منى الرئيسي
في الشرق الأوسط لا تختبر الدول فقط بقوة جيوشها بل أيضاً بأخلاقها ومبادئها في لحظات التوتر.
فالمنطقة التي عاشت عقوداً طويلة على إيقاع الحروب والصراعات اعتادت على أن ترى الدول وهي تتحول سريعاً إلى معسكرات مواجهة وأن تتحول المجتمعات إلى ضحايا للتوترات السياسية.
لكن الإمارات حاولت منذ تأسيسها أن تقدم نموذجاً مختلفاً.. نموذج دولة ترى في الاقتصاد طريقاً للسلام وفي التنمية طريقاً للاستقرار.
غير أن الجغرافيا كما يقول علماء السياسة لا تمنح الدول رفاهية اختيار محيطها، فالمنطقة التي تقع فيها الإمارات كانت على مدى نصف قرن مسرحاً لأزمات كبرى:
الحرب العراقية الإيرانية، غزو الكويت، الحروب المتلاحقة في العراق، ثم موجات التوتر المستمرة في الخليج.
وسط هذا المشهد حاولت الإمارات دائماً أن تكون جزيرة استقرار وسط بحر من الاضطراب. لكن حين تتحول التوترات إلى اعتداء مباشر تتغير المعادلات.
في حديث مطول أجريته مع الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، ضمن حلقة استثنائية من بودكاست مرايا التابع لهيئة الشارقة للإذاعة والتلفزيون بدا واضحاً أن ما يحدث اليوم في المنطقة ليس مجرد أزمة عابرة بل لحظة مفصلية تعيد تعريف شكل العلاقة مع إيران.
فبحسب البيانات الرسمية، تعرضت الإمارات لهجمات صاروخية ومسيرات غير مسبوقة بالمعنى الفعلي للكلمة استهدفت مواقع مدنية. في تصعيد إقليمي واسع هز المنطقة.
وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا الإمارات؟
الإجابة التي يقدمها قرقاش لا تبدأ من لحظة الصواريخ بل من سياق أعمق.. فالإمارات كانت طوال السنوات الماضية من أكثر الدول التي سعت إلى فتح قنوات الحوار مع إيران، ورفضت الانخراط في صراعات إقليمية تزيد من تعقيد المشهد بل وكانت الوسيط لحل خلافاتها في الإقليم ولدى القوى الكبرى، لكن الاعتداءات الأخيرة — كما وصفها قرقاش أثناء الحوار — تجاوزت كل الخطوط. لقد سقطت ورقة التوت.
فما كان يقال لسنوات عن أن البرنامج الصاروخي الإيراني برنامج دفاعي لم يعد مقنعاً بعد أن استخدم في استهداف دول الجوار، ولهذا يرى المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات أن طبيعة المفاوضات الدولية مع إيران لن تعود كما كانت.. فبعد أن كانت تركز لعقدين على البرنامج النووي ستضطر الآن إلى فتح ملف آخر لا يقل خطورة:
البرنامج الصاروخي.
فحين تتحول الصواريخ إلى أدوات ضغط إقليمي لم يعد ممكناً اعتبارها مجرد قدرات دفاعية بل هجومية وخير دليل ما حدث في الأيام الماضية.
لكن ورغم هذا التصعيد.. لا يتحدث قرقاش بلغة المواجهة المفتوحة، بل بلغة دولة تدرك تعقيدات الجغرافيا.
إيران - كما يقول - ستظل جاراً بحكم الموقع.. لكن الجيرة لا يمكن أن تستمر بالشكل ذاته..وهنا يبرز سؤال بسيط لكنه عميق في معناه:
هل الزجاج بعد أن ينكسر يعود كما كان؟
العلاقات بين الدول يمكن أن تُرمم...لكن الشقوق تبقى..!!
ومع ذلك، تؤكد الإمارات أن الدبلوماسية لا تُستنفد، ففي مدرسة الواقعية السياسية تبقى قنوات الحوار ضرورية حتى في أشد لحظات التوتر.. لكن الحوار لا يعني الضعف..!
فخلال العقدين الماضيين.. عملت الإمارات بهدوء على بناء منظومة متكاملة للأمن الوطني، ولهذا لم يكن المشهد الداخلي في الإمارات مشهد ارتباك مطلقاً.. بل مشهد ثقة مؤسسية. الحياة استمرت.. المجتمع بقي متماسكاً.. والاقتصاد لم يتوقف.
لكن الحرب الحديثة لم تعد فقط حرب صواريخ، فهناك حرب أخرى تدور في الفضاء الرقمي.. حرب التضليل.
وخلال حديثه، انتقد قرقاش بعض وكالات الأنباء التي تعمل - بحسب اعتقادي- ضمن أجندات مدفوعة من لوبيات سياسية تحاول تشويه صورة الإمارات.
وتأتي المفارقة بأن الواقع غالباً ما يكذب هذه السرديات، إذ إن من يعيش في الإمارات يدرك أن العلاقة بين الدولة والمقيمين لم تكن يوماً علاقة قانونية باردة.. بل علاقة إنسانية.
كما قال قرقاش بوضوح: «تعاملنا مع المقيمين بالأخوّة والإنسانية والرحمة والدعم... أشياء لم يجدوها حتى في أوطانهم».
ولهذا تحولت الإمارات خلال العقود الماضية إلى مجتمع متعدد الجنسيات يعيش فيه أكثر من مئتي جنسية في نموذج اجتماعي نادر في المنطقة.. فالإمارات لا تريد فقط أن تنجح وحدها.
بل - كما يقول قرقاش — تريد أن تقدم نموذج نجاح حماسي في المنطقة نموذج يثبت أن الشرق الأوسط ليس محكوماً بالصراعات الأبدية وأن الاعتدال والانفتاح والتنمية يمكن أن تكون طريقاً آخر..لكن هذا الطريق يحتاج أيضاً إلى وعي مجتمعي.!
ولهذا شدد قرقاش على أهمية عدم الانجرار خلف الشائعات التي تُبث خلال الأزمات.. فهدف كثير من هذه الحملات ليس تحقيق نصر عسكري بل تحقيق هزيمة نفسية داخل المجتمع.
وهذا أخطر.. ولهذا.. كما يقول، فإن أفضل رد على هذه الحملات ليس الانشغال بها، بل تعزيز الجبهة الداخلية.
وفي السياق الخليجي الأوسع، يوجه قرقاش رسالة واضحة: هذه ليست لحظة للمماحكات.. فالخطر مشترك، والمنطقة تحتاج اليوم إلى قدر أكبر من التماسك الخليجي، لأن شعوب الخليج تقف في خندق واحد.
لكن ربما أكثر ما لفتني في حديث قرقاش ليس توصيف الأزمة فقط.. بل فلسفة الدولة الإماراتية في التعامل معها.
لا إنكار للخطر.. ولا تهوين منه.. لكن أيضاً لا انجراف نحو عقلية الحرب.
فالإمارات تدرك أنها تعيش في منطقة صعبة.. لكنها اختارت منذ البداية أن تبني مشروعها على المستقبل لا على الصراع.
ولهذا يمكن تلخيص الموقف الإماراتي اليوم في معادلة بسيطة:
نحن لسنا دولة حرب.. لكننا أيضاً لسنا دولة يُعتدى عليها بصمت.. الدبلوماسية ستبقى خياراً.. لكن الأمن خط أحمر.
أما العلاقة مع إيران فستبقى علاقة جوار بحكم الجغرافيا.. لكن الجوار بعد ما حدث.. لن يكون كما كان.
فالزجاج حين ينكسر.. قد يرمم.
لكن ورقة التوت التي كانت تخفي الحقيقة.. سقطت.
قد قيل يوماً: «لا تتم الأعمال العظيمة بالقوة ولكن بالمثابرة».. هذا ما تجلّى أمام عيني، كما في أعين الكثيرين ممن يؤمنون بقدرة المرأة وهم يشاهدونها على أرض الملعب، لاعبةً أو حكماً أو حارساً أو قيادية تخطط وتضع التكتيكات، حتى لحظة انتزاعها البطولات والميداليات في كبرى الفعاليات الرياضية، والخروج من عباءة الخوف والنمطية في تقييدها بأنشطة معينة لنوعها إلى العطاء المشهود عربياً وعالمياً.
نعم الإرادة هي ما تدفعنا للخطوة الأولى على طريق الكفاح، ولكن العزيمة هي ما تبقينا على هذا الطريق حتى النهاية، وخلف العزيمة عمق الرؤية.. رؤية قرينة صاحب السمو حاكم الشارقة سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، رئيسة مؤسسة الشارقة لرياضة المرأة، التي جعلت من الشارقة بوابة كبرى لتحقيق أحلام الكثيرات من المبدعات في المجال الرياضي، فجاء الدعم كبيراً بقدر الإيمان والطموح، فسموّها تؤمن بأن النجاح وليد الرؤية والمتابعة والعزيمة، فخططت بدعم من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، وذللت الصعاب، ووضعت الاستراتيجيات، وأنشأت مؤسسات داعمة لرياضة المرأة، وخصصت لها ميزانيات كبيرة لتسد طريقها نحو نجاح تريد أن يحمل اسم الرياضية العربية إلى العالمية.
ولا أدل على هذا النجاح أكثر من دورة الألعاب للأندية العربية للسيدات، التي تعقد حالياً في الشارقة، وتحظى باهتمام رسمي وشعبي كبيرين.
وما لذلك أن يتحقق إلا مع مرور زمن على تغيير القناعات وحشد الدعم، والتشجيع المستمر الذي يغرس في نفوس المبدعات من البيت، فالمدرسة فالمجتمع، وصولاً إلى الأندية التي تصقل المهارات وتعزز الصعود على منصات التتويج.
ولكم أن تتخيلوا كيف أن البنى التحتية متطورة جداً لتهيئ كل أسباب النجاح أمام المرأة العربية الرياضية، ففي هذه الدورة تتوفر أفضل الظروف والخدمات في 6 منشآت رياضية متطورة تتوزع على مواقع مختلفة في الشارقة مراعية أعلى مستويات السلامة والأمان، وكلها مرتبطة بالسياق الثقافي والاجتماعي للشارقة، وتعكس الرؤى التي تسير عليها الدورة من ناحية تمكين المرأة وتعزيز الهوية العربية وإثراء التنوع الثقافي.
إذاً هي نقلة نوعية للرياضة النسائية العربية تبدأ من الشارقة ولا نهاية للطموح، طالما خلفه قيادة تؤمن به، وأشخاص قادرون على التحدي والنجاح.
[email protected]
تقاس الممارسة البرلمانية لأي دولة بمدى قدرة البرلمان على عكس صورة واقعية وحقيقية للمجتمع قياساً بالصلاحيات التشريعية والدستورية الممنوحة له.. وكما نعلم بأن ظروف نشأة المجتمعات تختلف من قطر إلى آخر، من تلك التي تسيطر عليها التيارات السياسية إلى تلك التي تخضع لقوانين الدول الوطنية، مما يجعل لكل مجلس نواب أو برلمان أو مجلس تشريعي تجربته الخاصة التي تحدد درجة فاعليته وأعماله بما يعكس خصوصية نظام البلد.
السادة الأعضاء، ما يهمنا هنا اليوم هو كونكم ممثلين للشعب، معبرين عن تطلعاته، ناقلين همومه ومطالباته، بدءاً من احتياجات حياة الناس الأساسية من نظام معيشة ورواتب ومسكن وصحة وتعليم وفرص عمل والعدالة، وصولاً إلى جودة الحياة والرفاهية.
المتابع لانتخابات المجلس الوطني الاتحادي 2023 يعرف جيداً الوعود الانتخابية التي قدمها المرشحون التي كانت ما بين الواقعية التقليدية غالباً والمبالغة أحياناً والمبتكرة وليدة الظروف الآنية نوعاً ما، ولتعلموا جيداً، ممثلينا الكرام، بأن هذه الوعود طوق مسؤولية في رقابكم وليست جسر عبور للفوز لمن حالفهم الحظ.. والناس لا تنسى ولو بعد حين من كان على قدر كلمته وأداء الأمانة ومن أغلق هاتفه ومجلسه الخاص بعد انتهاء الانتخابات وضمان المقعد.. وهنا لن أتطرق إلى أولئك الذين قدموا وعوداً شخصية وربما أموالاً بما يتنافى تماماً مع النزاهة والمصداقية.
دور الأعضاء لا يقف عند ما يقدمونه ضمن اللجان التي تشكل في كل دورة تشريعية جديدة للمجلس، بل ما ينتظره الناخبون هو أن يكونوا على تواصل مباشر معهم بالمشاركة المجتمعية في مناسباتهم، حضور عزاءاتهم، الرد على مكالماتهم، تعميق التواصل الرقمي من خلال منصاتهم التي لابد أن تكون مفعلة، متطلب ضروري النزول إلى الميدان ومتابعة الرأي العام في القضايا الساخنة التي تطرح والتجاوب معها وعرضها بفاعلية تحت قبة البرلمان، ومد الجمهور بالمستجدات بصراحة وشفافية، فهو بطبيعة الدور المراقب على الحكومة في تصرفاتها نحو تنفيذ ما يتطلع إليه الشعب.
وكل هذه الجهود يراها الناس ويتداولون اسم العضو الفاعل بشكل مستمر مشيدين به وبأدائه، وينتقدون من هو مخالف لتوقعاتهم المنطقية ممن يغيب عن الساحة ولا يظهر جهده للعامة ولو كان فعالاً في الحقيقة، فالجمهور يحكم على الأداء بالصوت المسموع والظهور الإعلامي والتواصل المباشر.
البرلمان الذي يريده الناس هو ما ينصفهم ويدافع عن حقوق البسطاء منهم ويأخذ بزمام المبادرة في التحديات الداخلية والخارجية الكبرى، ويكون معهم لا عليهم.. فهنا لا تحالفات ولا تيارات ولله الحمد، بل دولة حديثة قوية معتزة بقيادتها وحكومتها التي تنجز بلا كلل أو ملل، وتحاسب المقصر مهما بلغ من مكانة.
كلنا ثقة بقوة البرلمان ونزاهته، وبكونه مجلساً كبيراً يضم ممثلين عن كل القطاعات ممن سيكونون على قدر الثقة الممنوحة لهم، وسنشهد دورة مميزة فعالة ومؤثرة.
والآن ماذا تريدون أنتم من الشعب؟!
[email protected]
يعيش الوسط الإعلامي الإماراتي في هذه الفترة مرحلة منتعشة، ليس على الصعيد الاقتصادي المأمول من دوره كجزء رئيسي في منظومة الاقتصاد الإبداعي فحسب، بل من حيث زخم الفعاليات الإعلامية الكبرى التي انعقدت منذ مطلع سبتمبر، مقدمة قراءات جديدة للمشهد ومستقبل القطاع ككل.
التشريع كان أول الغيث، بإعلان مجلس الوزراء الموقر عن قانون جديد لتنظيم الإعلام، وهو الذي يترقب المهتمون تفاصيله التي لا شك في أنها ستحدث فارقاً، وستضيف مرونة أكثر على مفاصل الصناعة الإعلامية ووسائلها.
بعدها كانت الأنظار مسلطةً صوب الشارقة، حيث انعقد المنتدى الدولي للاتصال الحكومي، وهو حدث أستطيع أن أقول عنه كشاهدة عيان وفرد من منظومة الشارقة الإعلامية، إنه نجح في أن يكون مختبراً عالمياً ضخماً متعدد الورش والجلسات والرؤى.. كل شيء فيه كان يسير بين الأثر والتأثير.
والختام كان مسكاً في دبي مع انعقاد منتدى الإعلام العربي، وهناك ينطق المستقبل وتسير الرياح كما تشتهي الطواحين، مولدة طاقات إبداعية تحاكي تأثير الذكاء الاصطناعي على الإعلام، وكيف لذلك أن يكون صناعة موازية قائمة بحد ذاتها.. أسئلة المرحلة كانت حاضرة ما بين سياسة واقتصاد وبيئة وابتكار وترفيه.
الحدثان اشتركا في أمور كثيرة، أبرزها وجود عنصر الشباب بقوة وامتلاء القاعات بهم، الاحتكاك كان لافتاً بين جيل شاب، يشكل المشهد بأدواته المعاصرة، وجيل مؤسس، ينقل خلاصة خبراته وأفكاره المتراكمة التي تعد جوهر الإعلام.
والأمر الآخر هو ملامسة القضايا البيئية، فمنتدى الشارقة انعقد تحت شعار «موارد اليوم..ثروات الغد».. ومنتدى دبي استقبل جمهوره بأهم أعمال المصمم والمبدع العالمي رفيق أناضول، المتخصص في مجال التصميم بتقنية الذكاء الاصطناعي، والتي جسدت أعماله هلاوس الآلة وأحلام الطبيعة، لتعكس قضايا بيئية مهمة مثل تراجع أعداد الشعاب المرجانية.. وبذلك يلعب الإعلام المحلي دوره المؤثر خاصة مع قرب استضافة الدولة للحدث الدولي المناخي الكبير «cop28».
وبينما نحن على مشارف شهر جديد، يطل علينا قريباً الكونغرس العالمي للإعلام في أبوظبي، ليكمل الرسالة، ويعزز جهود الدولة وطموحها في دعم الاقتصاد الإبداعي بقطاعاته المتعددة، كصناعة الإعلام والتراث الثقافي وصناعات الكتابة والنشر والبرمجيات وألعاب الفيديو.. وهي التي تسهم بنسبة 3.5 في المئة في الناتج المحلي الإجمالي للإمارات، مع تطلع لزيادة هذا الرقم إلى 5 في المئة بحلول عام 2031.
ولا يبدو ذلك صعباً مع كون الدولة واحدة من أسرع أسواق الإعلام نمواً على مستوى العالم، إذ من المتوقع أن يصل سوق الإعلام والترفيه في الإمارات إلى 30 مليار دولار، بحلول عام 2025، بمعدل نمو سنوي نسبته 6.6 في المئة.
كما وتعد الإمارات أكبر سوق للإعلانات الرقمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وقد تتجاوز نفقات الإعلانات الرقمية 2.1 مليار دولار بحلول نهاية هذا العام.
[email protected]
بعد التحية لنجوم الدراما الخليجية في مسلسل «ملح وسمرة» الكويتي، هدى حسين وجمال الردهان، ولكاتب العمل الدكتور حمد الرومي، يعود البريق مؤخراً للأعمال التي تذكرنا بما كان ينتج في فترة التسعينات، حيث كانت الدراما تحاكي الواقع الأسري، وتلامس همومه بين جدران المنزل كمسلسل «أمي وأبي مع التحية»..
الواقع الاجتماعي وقضايا يخشى المجتمع الخليجي البوح بها بصوتٍ عالٍ تطرق لها العمل باحترافية السيناريو وحبكة المشاهد والمعالجة الدرامية العميقة، ملامساً شجون فئة عانت من التنمر نتيجة وقوعها تحت وطأة التصنيف العرقي القائم على اللون الأسمر، من خلال حكايات الأم الممرضة والأب المغلوب على أمره والأبناء المحقونين بالازدراء والعار، والعمة التي فاتها القطار ولم يطرق بابها أحد سوى أجنبي في مرحلة متأخرة من عمرها.. لتبدأ بعدها دوامة جديدة تفتح النور على قضية ضياع حقوق أبناء الزوجة المواطنة المتزوجة من أجنبي، مختصرة الحال بجملة: «ياني ولد البلاد.. عشان أرفضه»؟!.. نتيجة لونها والرفض المستمر من قبل أخيها الأكبر!.
وبين هذا وذاك تتجلى بوضوح معاناة الشخصية الرئيسية «هدى حسين» في صراعها مع الطفلة الداخلية التي عانت في الصغر من تحرش قريب لها، وكيف تراكمت في داخلها العقد النفسية، وتمكن منها الغضب المكبوت دهراً، ليظهر غولاً بعد سنوات في وجه طالب تحرش بحفيدها داخل حمام المدرسة، وإسفاف المدارس في التعامل مع مثل هذه القضايا الحساسة، وعند هذه النقطة نتوقف لنتفكر في الحال وما تصنعه صدمات الطفولة من شخصيات معقدة عند الكبر، والدرس هنا في كيفية تلافي أساليب التربية التقليدية التي تقوم على إسكات الطفل وزجره، بدلاً من حثه على الحديث عما يزعجه، واحتضان مخاوفه بحكمة.
ولم يتوقف الطرح عند هذا الحد، بل اتسع ليشمل قضايا سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والتسرع في رمي الطلقات الثلاث على مسامع الزوجة، نتيجة الغضب وإدمان رب الأسرة على لعب القمار، ضارباً مستقبل أبنائه عُرض الحائط، والفتاة الحسناء التي تخفي تحت مكياجها الثقيل خجلها من إصابتها بمرض «البهاق» والصرع.
وفي ظل كل هذه المشاكل وتراكماتها يقف رب الأسرة في العمل الدرامي ضائعاً بين مبادئه وقلبه، أو ربما مراهقته المتأخرة كما يحلو للبعض النظر إليها من هذه الزاوية، تاركاً أبناءه متخبطين مع قراراتهم المتسرعة، وزوجته التي اختتمت العمل بجملة رنانة: «أنت مثل الملح.. قليله مفيد في حياتي، ولكن كثرته تجلب الأمراض القلبية مع ارتفاع ضغط الدم».. كناية عن أفعاله المتهورة التي في نظره تعدّ حكمة ومبدأ!، وبعد الملح تأتي «السمرة» لتكون متنفساً من الهموم والأوجاع، وهي الحفلة الشعبية التي يسمر فيها الرجال على أنغام العود والإيقاع، وهي تقليد دأب عليه شباب الخليج.
إذاً هو مسلسل واقعي يحكي الآلام الصامتة المستترة التي قد حان الوقت لنبشها من جذورها، حتى لا تنبت أشجاراً عوجاء في حديقة الأسرة الخليجية الجميلة المعتزة بقيمها وهويتها.
[email protected]
لعل من أبرز مفرزات الحياة المعاصرة ما يمر به إنسان الوقت الحالي من «ضغوطات».. فنجد كلمة مضغوط أو مضغوطة تتكرر علينا يومياً.
الأب المضحي الذي يغيب طويلاً عن بيته ليوفر احتياجات أولاده ولا يفقد حب ابنه لأنه لا يستطيع أن يشتري له سيارة معينة.. الأم التي اضطرت إلى العمل مضاعفة بذلك مسؤولياتها وتحدياتها وهي في مواجهة مع إثبات الذات وانتزاع فرصتها والتغلب على شعور الذنب بداخلها حتى لا تصبح مقصرة في أدوارها الفطرية الطبيعية.. المبدع الذي لم تعد تسعه الوظائف ولا المنصات فانعزل في زوايا ذلك المكان الخشبي البالي ولا تفاصيل هنا تذكر.. الموظف الذي تطحنه ساعات العمل الرتيبة وهو ينازع سنوات الخدمة ليرقى سلم حلمه الذي تثاقلت خطواته عليه؛ لأن المقعد مشغول بالمسؤول التقليدي المتشبث.. شابات وشباب أحلامهم كصلصال شكلته الحياة الزائفة التي تمر على الشاشات وخلف الجوال، فبات أقصى حلمهم «حرية مزعومة والتمتع والترفيه» فغرقوا في براثن المهدئات والسهر والتخبط والعلاقات العابرة.. ويقابلهم شباب جادون ظنوا أن حلم التخصص سهل البلوغ والوظيفة اللامعة محجوزة مسبقاً فارتطموا بجدار اليأس.
قد تبدو نبرة تشاؤمية نوعاً ما، ولكن هل ننكر أنها واقع عربي معِيش في كثير من المجتمعات التي لم تعد تختلف كثيراً عما عرفناه من أزمة الإنسان الغربي؟
كل ذلك خلّف حالة من «الاغتراب النفسي».. نتيجة ظروف اقتصادية واجتماعية وأسرية وغيرها يعيشها الإنسان العربي اليوم مهما يتأقلم معها غير مدرك كم تتآكل روحه من الداخل وهو يتجاهلها، فالقوة للمصالح والنفعية وهي العلاقة الحاكمة بين البشر بصيغتها ذات الصبغة الفردانية حتى بات اختيارنا للمحيط والأصدقاء والزملاء مربوطاً بحاجة ما.. فوق الالتصاق الإلزامي بالرأسمالية التي انتصرت للسلعة والمادة والتكنولوجيا على حساب التأملات الفلسفية والإبداعات الفكرية!.
المواجهة مع النفس واحدة من أشرس المواجهات وأكثرها فتكاً إن لم نكن واعين بما فيه الكفاية في كيفية التعامل مع المسببات والأعراض التي تخلفها الضغوطات وما يصاحبها من مشاعر حنق وسخط وإحباط.. يسحبنا ذلك نحو خطر حقيقي يدخلنا في دوامات نفسية وجسدية عدة.. من انعزال وإدمان وسلوكيات عدائية.
وهذا ما يجب الالتفات إليه بجدية في صياغة المبادرات التي تخرج الموظفين ومن في حكمهم إلى مساحة أكثر تفاؤلاً ومتعة.. بمنح الفرص والإيمان بالقدرات وتغليب الروح الإنسانية على القوانين البشرية الوضعية إن تطلب الأمر.. فالمكافأة والتعويض وخلق حياة اجتماعية موازية تتيح لكل أفراد المنظومة الأسرية والاجتماعية العيش بأمان والحصول على فرص عادلة.. وبث رسائل عميقة في النفس البشرية والإبداع في تعميم هذا الفكر الواعي بين الشباب واليافعين.. بانتشال بعضنا البعض عبر كلمات داعمة ونفس طويل يبث الأمل ويركل العجز بعيداً.. بالاحتواء الضمني والعلني.
[email protected]