كروتشه وماهية الفن

رؤية نقدية
05:53 صباحا
قراءة 3 دقائق

خص الفيلسوف الإيطالي بندتو كروتشه 1866 1952 المسألة الفنية بكتابين مسهبين أولهما الاستطيقا بوصفها علم التعبير ،1902 وثانيهما كتابه المجمل في علم الجمال 1913.

وكان لهذين الكتابين بالغ الأثر في النقد الأدبي، خاصة في إيطاليا، لما تضمناه من رؤى نقدية تأسيسية متميزة، انبنت على أساس منظور فلسفي هيجيلي، اتخذه كروتشه منطلقا لمقاربة الظاهرة الجمالية. حيث ابتدأ أولا بتحديد ماهية الكائن الانساني بوصفه كائناً يمتاز ببعده الروحي، مشيرا إلى أن الفعالية الروحية تتمظهر في مستويين: مستوى الفعل النظري، ومستوى الفعل العملي.

والفعل النظري نشاط معرفي ينتهج فيه الكائن البشري وسائل إدراكية حدسية ومنطقية، أما نشاط الفعل العملي فيتمظهر في بعدين هما النشاط الاقتصادي الذي يستهدف تحقيق غايات فردية، والنشاط الأخلاقي الذي يبتغي غايات كلية.

فالمعرفة إذن هي إما حصيلة حدس أو عقل، والفن هو نتاج حدوس، ولذا فهو مستقل عن التصور العقلي ولا يرتهن به.

وإذا كانت مختلف التصنيفات الفلسفية تلتقي عند تصنيف علم الجمال ضمن العلوم المعيارية؛ فإن كروتشه يخالف هذا العرف الفلسفي الشائع، حيث يرى أن علم الجمال علم لامعياري Non Normative. وللدلالة على ماهيته ينعته بكونه علما وصفيا؛ لكن رغم تحديده لعلم الجمال على هذا النحو، فإنه لا يعرف الفن بكونه واقعة طبيعية فيزيائية، كما أنه ليس تجريدا رياضيا، بمعنى أن النتاج الفني لا هو ظاهرة فيزيقية كالضوء والحرارة، ولا هو تجريد رمزي كالكائنات الرياضية الدائرة، المثلث، المربع، بل هو حقيقة روحية؛ ومن ثم فهي لا تقبل التكميم الرياضي، ولا الوصف بمعايير المنظور الفيزيائي التجريبي.

وتأسيسا على هذا التمييز ندرك دلالة التحديد الذي يعطيه كروتشه لمفهوم الرؤية الفنية بوصفها رؤية عيانية أي حدساً مغايراً في مقاربته للذات والوجود لنمط الإدراك الذي تنتهجه المعرفة الفلسفية والعلمية، وبناء على هذه المغايرة بين المعطى الفني والمعطى الفيزيائي والرياضي ينتقد كروتشه انتهاج أسلوب التعداد والقياس الذي يلجأ بعض نقاد الفن إلى إجرائه، مشيرا إلى أن الحقيقة الفنية ليس لها وجود مادي؛ لأن الفن يقول كروتشه في كتابه المجمل حقيقة روحية ننفعل بها.

وإذا كانت الكثير من المقاربات الفلسفية تخلص الى تحديد وظيفي للفن بتحليل وقعه النفسي في الشعور، فتجعل اللذة غاية الممارسة الفنية؛ فإن كروتشه يعارض أيضا هذا الاختزال، نافيا أن تكون غاية الفن تحصيل اللذة واجتناب الألم، أو تحقيق المنفعة وتحصيل العائد المادي، كما يرفض تأويل الفن من خلال نظرية الالتزام؛ حيث لا يقبل بأن يقارب الفن بمعيارية أخلاقية أو بمنطق التوظيف الاجتماعي والسياسي؛ ولذا نجده يرفض بشدة نظرية النقد الفني الماركسي، كما يرفض المنظور الأخلاقي الذي يفاضل بين المنتوجات الفنية من خلال نوعية القيم التي تحملها؛ حيث يقول إن الأخلاق هي القيام بالواجب تجاه الآخر، والفنان لا واجب عليه سوى التعبير عن إلهاماته وحدوسه بتلقائية وحرية؛ لأن حقيقة عمله الإبداعي هو إعطاء شكل لما هو كامن في داخله، لهذا إذا وجدنا في نص الفنان تعبيرا عن قبح أو انحطاط خلقي فلا يجب مؤاخذته على ذلك، بل يجب تغيير الواقع الذي يكتنف الفنان؛ وما دام القبح سائدا في الواقع فلا يجب مؤاخذة الفنان عن التعبير عنه.

إن كروتشه يدافع بشدة عن استقلالية الفعل الابداعي الفني وحريته، ولهذا يمنع استدخال الحكم الاخلاقي في الأحكام الجمالية، فكما أنه لا يجوز أن نحكم على الشكل الرياضي من معيار أخلاقي، فنقول مثلا عن الدائرة إنها خير والمثلث شر، فكذلك النتاج الفني لا يجوز أن نحكم عليه من زاوية أخلاقية.

وفي سياق تمييز الممارسة الفنية عن الممارسة المعرفية المنطقية يشير كروتشه إلى أنه لا ينبغي أن نحكم على الفن من زاوية الصدق والكذب، حتى لو كان العمل الفني يتناول حدثا تاريخيا؛ لأن مرتكز الفن هو الخيال وليس المطابقة، ففي استهلال كتابه المجمل يشير كروتشه إلى أن الفن رؤية وحدس، ونتاجه صورة أو وهم؛ ومن ثم فطلاقة الخيال شرط مطلوب لتحقق إبداعية الفعل الفني، ولذا فشرط المطابقة هو عائق يكبت اندفاع الفعل الإبداعي، ومن ثم لا يجب اتخاذه أساساً يرتكز عليه الحكم الجمالي، ويعاير به المنتوج الفني.

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"