً للإسهام في التخفيف من وطأة الأوضاع الإنسانية الحرجة التي يواجهها سكان القطاع.
وهو ما يعكس دعم الدولة الثابت للشعوب المنكوبة ويؤكد دورها المحوري في مجال العمل الدبلوماسي، والإنساني على الساحة الدولية والعالمية.
وانطلاقاً من إيمان دولة الإمارات بأهمية الشراكات الدولية في تحقيق أهدافها الإنسانية، تعتمد الدولة على استراتيجيات دبلوماسية، لتمكين التعاون مع المنظمات الدولية والإقليمية، بما في ذلك الأمم المتحدة، والمنظمات غير الحكومية العالمية، حيث تسعى الإمارات لتحقيق استجابة سريعة وفعالة للأزمات العالمية وتحقيق التنمية المستدامة، ما يعكس رؤيتها في دعم جهود العمل الإنساني العالمي.
وفي هذا السياق، تتبنى دولة الإمارات نظرة مستقبلية قائمة على رؤية استراتيجية تركز على الابتكار واستخدام التكنولوجيا لتطوير كفاءة توزيع المساعدات الإنسانية، ومن أبرز الأمثلة على هذه الابتكارات هو تبني دولة الإمارات لتقنيات حديثة في إدارة الأزمات، مثل استخدام الطائرات من دون طيار لتوزيع المساعدات في المناطق التي يصعب الوصول إليها.
جهود دولة الإمارات في العمل الإنساني لا تقتصر على الصعيد الخارجي فحسب، بل تمتد أيضاً إلى تعزيز الوعي الثقافي والاجتماعي وغرس قيم العمل الإنساني داخلياً عبر تنظيم الفعاليات والندوات، وتفعيل المشاركة المجتمعية، حيث تتيح الدولة الفرصة أمام المواطنين والمقيمين للمشاركة في جهود الإغاثة الإنسانية عبر مؤسساتها المختلفة، ما يعكس مفاهيم التسامح والترابط التي يقوم عليها المجتمع الإماراتي.
وبالنظر إلى المستقبل، تبقى دولة الإمارات ملتزمة استراتيجيتها الدبلوماسية في مجال العمل الإنساني، انطلاقاً من دورها الريادي على الساحة الإنسانية العالمية، وذلك من خلال حرصها على تعزيز الشراكات العالمية في مجال العمل الإنساني العالمي؛ إذ تتطلع دولة الإمارات – دوماً - إلى مستقبل يعمه الأمن والسلام والاستقرار لكافة المجتمعات، مؤمنةً بأن العمل الإنساني كان وسيبقى «حجر الزاوية من أجل بناء عالم أفضل لأجيال المستقبل».
د. محمد إبراهيم الظاهري*
مع تضافر الجهود الدولية لاستكشاف الفضاء الخارجي، أصبحت دبلوماسية الفضاء ركيزة أساسية لتحقيق التعاون الدولي المطلوب، وتعزيز التقدم التكنولوجي اللازم، وفي هذا الإطار تعد محطة الفضاء الدولية (ISS) بمثابة دليل حي يؤكد نجاح دبلوماسية الفضاء التي تنتج بسبب التعاون الحقيقي في هذا المجال.
دولة الإمارات العربية المتحدة زرعت بذور آمالها وطموحها في السبعينات عندما التقى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، بوفد «وكالة ناسا» الفضائية الأمريكية، بعد مهمة «أبولو» التاريخية؛ حيث تحولت هذه الرؤية إلى واقع ملموس مع إنشاء مؤسسة الإمارات للعلوم والتقنية المتقدمة في 2006، والتي أصبحت تسمى الآن مركز محمد بن راشد للفضاء، كما جاء إطلاق وكالة الإمارات للفضاء في عام 2014 بمثابة نقلة نوعية وتقدم ملحوظ في تحقيق طموحات الدولة.
ولعل واحداً من أهم الإنجازات الفضائية للإمارات في 2020 هو إطلاقها «مسبار الأمل»، وتوقيع «اتفاقيات أرتميس»، والبرنامج الوطني للأقمار الصناعية «سرب»، ما يؤكد التزام الدولة بمواجهة التحديات العالمية، خاصة في ما يتعلق بالتغيّر المناخي والتنمية الحضرية.
وعلى القدر نفسه من الأهمية، أصبح رائد الفضاء الإماراتي د. سلطان النيادي، وهو وزير دولة للشباب حالياً، أول رائد فضاء عربي يكمل مهمة مدتها 6 أشهر في محطة الفضاء الدولية، على الرحلة الاستكشافية 69، ليكون بذلك أول عربي يقوم بالسير في الفضاء، ما يعكس حرص الإمارات وطموحاتها في تعزيز الجهود المبذولة في مجال الاستكشاف العلمي.
أُطر التعاون
في عام 2019، أظهرت دولة الإمارات التزامها بتطبيق معايير الفضاء العالمية، من خلال سن قوانين تنظيمية متقدمة، وإنشاء «المجموعة العربية للتعاون الفضائي»، تحت قيادة عمران شرف، حيث لعبت الدولة دوراً فاعلاً في لجنة الأمم المتحدة لاستخدام الفضاء الخارجي في الأغراض السلمية (COPUOS)، ما عزز من مكانتها في هذا المجال على الساحة الدولية.
كما أنه، ولتعزيز جهودها في استكشاف الفضاء، أعلنت دولة الإمارات مؤخراً، عن مشاركتها في تطوير وحدة معادلة الضغط، أو ما تُعرف بCrew & Science Airlock لمحطة البوابة القمرية التابعة لوكالة ناسا، تعزيزاً للتطلعات العلمية الخاصة بالفضاء، وتكريس مفاهيم التعاون الدولي.
وفي إطار دعمها للاستثمار المستدام، خصصت الإمارات ثلاثة مليارات درهم في إطار التعليم والمبادرات الفضائية التابعة لوكالة الإمارات للفضاء، كما تهدف برامج مثل «نوابغ الفضاء العرب»، التي تلقى تشجيع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، إلى بناء الجيل القادم من خبراء الفضاء العرب. ولا ننسى أن رحلة سلطان النيادي الناحجة لمحطة الفضاء الدولية ترفع من تطلعات دولة الإمارات لتحقيق إنجازات نوعية، وتؤكد حرصنا على تحقيق الريادة في هذا المجال.
وفي ظل الآمال الكبيرة التي تحملها دبلوماسية الفضاء، تتجلى مرونة دولة الإمارات العربية المتحدة، في تنفيذ العديد من المشاريع مثل «المستكشف راشد 2» الذي يُظهر تصميماً والتزاماً ووفاء لمبدأ الاستمرار في التقدم، كما توفر المشاريع المشتركة، الحكومية والتجارية، على السواء، سبلاً لتعزيز التقدم التكنولوجي، وتعزيز العلاقات الدولية، وتحقيق إنجازات علمية جماعية تساعد العالم من منظور أوسع.
ومع توسع حدود استكشاف الإنسان للفضاء، تزداد أهمية الدبلوماسية الفضائية أكثر؛ فتأثيرها لا يقتصر على التعاون والعلاقات المشتركة فحسب، بل يساعد أيضاً على تجاوز القيود الأرضية، لذا يتطلب المستقبل، سواء على كوكبنا أو في الكون الواسع، أن تكون هناك رؤية مشتركة، وروح تعاون تدفعنا لاستكشاف إمكانات أكبر وإيجاد سبل جديدة للاستفادة منها، وتحقيق إنجازات تخدم البشرية جمعاء.
* نائب مدير عام أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية