صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
يوسف أبو لوز
كاتب
أحدث مقالات يوسف أبو لوز
28 أبريل 2026
بدور القاسمي.. نافذة أمل

تحمل رؤية سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي للقراءة وقيمها وسلوكها اليومي بعداً معرفياً تاريخياً له صلة بقيام وديمومة حضارات العالم، وهي قالت في حفل إطلاق الحملة العالمية التي جاءت تحت عنوان «القراءة من أجل المستقبل»: «إن التاريخ يثبت أن القراءة كانت دائماً في قلب كل نهضة إنسانية، فالحضارات لم تبنها الثروات وحدها، بل بنتها المكتبات».

لقد جاءت هذه الكلمات الصميمية المُلخِّصة للعلاقة التفاعلية بين القراءة والتاريخ في مناسبة الاحتفاء بمدينة الرباط عاصمة عالمية للكتاب 2026، وهي أكثر وأعمق من مجرد كلمات في مناسبة، بل هي تلخيص لأثر القراءة وقوّتها في المجتمعات، وبخاصة مجتمعات المعرفة والتعليم.

إن القراءة لم تعد ظاهرة مطالعة وتثقيف وعلاقة مباشرة مع الكتاب ومحتواه العلمي أو الأدبي أو التاريخي والجمالي فقط، بل القراءة هي أيضاً قاعدة للتربية والتعليم. وإذا كانت الحضارات تُبنى بالمكتبات، فإن مكان هذه المكتبات هو في المنشآت التعليمية أولاً: المدارس والجامعات ومعاهد البحث والتدريب. تلك هي الحقيقة الثقافية والتنموية التي يتوجب علينا قراءتها جيداً في خطاب سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي في الرباط وفي أي مكان وزمان تكون القراءة فيهما قضية حوار أو قضية فكر حرّ. هو بالتأكيد فكر المستقبل والرهان الإيجابي عليه عن طريق الكتاب الذي هو أساس القراءة.

هذا أولاً، وثانياً، تضع سمو الشيخة بدور أمام المثقفين والإعلاميين والمتخصصين في التربية وصناعة الكتاب حقيقة أخرى على درجة كبيرة من الأهمية والخطورة، فهي قالت: «إن ما يقارب 70٪ من أطفال الدول منخفضة الدخل يعجزون عن قراءة نصّ بسيط في سن العاشرة». وماذا تعني هذه النسبة المئوية المخيفة؟ تعني ببساطة لأي مراقب أو متابع ثقافي أن هناك نوعاً من الأمية الثقافية أو لنقل الأمية اللغوية يشمل الملايين من أطفال العالم. وبكلمة ثانية، هناك خلل بنيوي وأخلاقي في نظام التعليم نفسه في تلك الدول، وإن ثقافة القراءة في مناطق الأمية العالمية ليست من الأولويات في بلدان العالم.

244 مليون طفل خارج منظومة التعليم، وفق مؤشرات عالمية، كما قالت سموها، ليس رقماً بسيطاً، ولذلك، فإن مثل هذه الحقائق القائمة على إحصائيات ومعلومات ميدانية هي هاجس وجودي وثقافي لدى «اليونسكو»، وسمو الشيخة بدور، بوصفها سفيرة النوايا الحسنة للتعليم وثقافة الكتاب لدى هذه المنظمة العالمية، إنما يشكل نافذة أمل نطل من خلالها على مستقبل أجمل لأطفال وشباب يقرأون كما يليق بإنسان القرن الحادي والعشرين.

[email protected]

27 أبريل 2026
شجرة قرنفل أحمر

أقرأ مذكرات المخرج السينمائي لويس بونويل (1900-1983) بنهم متواصل مثل جائع أبدي لرغيف خبز، وأغبطه على الفترة الشبابية التي عاشها في بلاده إسبانيا، وأغبطه اكثر على صداقاته مع شعراء ورسّامين ومصارعي ثيران في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين: رفائيل ألبيرتي، ولوركا، وشاعر آخر يدعى اينوخوسا، وهؤلاء يعتبرهم بونويل شعراء أندلسيين حتى العظم، أي تجري في عروقهم دماء عربية.

كان لويس بونويل شاعراً أيضاً، لكن السينما كانت حياته ومشروع قلبه وعقله، والأهم من ذلك، أو ما يهمّني على الأقل في مذكراته هي حياته أو حبّه الجنوني للحياة، إنه ذلك الشخص المدهش حقاً، فهو تعلم التنويم المغناطيسي وطبّقه على بعض النساء، من باب الفكاهة طبعاً، ويقول إنه تعلم العرافة والكهانة، كما كان مولعاً باقتناء المسدسات، لكنه لم يقتل أحداً، وما أطلق النار ذات يوم على أحد، والغريب هنا، قوله إنه كان يسمع الطبول وهو ابن شهرين، وأغرب من ذلك حديثه عن سيارة كانت في بلدته، كانت تعمل بالكهرباء، وكان ذلك في عام 1908، وإذاً، هل عرف العالم سيارات الكهرباء قبل اكثر من مئة عام؟

لكن أجمل ما في مذكرات بونويل (الهيئة المصرية للكتاب، إصدارات عام 2015، ترجمة: مروان حدّاد) هذه الحكاية: يقول إنه ذات يوم أهدى والده طقم صحون، وكانت كل قطعة منه تحمل صورة أمّه، وفي ما بعد، وخلال الحرب تكسرت كافة قطع الطقم أو فُقِدَتْ، ويقول إنه بعد الحرب بسنوات عدّة، عثرت أخت زوجته، بطريق المصادفة على صحن من ذلك الطقم وذلك في أحد محال بيع الأشياء القديمة في سرقسطة، فاشترته، وأهدته إياه، وظل يحتفظ به.

له أخت صغرى تدعى كونتشيتا كتبت بعض مذكراتها في المجلة الفرنسية «بوزيتيف» وبدأتها على النحو التالي: «كنا سبعة إخوة.. لويس، الأكبر، تليه ثلاث بنات، كنت بينهن الثالثة والأكثر غباءً، وحين كان لويس في نحو الرابعة عشرة قمنا بالذهاب إلى إحدى المقابر في قرية تدعى فوث، وأتذكر كيف تمدد لويس هناك على طاولة تشريح وطلب منا أن نخرج أحشاءه، وبالطبع وسط موجة من الضحك والمزاح».

تقول كونتشيتا إنها بعد الحرب عادت ثانية إلى تلك المقبرة لتبحث، كما تقول، عن تلك الذكريات، لكنها وجدت تلك الذكريات أصغر وأقدم، لكنها ذلك اليوم شاهدت في إحدى زوايا المقبرة تابوتاً أبيض صغيراً قد تفكك، وفي داخله جثمان محنّط لأحد المخلوقات، ومن خلال ما كان بطن ذلك المخلوق، نمت شجرة من قرنفل أحمر.

أحياناً ينمو الشعر حتى في مقبرة.

[email protected]

26 أبريل 2026
حضور قوي للشارقة في وارسو

تواصل الشارقة حضورها الثقافي الدولي بصفة ضيف شرف في معارض الكتب العالمية المرموقة ذات التاريخ المؤثر في الثقافة الأوروبية المعاصرة، وهذه المرة يجري الاحتفاء بالمشروع الثقافي للشارقة في معرض وارسو الدولي للكتاب في الفترة من ٢٨ إلى ٣١ مايو المقبل تحت شعار «حضارتان.. لغة واحدة من الحروف».

لهذه المناسبة الثقافية التي تليق بالشارقة عاصمة الثقافة العربية والإسلامية، نظمت هيئة الشارقة للكتاب برنامجاً متعدد الفعاليات والأنشطة التي تعرّف بالثقافة الإماراتية والعربية في جناحها المشارك في المعرض على مساحة ٤٠٠ متر مربع، وتقام هذه الجملة الإبداعية من الفعاليات في المعرض وفي جامعة وارسو.

٣٤ فعالية و ٢٩ ندوة و ٣٥ كاتباً وكاتبة يمثلون حيوية الأدب الإماراتي المعاصر، إضافة إلى جلسات حوارية مفتوحة تناقش قضايا ثقافية تتصل بالمسرح والأدب والفنون، إلى جانب برنامج موسيقي يتعرف البولنديون من خلاله إلى جماليات الغناء الإماراتي التقليدي، وبالطبع، يشهد المعرض فقرات مخصصة لتوقيع الكتب، وعرض مؤلفات وعناوين بولندية جرت ترجمتها إلى العربية.

برنامج ثقافي إماراتي عربي نوعي بكل معنى الكلمة، هو بالتأكيد امتداد لتجربة الشارقة ضيف شرف في العديد من معارض الكتب الأوروبية في السنوات السابقة في باريس، ولندن، وروما، وغيرها من عواصم الشرق والغرب المعنية بإقامة قيم حوار وتبادل ثقافي ومعرفي بين الشعوب ذات الآداب والفنون الراقية في العالم.

تؤكد الشارقة أيضاً في معرض وارسو، أهمية تبادل الخبرات الطويلة في مجال النشر وصناعة الكتاب، وتوسيع آفاق الترجمة من البولندية إلى العربية ومن العربية إلى كل لغات العالم الحية.

في الإمارات نقل مشروع «كلمة» إلى العربية واحداً من أهم شعراء بولندا هو الشاعر زبيغنيف هربرت (١٩٢٤- ١٩٩٨)، ونقل أشعاره من البولندية إلى العربية الشاعر والمترجم هاتف جنابي، وكان هربرت قد تردد اسمه أكثر من مرة في قائمة المرشحين لنوبل للأدب، لكنه لم يحصل عليها، في حين أن بولندا هي من أوائل دول العالم التي شقت طريقها إلى نوبل، وذلك في عام ١٩٠٥ حين حصل عليها الكاتب البولندي هنريك سينكيفيتش، وحصل على نوبل بعد ذلك أربعة من الكتاب البولنديين.

بالطبع، لا ينسى القارئ العربي، أهمية وتأثير الكاتب البولندي الأصل، إنجليزي الجنسية، جوزيف كونراد (١٨٥٧- ١٩٢٤) صاحب رواية «قلب الظلام» التي أعجب وتأثر بها المفكر الأمريكي من أصل فلسطيني ادوارد سعيد، وكانت الرواية أساساً ثقافياً وفكرياً لأفكاره حول الاستشراق والاغتراب وازدواجية اللغة والانتماء.

25 أبريل 2026
جوهر إماراتي

لأن القطاع الثقافي في الإمارات مشروع مستقبلي كبير وإنساني، جوهره الحوار والتعايش والتفاعل بين الحضارات والثقافات والأفكار، فهو مُرحّب به في جهات العالم الأربع، ويستقطب بالتالي، أجمل وأرفع النخب المثقفة في الشرق والغرب، وتأخذ الإمارات نتيجة لذلك تعريف دولة الإنسانية ومجتمع الإبداع والثقافة والفنون في إطار خصوصية مجتمعية لا تقوم في أي دولة في العالم، وهي خصوصية الجاليات المقيمة في البلاد، والتي تمثّل أكثر من مئتي جنسية بثقافاتها ولغاتها وتعايشها الإنساني والمثالي في بيئة مثالية أيضاً من حيث الأمن والأمان والاستقرار.

تحترم الإمارات الجوهر الثقافي للشعوب، وتسمح بالروح الخلّاقة الإبداعية التي تنتج ثقافة الخير والمحبة والجمال، وفي موازاة هذا التوجه الحضاري المدني للدولة، فإنها تضع قيمة التسامح أولوية أخلاقية في صورة البلاد التي جمعت رمزيات العالم وحقيقته البشرية الجميلة في مكان واحد.

الثقافة في الإمارات إنجاز رؤية دولة هي رقم أوّل دائماً في مؤشرات العالم، سواءً كانت هذه المؤشرات صادرة عن مؤسسات أو نخب أو أفراد، ففي كل كيان بحثي أو أكاديمي أو استقصائي نجد اسم الإمارات وكينونتها السيادية والثقافية في المقدّمة، وفي المقدمة أيضاً كوادر إماراتية شابة عالية المستوى التعليمي الجامعي، وفي المقدمة أيضاً مثقفون، وإعلاميون، وأدباء، وفنانون إماراتيون عُرِفَ عنهم في العالم المستوى الرفيع من اللياقة والمرونة والفكر المنفتح على كل ما هو معاصر وإنساني ونظيف في العالم.

الثقافة في الإمارات صورة دولة قوية تتجاوز التحدّيات الطارئة بسرعة، وتعبر عن مجتمع متماسك يثق بعمق ويقين مطلق بقيادته ورؤيتها المستقبلية دائماً نحو التنمية، والإبداع من دون دعاية أو ترويج أو تسويق، وهذه الفضاءات الانتهازية هي عادة سلوك الكيانات والدول التي تعيش على استغلال الأيديولوجيات المغلقة، وتوظيفها نحو ثقافة العنف والتهديد، وفي النهاية تؤول هذه الثقافة إلى الخيبة والجمود والفشل.

هكذا، وفي الآونة الأخيرة، انتبه العالم إلى القوة الناعمة والدبلوماسية الذكية في الإعلام الإماراتي، وفي طبيعة الثقافة الإماراتية، ذلك أن الإعلام هو أيضاً ثقافة، الدبلوماسية الهادئة الصبورة ثقافة، الخطاب المرافق لأي أزمة أو أي تحديات هو ثقافة، ولا يستطيع أي عقل بناء هذه المنظومة من ردود الفعل الثقافية، إلا إذا كان هذا العقل يعود في تكوينه إلى جوهر إماراتي.

24 أبريل 2026
ينبوع أكادين

بحسب الباحث والكاتب الموسوعي حنّا عبود الذي جمع أساطير العالم في موسوعة من حوالي 900 صفحة، هناك ينبوع ماء في مدينة صقلية يُطلق عليه «أكادين»، له مزايا سحرية، منها أن الناس يُلقون فيه الكتابات، فإن كانت أصيلة عامت، وإن كانت زائفة غرقت إلى القاع.

وبالطبع، فمنذ ديودورس الصقلي الذي أشار لهذا الينبوع، وضع الآلاف وربما الملايين من كُتّاب ثقافات وحضارات العالم أطناناً من الكتابات، لم تُلقَ كلها في ينبوع أكادين، لكن على الرغم من مرور حقب متلاحقة من التاريخ والحروب والعنف والفساد، بقي الكثير من هذا التراث البشري الراقي عائماً على سطح الماء، ولم تغرق إلى القاع إلا تلك الكتابات المزيفة.

رائعة، فعلاً، مخيلة البشرية حين كانت في مرحلة البراءة، أقصد مرحلة الأسطورة، فالأصيل يعوم، والمزيف يغرق.

وهنا، دعنا نقفز عشرات أو آلاف السنوات من زمن تلك البراءة وإلى الأمام إلى أن نصل إلى اليوم، أو قل لنصل إلى زمن المعاصرة والحداثة وما بعد الحداثة. زمن السوق، والرعاية، وما يُسمى تجار ثقافة الشنطة والشيكات التي، كما يقولون، على بياض، حيث بياعو المواقف والضمائر، وحيث الأدب الذي يقوم على قلة الأدب، وحيث الكذب له بورصة ومستثمرون، حيث زمن الفهلوة واليد الخفيفة والضحك على الذقون، وتسلسل كما تشاء من الآن وحتى الصباح، وأنت ترى العجائب: أعمى يقود أعمى، وأصمّ يغني لأصمّ، ثم، كتابات وكتابات أسراب من الخفافيش، وعنتر بن شداد المثقف والبطل، ومثقفون دائماً يقعون بين قوسين هكذا () لمن لا يلتقط المعنى من أول كلمة، وأخيراً، وليعذرني القارئ على هذا الاسترسال وهذه التداعيات، كمن يلاحق كرة تتدحرج من منحدر إلى منحدر.

أتقصد الكثير من الانحدار؟؟ وأقصد أيضاً القليل من الصعود، وفرة في الكتابة، وفقر دم في المعنى والحقيقة، وما من حل سوى العودة إلى صقلية، والبحث عن نبع أكادين.

يكتب ليوناردو دافنشي عن الشمعة هذين السطرين يقول: «إليك شيء لا يبلغ من العلو إلا قدراً ضئيلاً، ومع ذلك لا شيء قادر على أن يُحقِّر من عظمته أبداً، وهاك شيء آخر، كلما ازداد شراً وخبثاً، ازددت قرباً منه.. النار».

شيء في الشمعة يشبه سطح ينبوع «أكادين» وشيء من النار يشبه قاع الينبوع.

23 أبريل 2026
معركة بين أصلعين على مشط

رفيف

بين الرئيس الأرجنتيني الأسبق خوان بيرون (1895-1974)، والشاعر خورخي لويس بورخيس (1899-1986) ابن بلده، حكاية تُروى على طريقة بورخيس نفسه، بسخرية ومرارة هو الذي رثى نفسه وهو حيّ، حين قال في إحدى قصائده: «يا لقسمةِ بورخيس.. ما من غريب مثلك»، ولكن قبل الحكاية، يطيب للقارئ أن يعرف شيئاً ولو صغيراً بين ما كان عليه الرئيس، وما كان عليه الشاعر.

كان الرئيس ملاكماً ويحب التزلج وقراءة كتب التاريخ والفلسفة، وكان الشاعر مولعاً بالنمور والأطالس والمكتبات، وكان يقول: «أتصور دائماً أن جنة الخلد مكتبة» (ترجمة: محمد عيد إبراهيم)، ولأن بورخيس يكتب بلغة الحياة والحرية والحب، تضايق خوان بيرون من هذه الطبيعة الشعرية التي لا تتلاءم وطبيعة جنرال مهووس بالحكم، وينجو من الانقلابات العسكرية ليعود ثانية إلى سدة الحكم.

وضع خوان بيرون نقيضه بورخيس في موضع العدوّ، ولذلك، فصله من عمله كأمين لمكتبة البلدية في بيونس آيريس، ولم يكتف بفصله فقط، بل ذهب أكثر من ذلك إلى إهانته، وذلك حين عيّنه «مفتش دواجن» في سوق البلدية.

بورخيس أمام هذه الإهانة سارع من فوره إلى تقديم استقالته، وراح يعيش من قلمه، ثم تدور الأيام ويجري خلع خوان بيرون عن رئاسة الأرجنتين في انقلاب عسكري عام 1955، ونُفي خارج الأرجنتين، وهنا، يعود بورخيس مرة ثانية أميناً لأكبر مكتبة في عاصمة بلاده، لكن قصة الرئيس والشاعر تشبه البوّابة الدوّارة، فقد عاد بيرون من منفاه إلى الأرجنتين وأعيد انتخابه رئيساً في العام 1973، وهنا مرة ثانية استقال بورخيس من فوره، لكن بيرون لم يحكم في المرة الثانية طويلاً، إذ توفي بعد عام واحد من فترة رئاسته الثانية في العام 1974، لتنتهي بذلك حكاية صراع الديكة بين الشاعر والرئيس.

تأملت هذه الشدّ العصبي والنفسي بين خوان بيرون وبورخيس، وغبطت الشاعر الذي يبدو من هذه الحكاية أنه فعلاً محظوظ، فإن عقاباً مثل مفتش دواجن أهون مئة مرة من السجن، أو التصفية المعنوية أو الجسدية.

معروف عن بعض جنرالات أمريكا اللاتينية عدم الرحمة حتى لو كان من يقف أمام الجنرال ماركيز، أو ماتشادو، أو ألبيرتي، غير أن بورخيس نجا بريشته كما يقولون، ربما لأنه ساخر كبير، يرى أن الحياة جملة، وأن «جزر الفوكلاند معركة بين أصلعين على مشط».

[email protected]