تعود بي الذاكرة إلى مرحلة الابتدائية، بمدرسة آمنة بنت وهب، في نهاية أحد الأيام، كان هناك رجل يدخل ساحة المدرسة لاصطحاب زوجته إلى البيت، كانت زوجته معلمتي لمادة العلوم واسمها (خلود الصايغ).
كانت والدتي تدير المدرسة، وقد بدت في أحد الأيام مستاءة من مقال نشر في إحدى الصحف المحلية، يصف المدرسة بالصرامة الشديدة، تحدثت أمي عن هذا المقال عبر الهاتف مع كاتب اسمه (حبيب الصايغ).
هذه ذاكرتي الأولى لمعرفتي بحبيب الصايغ....
لم يتردد «أبو سعود» في الكتابة عن موقف المدرسة بالرغم من أن زوجته كانت تعمل هناك، بل إنه سرد جميع التفاصيل بحكم معرفته بالنظام التعليمي، وكما كتب لي في آخر رسالة نصية «...... وسوف أتابع بكل موضوعية»، هكذا حبيب الصايغ.. عاش موضوعياً ووطنياً إلى أبعد الحدود، واستمر على هذا النهج حتى الرمق الأخير.
عندما استلمت مهام وزارة الثقافة وتنمية المعرفة، بدأت أتعرف إلى الشاعر حبيب الصايغ عن قرب، وفي أول زيارة لي في المكتب كنت أناديه ب «عمي حبيب».. ابتسم لي وقال: «عيالنا صاروا وزراء».
أتشرف أني قضيت نحو ثلاث سنوات في العمل، وتعرفت إليه عن قرب، تعلمت منه، وأفادتني ملاحظاته، فكان ثاقب الفكر، مثقفاً وموسوعياً، ولا، ولن أنسى عطاءه ولمساته الإبداعية والإنسانية ما حييت.
كان «أبو سعود» في مكالماته وزياراته، خفيف الروح، عميق الفكر.. لم يتجاوز ربع ساعة في زيارة، أو دقيقتين في مكالمة، لا أحتاج أن أشرح سيرته، وما قدمه للوطن والثقافة العربية، من خلال قلمه وفكره، فكل هذا سيبقى ساطعاً رغم الرحيل، وسيبقى حاضراً رغم حسرة الغياب والفقد.
ما سيؤلمني حقاً، هو فراقه رغم وجوده في محافلنا الثقافية في الداخل والخارج، وزياراته مع احتساء الشاي على عُجالة لكي «لا يثقل علينا».
عندما نذكر رجالات الوطن، لا بد أن نذكر حبيب، فهو رمز ومثال وطني ومبدع كبير، نتذكر سيرته ومسيرته الزاخرة بالعطاء، نتذكر قلماً مبدعاً بقي حتى آخر ساعة، يكتب في حب الوطن.
«أبو سعود» كان قامة عالية بالبذل والعطاء، وطنياً مخلصاً، إيمانه بأن الوطن والقيادة هم أغلى ما نملك، وهم الدافع لما قدمه.
وكما يقول أبو سعود: «.. وكلنا لإماراتنا الغالية»
طبت بنعيم الجنة يا حبيب الوطن.
وزيرة الثقافة وتنمية المعرفة
كنت أتابع بترقب شديد كيف يمكن لمشاركة الشعب في التصويت أن تؤثر في بعض القرارات السياسية المهمة التي سيتم اتخاذها هذا العام.
في يونيو الماضي، تم في المملكة المتحدة استفتاء على عضويتها في الاتحاد الأوروبي، ونشهد في هذه الأيام المراحل الأخيرة من الحملة الانتخابية الرئاسية الأمريكية.
وفي وزارة الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي، نعمل على تعزيز ثقافة المشاركة السياسية في دولة الإمارات العربية المتحدة ونحرص دائماً على الاطلاع على تجارب الآخرين في هذا المجال والاستفادة منها في تجربتنا الوطنية.
لم يتوقع الكثيرون أن يتم التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وقد كنت أتحدث مع صديقة بريطانية هنا في أبوظبي مؤخراً أخبرتني أنها لم تكن تتوقع حصول هذه النتيجة، ولا حتى بعد «مليون عام»، وذلك استناداً لما كانت تقرأه على مواقع التواصل الاجتماعي. لقد كان إقبال البريطانيين على الاستفتاء كبيراً، وكانت النتائج النهائية متقاربة إلى حد كبير بين الرفض والقبول، وهذا يعني أن الصوت الواحد كان له تأثير حقيقي في نتيجة التصويت.
وفي الانتخابات الأمريكية، ثمة تصويت مشابه لمرشحين يقفان على طرفي نقيض من حيث القيم والآراء والأجندات السياسية التي يحملانها، وسينتهي الأمر بأحدهما إلى البيت الأبيض. لذا، فإن لمشاركة الشعب في الإدلاء بصوته أهمية قيمة تساهم في تقرير ما يراه الأفضل، وعدم ترك الأمور للصدفة.
بعد أن شاهدت مناظرة مرشحي الرئاسة الأمريكية الثالثة والأخيرة، كل ما رأيته كان عبارة عن مجموعة من المشاحنات، والهجوم المتبادل، وفتح الملفات القديمة، في حين أن الشعب الأمريكي وربما المشاهدين حول العالم كانوا ينتظرون أن يسمعوا رؤية واضحة عن المستقبل من رئيس أمريكا المقبل.
هذه النتيجة قادتني إلى سؤال مهم: من الذي يحدد هذا المستقبل؟ نتائج ال Brexit تطرح السؤال نفسه، خاصة عند النظر إلى الفئة الأكبر من المشاركين في التصويت.
ومن وجهة نظري، أرى أن مشاركة الشباب الواعي في مثل هذه القضايا المستقبلية مهمة جداً. في دولة الإمارات، لدينا فئة من الشباب ممن يملكون حماساً كبيراً وأفكاراً مبدعة وقدرات هائلة تجعلنا نشعر أن مستقبل الدولة سيكون في أيد أمينة لما يحمله الجيل القادم من أفكار.
وقد برهنت الحلقة الشبابية «التكامل بين الحكومة والمجلس الوطني الاتحادي» التي عقدت مؤخراً في أبوظبي على ما يمكن للشباب إنجازه عندما تتاح لهم الفرصة، فقد كان المشاركون متحمسين لاكتشاف التحديات، ليس ذلك فحسب بل قادرين على اقتراح حلول لها.
تتم عملية المشاركة السياسية في دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل مدروس وتدريجي. لا سيما أن دولتنا لا تزال فتية ولم تكمل 45 عاماً منذ تأسيسها وحتى اليوم.
في العام 2005، مكّن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان المواطنين من المشاركة السياسية من خلال المجلس الوطني الاتحادي، وهو امتداد لجهود قيادتنا في الحفاظ على قيم الاتحاد ومواكبة التطور. وفي العام 2006، تم اعتماد مبدأ التصويت لانتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي البالغ عددهم 40 عضواً في حين تم تعيين ال 20 عضواً الآخرين.
وقد سجلت نسبة الإقبال على التصويت زيادة مطردة في كل استفتاء يتم إجراؤه، وذلك تماشياً مع التزام دولتنا بتوسيع المشاركة السياسية. وقد شارك حوالي 225 ألفاً من المواطنين ممن يحق لهم التصويت في انتخابات العام الماضي، وما يدعو للفخر أن 48 في المئة من الناخبين كانوا من فئة النساء، وأن 67 في المئة من النساء اللواتي شاركن في عملية الاقتراع كن تحت سن ال 40.
جرى التصويت إلكترونياً، وهو أسلوب يستخدم للمرة الأولى في منطقة الخليج، كما تم السماح للمتواجدين خارج الدولة بممارسة حقهم الانتخابي للمرة الأولى أيضاً. وفي العام نفسه، تم انتخاب الدكتورة أمل عبد الله القبيسي أول امرأة تترأس المجلس الوطني الاتحادي، في إنجاز يحسب لدولة الإمارات ويشكل سابقة تاريخية في المنطقة.
مما سبق نرى أن ما تحقق خلال عشر سنوات فقط في إطار جهود دولتنا لتعزيز المشاركة السياسية يعد أمراً جيداً جداً، ولكن لا يزال أمامنا الكثير لإنجازه في هذا المجال بالاعتماد على شبابنا الواعد الذي نتطلع إلى رفع مستوى وعيه لكي يكون فاعلاً في مجتمعه، وهو أمر تعمل على تعزيزه قيادة دولة الإمارات من خلال تشجيع الناس على الإدلاء بآرائهم وتقديم مقترحاتهم. فقد سبق لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ، رعاه الله، أن طرح عصفاً ذهنياً على موقع «تويتر» لاقتراح حلول إبداعية لتطوير قطاعي الصحة والتعليم في الدولة، وشهدت المبادرة تفاعلاً شعبياً كبيراً مع أكثر من 50 ألف مشارك، وأكثر من 80 ألف مقترح وفكرة.
كما أطلقت وزيرة الدولة للشباب شما المزروعي، مبادرة «حلقات شبابية» التي تهدف من خلالها إلى محاورة الشباب دون سن الثلاثين والاستماع إلى أفكارهم ومقترحاتهم وتطوير قدراتهم وصقل مهاراتهم ليكونوا قادة المستقبل.
ومع مواصلة رحلتنا نحو تحقيق أهدافنا، علينا أن نتابع تجارب الدول الأخرى وأن نتعلّم من أولئك الذين سبقونا في هذه التجربة بسنوات ومراحل.
خلاصة القول، إن أياً كان النظام السياسي أو القوانين التي يخضع لها الفرد، فإن عليه اغتنام فرصة المشاركة والإدلاء برأيه بطريقة واعية وموضوعية متى سمحت له الظروف بذلك، فلا يسمح لشخص آخر بأن يحدد له آفاقاً لمستقبل وطنه.
إن المسؤولية تحتم على الفرد الإدلاء بصوته أياً كان عمره أو جنسه أو توجهاته، فهي مسؤولية الفرد تجاه وطنه ومستقبله.
وزيرة الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي