أول ما يتبادر إلى ذهن أي منا بعد كلمة انتماء هو الوطن، وكل ما يضاف إلى هذه الكلمة قرن بالولاء إليه، ونحن بلاشك نحبه ونتغنى به ونسعد بهذا الانتماء إليه، لكني هنا أريد معنى آخر وأكثر شمولاً، ولعله في ما بعد يعود بي إلى حيث بدأت، وهو الوطن، أما الآن فما أريد أن أنطلق منه هو: فكرة الانتماء أو ثقافة الانتماء إلى الذات وإلى الإنسانية، فهو أمر حق أن ننتمي إلى ذاتنا الإنسانية، ونعامل الآخر بهذا التعريف في أمور عامة مجردة، مما يشكل عندنا قدرة في ما بعد إلى استيعاب مفهوم الثقافة بشكله العام وشكله الخاص، وبشكله المنتمي وشكله غير المنتمي المجرد، فالموروث الخاص ببيئة ما هو موروث إنساني وبناء تاريخي ما هو إرث إنساني، وهكذا ولعل هذا ما انطلقت منه اليونسكو في تسجيل التراث الإنساني، لكن أهم تراث إنساني هو الإنسان نفسه، فهو مصدر كل تراث إنساني، ومستهدف لكل تراث إنساني، لذا فإن ثقافة التعايش هي من أولويات الإنتاج المطلوبة للفعل الثقافي، لا الصدام ومنطق الحوار مبني على الاستعداد الأولي للقبول دون التماهي، والاختلاف لا الخلاف بذاته في التمازج والاطلاع الثقافي، ومن ثم فإن حجم إنسانيتك هو بحجم ما تصنع من مساحة لكي تبرز إنسانية الآخرين.
والسؤال هو: هل نملك القدرة على تفهم هذا الأمر كسلوك يومي نمارسه بوعي نتيجة اتصالنا بالفعل الثقافي؟
سؤالي موجه للطرفين معاً المرسل والمتلقي للفعل الثقافي، بمعنى أن انتماءنا يتكون في شخصية تستطيع صناعة حوار وفهم ينعكس حتى في قيادة السيارة مثلاً، وبمعنى آخر: هل دوائر ومؤسسات الثقافة أو التربية مسؤولة عن التغير في نسبة حوادث الطرق؟ عن نفسي وفي رأيي الشخصي المتواضع فإننا ورغم جمال طرقنا وشوارعنا فإن طرقنا تفتقد إلى إنسانية القيادة في كثير من الأحيان، بدليل أن ما نفقده على الطرق أرواح كثيرة يكون نتيجة رغبة تنافس، أو فهمنا للغاية من وسيلة النقل فهماً خاطئاً، وإضافة إلى ذلك نفتقد إلى ثقافة استخدام المرافق العامة في استخدامنا للطرقات، دع عنك النظافة والإزعاج والضوضاء وغيرها، ومما نفقد أيضاً ثقافة احترام القانون في غياب الرقيب، ونفتقد الحوار على الطريق ولدينا الرغبة في إقصاء المنافس، ورغم أن الازدحام مقلق ويشكل ضغوطاً عصبية، لكنه يوجد في كثير من بلدان العالم، أما نحن فلا نطيقه لأننا لا نملك ثقافة الوقوف في طابور، وثقافة الانتظار، كما هو التذمر من الجلوس إلى محاضرة أو مادة ثقافية دسمة فترة زمنية أطول مما كنا نتوقع لبرمجة مسبقة في عقولنا، وكأننا نعاني من النشاط المفرط ذلك الذي يعاني منه بعض الأطفال، ولا ندري إلى أي شيء ندخر هذا الفائض من أوقاتنا. ولا أدري إن غاب إفراز هذا عن برامجنا الثقافية، ولم يتمثل انعكاسه على واقع كثير من مؤشرات المجتمع، فما جدوى تلك البرامج إذاً؟
في كثير من دول العالم توجد ساعات رقمية توضع في الميادين تشير إلى اقتراب مناسبات معينة أو عدادات لزيادة نسبة السكان وغيرها، ولعلي أضع هنا اقتراحاً بوضع عدادات رقمية في ميادين عامة وطرقات رئيسة تشير إلى تنامي عدد حوادث الطرقات، فإن هذا الأمر قد يشعرنا إلى مقدار افتقادنا إلى ذواتنا الإنسانية على الطريق، فلا نكون رقماً معلناً في تلك الساعات، ولا يكون لغياب هذه الثقافات المفقودة من برامجنا هذا الأثر المدمي، وتأتي الاتكالية من بعض أفراد المجتمع وكأن الأمر لا يعني أياً منا، فأشير إلى حكاية ذلك الوالي الذي أراد أن يرى حب أهل قريته فصنع حوضاً وطلب من أهل القرية أن يضع كل منهم في الحوض فنجان عسل في ليلة لا قمر فيها دليلاً على حبهم لقريتهم وواليهم، وعندما أصبح في يومه اللاحق لموعد سكب فنجان العسل في الحوض وجد أن الحوض، قد امتلأ لكنه قد امتلأ بالماء لا بالعسل.. استغرب من ذلك وسأل أحد المارة فأخبره أنه تواكل حتى الموعد ولم يجد عسلاً، فظن أن فنجان ماء في حوض عسل لن يؤثر شيئاً، ولن يغير من العسل، لكنه لم يدرك أن القرية فعلت مثل فعله فجاء الحوض كله ماء وليس فيه عسل.