صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
ميهير شارما
كاتب في «بلومبيرج». مؤلف كتاب «إعادة الإقلاع»
أحدث مقالات ميهير شارما
12 مارس 2026
آسيا.. وسباق تمويل المناخ

ميهير شارما*

في كل شهر تقريباً، تحصد الكوارث الناجمة عن الطقس المتطرف، مزيداً من الأرواح في جنوب وجنوب شرق آسيا، والأمثلة كثيرة لسنا بمعرض ذكرها الآن. لكن الواضح أن سكان هذه البقعة الجغرافية باتوا يعيشون واقع التغير المناخي الخارج عن السيطرة، أزمة ساهمت بقية دول العالم في صنعها بدرجة كبيرة، فيما تُركت هذه البلدان لمواجهة تبعاتها بمفردها.
يشير تقرير حديث صادر عن معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي في الولايات المتحدة، إلى أن آسيا خسرت أكثر من 75 مليار دولار سنوياً بين عامي 2020 و2023 نتيجة مباشرة للأحداث المرتبطة بالمناخ. وهذا يمثل نحو 40% من إجمالي الخسائر العالمية. ومع ذلك، فإن القارة لا تحصل إلا على جزء ضئيل من التمويل المحدود أصلاً المخصص للتكيف مع تغير المناخ.
من الناحية النظرية، يُفترض أن يسد تمويل المناخ، بما في ذلك رأس المال الخاص، الفجوة التي خلفها تراجع الدول الصناعية عن مسؤوليتها في دعم البلدان المتضررة من تراكم الكربون في الغلاف الجوي. صحيح أن هذه التدفقات المالية ازدادت منذ اتفاق باريس قبل نحو عقد، لكن معظمها يذهب إلى تقليل الانبعاثات الحالية، عبر الاستثمار في الطاقة المتجددة، أو إغلاق البنية التحتية القديمة للوقود الأحفوري.
ولا يتوقع كثيرون أن تسد الأموال العامة من الدول المتقدمة، خصوصاً من دافعي الضرائب في الولايات المتحدة، هذه الفجوة. ولهذا جرى التعويل طويلاً على مؤسسات التنمية متعددة الأطراف، مثل البنك الدولي، لتمويل البنية التحتية الوقائية، أو على الأقل جذب رأس المال الخاص للمشاركة في مشاريع مثل الجدران البحرية أو السدود النهرية أو استعادة الأراضي الرطبة.
لكن هذه الجهود اصطدمت بعقبات مألوفة. فبنوك التنمية ببساطة لا تمتلك التمويل الكافي، إذ أنفقت نحو 25 مليار دولار على مشاريع التكيف في عام 2023، بينما قد تتجاوز الاحتياجات الفعلية ثمانية أضعاف هذا الرقم.
أما التمويل الخاص فكان أداؤه أضعف. فالمناطق الأكثر احتياجاً للاستثمار، مثل جاوة الغربية المكتظة بالسكان والمعرضة للفيضانات، هي الأقل قدرة على إعداد المقترحات المالية المعقدة اللازمة لجذب المستثمرين. لأن إعداد الملفات الفنية لمثل هذه المشاريع يتطلب وقتاً وخبرة، كما أن كثيراً منها جديد نسبياً، وهو ما يثير تردد الممولين.
المشكلة الأساسية هنا تكمن في ضعف المؤسسات والقدرات الحكومية. فالبنك الدولي حاول توجيه تمويله إلى الدول الأكثر هشاشة، لكن البلدان التي تمتلك أصلاً بنية مؤسسية أساسية للتعامل مع المناخ حصلت على تمويل للفرد يزيد خمس مرات عما حصلت عليه الدول التي تفتقر إلى تلك القدرات.
مع ذلك، تمكنت بعض الدول المعرضة للمخاطر من تحسين موقعها عبر العمل الجماعي. فالدول الجزرية الصغيرة، على سبيل المثال، توحد صفوفها في قمم المناخ وتستخدم ثقلها الرمزي للضغط على المؤسسات الدولية، ما يفسر حصولها على نصيب أكبر من تمويل التكيف للفرد. فدولة صغيرة مثل بربادوس تحصل على نحو 24 دولاراً للفرد، بينما لا يتجاوز نصيب الفرد في إندونيسيا، رابع أكبر دولة في العالم من حيث السكان، 76 سنتاً فقط!
إن مناطق جنوب وجنوب شرق آسيا بحاجة إلى بذل المزيد من الجهود، وأول خطوة هي تجميع الموارد بشكل أكثر فاعلية. وعليه، اقترحت استراتيجية تمويل المناخ لرابطة دول جنوب شرق آسيا إنشاء آلية تنسيق إقليمية لتقاسم مخاطر الكوارث. تجربة مشابهة في الكاريبي نجحت منذ نحو عقدين، لأنها تركز على صرف التعويضات بسرعة، وهو ما يصنع الفارق بين التعافي والانهيار في المناطق المنكوبة.
كذلك تحتاج المنطقة إلى توحيد قدراتها في تصميم الأدوات المالية. فوجود أحد أهم المراكز المالية في العالم، مثل سنغافورة، يعني أن نقص الخبرة ليس المشكلة. وهناك شهية واضحة لدى المستثمرين لشراء سندات ممولة للبنية التحتية، خصوصاً في المدن.
يمكن للشركاء الدوليين أن يلعبوا دوراً أيضاً. فاليابان تعد من أكثر الدول نشاطاً نسبياً في تمويل التكيف المناخي، وإن كان ذلك ضمن مستوى عالمي متواضع. ففي العام الماضي أصدرت طوكيو ما يعرف ب«سندات المرونة» بقيمة 300 مليون دولار، لتمويل مشاريع مناخية محلية، وتلقت طلبات اكتتاب بقيمة 2.2 مليار دولار، أي أكثر بسبع مرات من المعروض.
كما يمكن لشراكات أخرى أن تسهم في الحل. فقبل عقدين ضرب تسونامي المحيط الهندي وتسبب في مقتل نحو 230 ألف شخص. الدول الأربع التي استجابت سريعاً لتلك الكارثة، اليابان والهند وأستراليا والولايات المتحدة، طورت لاحقاً تعاونها في إطار ما يُعرف ب«الرباعية». وإذا كانت هذه المجموعة تبحث اليوم عن سبل لتعزيز نفوذها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فقد يكون من الحكمة أن تساعد دول المنطقة على بناء قدرة حقيقية على الصمود في مواجهة التطرف المناخي.

* كاتب عمود في «بلومبيرج» وزميل في مؤسسة «أوبزيرفر» للأبحاث

27 ديسمبر 2020
قيم الاتحاد الأوروبي قيد المساومة

ميهير شارما  *

 كثيراً ما أتحفتنا نحن غير الأوروبيين، تلك المحاضرات التي عرضها مثقفون وسياسيون من الاتحاد الأوروبي حول «القيم الأوروبية». وكثيراً ما اعتقدنا أنهم كانوا مخلصين، أو بعضهم على الأقل، في دفاعهم. 

من المؤكد أن القارة التي دمرتها الحروب الطاحنة، والتي تمكنت بطريقة ما من ابتكار شكل من أشكال التوافق والخروج من تحت الركام، تدرك أن الاتحاد كان أكثر من مجرد ميزانيات وتحويلات مالية: إنه يعني ترميم الهيكل الأوروبي وتنقيته من الانقسامات العرقية والانتماءات الضيقة، والدفاع عن حقوق الإنسان ليس على الساحة الأوروبية فقط؛ بل العالمية أيضاً.

 لكن هذا الإيمان بالقاعدة المتينة لقيم الاتحاد الأوروبي بدأ يضعف في السنوات الأخيرة مع صعود الشعبويين اليمينيين المتطرفين في استطلاعات الرأي في جميع أنحاء القارة. وكادت الثقة بتلك القيم أن تنهار؛ من جرّاء تصرفات قادة المجر وبولندا - وهما دولتان، لولا وجودهما في أوروبا، لتعرضتا لكثير من الانتقادات من قبل الدبلوماسيين الأوروبيين باعتبارهما أنظمة استبدادية ناشئة في العالم الثالث.

 فقد عزز زعماء التنظيمات غير الليبرالية في المجر وبولندا سلطتهم على حساب تقويض المؤسسات المستقلة حتى في الوقت الذي تلقت فيه حكوماتهم التحويلات المالية من بقية دول الاتحاد الأوروبي؛ لذا بث قرار الاتحاد الأوروبي بربط حصول كل منهما على مساعدات الإنقاذ باحترام القانون، شعوراً عارماً بالارتياح وإن كان القرار قد تاخر.

 كان ينبغي أن تكون صفقة الميزانية التي توصل إليها القادة الأوروبيون الأسبوع الماضي خطوة كبيرة إلى الأمام. فقد حدد الاتحاد أهدافاً أكثر طموحاً على صعيد المناخ تمثلت في الحد من الانبعاثات بنسبة 55٪ على الأقل. وسوف يحول صندوق التعافي من الجائحة الذي حددت قيمته عند 750 مليار يورو، الأموال مباشرة إلى الدول الأعضاء الأكثر تضرراً، بتمويل الاقتراض من قبل المفوضية الأوروبية نفسها. ويمكن اعتبار الصفقة حلاً وسطاً لا يخلو من مساومات، لكنه خطوة إيجابية على طريق توزيع ومناقلة الأموال بين دول الاتحاد.

ومن المؤسف أن ثمن التسوية - أي التأخير الفعلي في تطبيق شرط سيادة القانون - ربما كان باهظاً للغاية. فما كان ينبغي لزعماء أوروبا أن يتساهلوا مع المجر وبولندا طيلة تلك المدة. والآن، في اللحظة الحاسمة، أجلوا الحساب مرة أخرى.

 وقد وصف الملياردير الليبرالي جورج سوروس الصفقة بأنها «أسوأ ما هو متاح في عالم التسويات». فإذا كانت أوروبا تنوي تمتين قواعد الاتحاد على أساس القيم الليبرالية، فإن أولئك الذين يهاجمون تلك القيم لا يستحقون أن يعاملهم شركاؤهم على أنهم يمتلكون حججاً مشروعة.

 وسواء كان تحالفاً أو اتحاداً، يجب أن تكون أي مجموعة من الحكومات قادرة على تأديب الأعضاء المشاغبين؛ لخرقهم قيمه بشكل صارخ ومتكرر. المشكلة أننا لا ندري هل تجاوز زعماء المجر أو بولندا الخط الأحمر أم لا؟ وهل هناك خط أحمر بالنسبة لهم، أو لأي من هؤلاء الشعبويين يمكن يتولى الحكم بعد ذلك في دولة عضو في الاتحاد الأوروبي؟

لدينا في آسيا مجموعة دول فشلت في الارتقاء إلى مستوى إمكاناتها على وجه التحديد؛ لأنها لا تستطيع استبعاد أو تأديب أي من أعضائها، كما رابطة دول جنوب شرق آسيا.

 وإذا كانت هناك عبرة من تجربة السنوات العشر الماضية فهي أنه لا يمكنك المساومة مع الشعبويين غير الليبراليين أو رشوتهم بالتمويل على أمل أن يخففوا من شعوبيتهم. وعلى المدى الطويل، قد يكون فشل أوروبا في التعامل مع المجر وبولندا أكثر ضرراً على مكانة الاتحاد الأوروبي على الصعيد العالمي، من خروج بريطانيا من الاتحاد. ذلك أن رحيل عنصر ساخط يزيد من قوة الاتحاد. أما السماح للأعضاء بتخريب الاتحاد من الداخل فسوف يجعله أضعف.

* كاتب في «بلومبيرج». مؤلف كتاب «إعادة الإقلاع»