صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
محمد بن حميد
رئيس دائرة الإحصاء والتنمية المجتمعية في الشارقة
أحدث مقالات محمد بن حميد
5 أكتوبر 2024
البيانات.. حكاية تاريخ ورؤية مستقبل

غالب المصطلحات المتعلقة بالبيانات في عصرنا الراهن تتسم بالجمود، وبعضها يبتعد قليلاً عن حقيقة جوهرية يجب أن نظل نذكّر بها أنفسنا لأهميتها، وهي أن البيانات ليست مجرد أرقام وإحصائيات ومعلومات مجردة، بل هي حكاية متماسكة البناء لتاريخ البشرية وتطورها، وهي نتاج الإنسانية في جميع أحوالها. ومهما كان مصدر البيانات، فهي لا تعني شيئاً إلا إذ تدخل العقل البشري لتنظيمها وتحليلها وتحويلها إلى مفاهيم ونظريات وأدوات بناء وتنمية.
وعلى الرغم من المفهوم التجاري والمهني للبيانات، في توجيه مسيرة التقدم على كافة صعدها، وفي تعزيز تنافسية الشركات والمؤسسات وتطوير التجمعات الحضرية ومرافقها وخدماتها، إلا أن استخدامه وحده يخلق فجوة واسعة بين البيانات وبين البشر، فلا تندمج بالشكل الكافي في ثقافة ومؤهلات الأفراد الذين يشكلون في مجموعهم الثروة البشرية، ولا تندمج في السياق الاجتماعي التنموي بصورة مؤثرة.
لذلك، فإن «أنسنة البيانات» أي تبسيطها وربطها بالإنسان دوماً، يجعلها أكثر قرباً للمجتمعات، بحيث يسهل على كافة الفئات فهمها وتداولها ودمجها في الحياة العامة، إذ عندها تصبح أداة قوية للارتقاء بممارسات الحياة وشكلها وجودتها، فتكون في متناول أيدي منظمات العمل الإنساني على سبيل المثال، أو مؤسسات رعاية الأطفال والشباب أو المراكز الصحية الصغيرة المنتشرة في المدن والأرياف، أو في المؤسسات الأكاديمية مثل رياض الأطفال والمدارس والجامعات، وفي متناول الشباب من خلال إنشاء مراكز خاصة للتوجيه العلمي والوظيفي، ترشدهم لاختيار مسارهم المستقبلي وأعمالهم ومشاريعهم الخاصة.
من ناحية أخرى، يرسخ مفهوم «أنسنة البيانات» لأن يكون الإنسان محور كل نشاط وهدف كافة السياسات والقرارات، وبهذا تصبح جودة حياة الأفراد ومصالح المجتمعات وأمنها واستقرارها وصحتها العامة، محوراً أساسياً في قياس مدى نجاح النشاطات الاقتصادية والسياسات العامة.
إن دمج البيانات بالحياة الخاصة للأفراد وربطها بطموحات المجتمعات يتطلب جهداً إضافياً على مختلف المستويات، فهذا يحتاج إلى إنشاء مراكز بيانات مجتمعية للدعم والإرشاد والتوجيه، واستحداث مناهج دراسية جديدة، كما يحتاج إلى الفعاليات التي تدعم هذا التوجه وتوضح أهميته وتسهل تجسيده وممارساته على أرض الواقع، والأهم من ذلك يحتاج إلى سياسات جديدة في تنظيم البيانات وتحليلها واستخلاص المفاهيم والأفكار على أساسها ومشاركتها مع المجتمع وليس مع قطاعات الأعمال أو صناع القرار فقط.
من هذا التحليل تنطلق رؤيتنا في تنظيم الدورة الأولى للمنتدى الإقليمي للبيانات والتنمية المجتمعية، هذا المنتدى الذي يخاطب جمهوراً واسعاً، ليروي معهم ومن خلالهم، ليس حكاية ما حدث فقط، بل وحكاية ما سيحدث أيضاً.

11 أغسطس 2023
البيانات.. من معرفة العالم إلى فهمه

في توصيفه للعصر الراهن، كتب المؤلف ومحلل البيانات الأمريكي، نيت سيلفر: «إنه عصر البيانات؛ حيث يمكن أن تغير الأرقام والمعلومات حياتنا وطريقة فهمنا للعالم». في الحقيقة هذه المقولة جوهرية ودقيقة جداً، فالبيانات تنقلنا من حالة معرفة ما يجري في العالم إلى خانة فهمه، وما بين المعرفة والفهم مسافة طويلة، فالأولى تعني الاطلاع على ما جرى، وامتلاك المعلومات حول مجريات الأحداث السابقة، أما الثانية فتعني فهم عناصر الأشياء وعلاقتها وتأثيرها بعضها ببعض، وأسباب المتغيرات وتوجهاتها، وتعني أيضاً امتلاك القدرة على توقع ما سيحدث بعد عشرات السنين.
ولا تصبح البيانات بهذه القوة المؤثرة، إلا إذا جاءت في سياق مشروع ضخم، تحمله مؤسسات وجهات مختصة، يحركه علماء وباحثون بمختلف المجالات، ويشمل أيضاً مراحل عدة، تبدأ بمعرفة الطرق المثلى والشاملة لجمع البيانات ومناهج توثيقها واختيار المناسب والصالح منها، ومن ثم تحليلها للخروج باستنتاجات علمية، بهذه الطريقة نمتلك أدوات فهم الحاضر وعلاقته بما مضى، والأهم من ذلك ومن خلال الطرق العملية في التحليل والتوقعات، نستطيع أن نحدد مسارنا نحو المستقبل، وأن نقرر ما علينا فعله الآن، ليكون هذا المستقبل مزدهراً ومستداماً للجميع بدون استثناء.
استعدت تلك المقولة وهذه الحقيقة، خلال لحظات الفخر التي رافقت الانتهاء من «تعداد الشارقة 2022»، هذا المشروع الضخم والمهم الذي شارك فيه عدد هائل من مؤسسات الإمارة، وحظي بدعم ورعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، فهذا المشروع يشكل جزءاً أساسياً من مشروع الشارقة الثقافي والحضاري، فهو بحد ذاته دليلنا نحو طموح مجتمع الإمارة، وهو أيضاً نافذتنا التي نرى من خلالها، ما ستكون عليه إمارتنا غداً.
ولأن الشارقة لها تجربتها الخاصة وتملك رؤية محكمة، سأضيف تفسيراً جديداً لمقولة محلل البيانات سيلفر، وهي أن البيانات أعادت للبعد الاجتماعي اعتباره في التخطيط وسن السياسات والإعداد للمستقبل؛ حيث أصبحت مساعي الحكومات والجهات الرسمية أكثر استجابة لطموحات المجتمع من أفراد وأسر ومؤسسات وشركات، لأنها من ناحية سهّلت التعامل مع المجتمع ككتلة واحدة، ومن ناحية ثانية نقلت الخطط المستقبلية من التقديرات والتوقعات إلى الحقائق، الأمر الذي يؤثر إيجاباً على الجميع بدون استثناء، كل هذا يضاف إلى الشراكة بين الأفراد والجهات الرسمية في عملية جمع البيانات، وهو ما تجلى في مشروع تعداد الشارقة الذي تقدم للمشاركة فيه أكثر من 6500 متطوع من أكثر 40 جنسية، وحظي باستجابة رائعة من المجتمع المحلي.
لقد دخلنا بقوة عصراً جديداً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، والمستقبل سيكون بجانب من يمتلك أدوات هذا العصر ويحسن استخدامها ويوجهها نحو الغايات السامية، ونحن واثقون بأننا في إمارة حفرت مكانتها في قلب التاريخ، وتركت بصماتها على الحاضر، وسيكون لها مكانتها التي تستحق في المستقبل.